Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإنسان - الآية 2

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) (الإنسان) mp3
" إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَان " أَيْ اِبْن آدَم مِنْ غَيْر خِلَاف " مِنْ نُطْفَة " أَيْ مِنْ مَاء يَقْطُر وَهُوَ الْمَنِيّ , وَكُلّ مَاء قَلِيل فِي وِعَاء فَهُوَ نُطْفَة ; كَقَوْلِ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة يُعَاتِب نَفْسه : مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ وَجَمْعُهَا : نُطَف وَنِطَاف .

أَخْلَاط . وَاحِدهَا : مِشْج وَمَشِيج , مِثْل خِدْن وَخَدِين ; قَالَ : رُؤْبَة : يَطْرَحْنَ كُلّ مُعَجَّل نَشَّاج لَمْ يُكْسَ جِلْدًا فِي دَم أَمْشَاج وَيُقَال : مَشَجْت هَذَا بِهَذَا أَيْ خَلَطْته , فَهُوَ مَمْشُوج وَمَشِيج ; مِثْل مَخْلُوط وَخَلِيط . وَقَالَ الْمُبَرَّد : وَاحِد الْأَمْشَاج : مَشِيج ; يُقَال : مَشَجَ يَمْشِج : إِذَا خَلَطَ , وَهُوَ هُنَا اِخْتِلَاط النُّطْفَة بِالدَّمِ ; قَالَ الشَّمَّاخ : طَوَتْ أَحْشَاء مُرْتِجَة لِوَقْتٍ عَلَى مَشَج سُلَالَته مَهِين وَقَالَ الْفَرَّاء : أَمْشَاج : أَخْلَاط مَاء الرَّجُل وَمَاء الْمَرْأَة , وَالدَّم وَالْعَلَقَة . وَيُقَال لِلشَّيْءِ مِنْ هَذَا إِذَا خُلِطَ : مَشِيج كَقَوْلِك خَلِيط , وَمَمْشُوج كَقَوْلِك مَخْلُوط . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : الْأَمْشَاج : الْحُمْرَة فِي الْبَيَاض , وَالْبَيَاض فِي الْحُمْرَة . وَهَذَا قَوْل يَخْتَارهُ كَثِير مِنْ أَهْل اللُّغَة ; قَالَ الْهُذَلِيّ : كَأَنَّ الرِّيش وَالْفُوقَيْنِ مِنْهُ خِلَاف النَّصْل سِيطَ بِهِ مَشِيج وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ : يَخْتَلِط مَاء الرَّجُل وَهُوَ أَبْيَض غَلِيظ بِمَاءِ الْمَرْأَة وَهُوَ أَصْفَر رَقِيق فَيُخْلَق مِنْهُمَا الْوَلَد , فَمَا كَانَ مِنْ عَصَب وَعَظْم وَقُوَّة فَهُوَ مِنْ مَاء الرَّجُل , وَمَا كَانَ مِنْ لَحْم وَدَم وَشَعْر فَهُوَ مِنْ مَاء الْمَرْأَة . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا ; ذَكَرَهُ الْبَزَّار . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود : أَمْشَاجهَا عُرُوق الْمُضْغَة . وَعَنْهُ : مَاء الرَّجُل وَمَاء الْمَرْأَة وَهُمَا لَوْنَانِ . وَقَالَ مُجَاهِد : نُطْفَة الرَّجُل بَيْضَاء وَحَمْرَاء , وَنُطْفَة الْمَرْأَة خَضْرَاء وَصَفْرَاء . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : خُلِقَ مِنْ أَلْوَان ; خُلِقَ مِنْ تُرَاب , ثُمَّ مِنْ مَاء الْفَرْج وَالرَّحِم , وَهِيَ نُطْفَة ثُمَّ عَلَقَة ثُمَّ مُضْغَة ثُمَّ عَظْم ثُمَّ لَحْم . وَنَحْوه قَالَ قَتَادَة : هِيَ أَطْوَار الْخَلْق : طَوْر عَلَقَة وَطَوْر مُضْغَة وَطَوْر عِظَام ثُمَّ يَكْسُو الْعِظَام لَحْمًا ; كَمَا قَالَ فِي سُورَة " الْمُؤْمِنُونَ " " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين " [ الْمُؤْمِنُونَ : 12 ] الْآيَة . وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : الْأَمْشَاج الْأَخْلَاط ; لِأَنَّهَا مُمْتَزِجَة مِنْ أَنْوَاع فَخُلِقَ الْإِنْسَان مِنْهَا ذَا طَبَائِع مُخْتَلِفَة . وَقَالَ أَهْل الْمَعَانِي : الْأَمْشَاج مَا جُمِعَ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْوَاحِد ; لِأَنَّهُ نَعْت لِلنُّطْفَةِ ; كَمَا يُقَال : بُرْمَة أَعْشَار وَثَوْب أَخْلَاق . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ : قَالَ جَاءَ حَبْر مِنْ الْيَهُود إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَخْبِرْنِي عَنْ مَاء الرَّجُل وَمَاء الْمَرْأَة ؟ فَقَالَ : ( مَاء الرَّجُل أَبْيَض غَلِيظ وَمَاء الْمَرْأَة أَصْفَر رَقِيق فَإِذَا عَلَا مَاء الْمَرْأَة آنَثَتْ وَإِذَا عَلَا مَاء الرَّجُل أَذْكَرَتْ ) فَقَالَ الْحَبْر : أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّك رَسُول اللَّه . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْقَوْل مُسْتَوْفًى فِي سُورَة " الْبَقَرَة " .

أَيْ نَخْتَبِرهُ . وَقِيلَ : نُقَدِّر فِيهِ الِابْتِلَاء وَهُوَ الِاخْتِبَار . وَفِيمَا يُخْتَبَر بِهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : نَخْتَبِرهُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرّ ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . الثَّانِي : نَخْتَبِر شُكْره فِي السَّرَّاء وَصَبْره فِي الضَّرَّاء ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : " نَبْتَلِيه " نُكَلِّفهُ . وَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : بِالْعَمَلِ بَعْد الْخَلْق ; قَالَهُ مُقَاتِل . الثَّانِي : بِالدِّينِ لِيَكُونَ مَأْمُورًا بِالطَّاعَةِ وَمَنْهِيًّا عَنْ الْمَعَاصِي . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : " نَبْتَلِيهِ " : نُصَرِّفهُ خَلْقًا بَعْد خَلْق ; لِنَبْتَلِيَهُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرّ . وَحَكَى مُحَمَّد بْن الْجَهْم عَنْ الْفَرَّاء قَالَ : الْمَعْنَى وَاَللَّه أَعْلَم

لِنَبْتَلِيَهُ , وَهِيَ مُقَدَّمَة مَعْنَاهَا التَّأْخِير . قُلْت : لِأَنَّ الِابْتِلَاء لَا يَقَع إِلَّا بَعْد تَمَام الْخِلْقَة وَقِيلَ : " جَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا " : يَعْنِي جَعَلْنَا لَهُ سَمْعًا يَسْمَع بِهِ الْهُدَى , وَبَصَرًا يُبْصِر بِهِ الْهُدَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • البينة العلمية في القرآن

    البينة العلمية في القرآن: رسالة مختصرة تُبيِّن عظمة القرآن الكريم وفضله، وبيان أنه أعظم معجزة لخير الرسل محمد - عليه الصلاة والسلام -، مع إظهار شيءٍ مما ورد فيه من آياتٍ بيِّناتٍ تدل على إعجازه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339049

    التحميل:

  • الحج والعمرة في ضوء الكتاب والسنة وأثرهما في تربية المسلم

    الحج والعمرة في ضوء الكتاب والسنة وأثرهما في تربية المسلم: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فمنذ أن وفَّقني الله تعالى إلى حجِّ بيته الحرام عام 1970 م وأنا توَّاق لوضعِ كتابٍ في مناسكِ الحجِّ والعُمرة، يكون مُدعَّمًا بالأدلةِ من الكتابِ والسنةِ؛ حيث إن مُعظَمَ الكتب المُدوَّنة في هذا الشأنِ جاءت مُجرَّدة من الاستِدلالِ على الأحكامِ التي تضمَّنَتها. ولكن كثرةُ الأعمال كانت تحولُ دون التعجيلِ بهذا العملِ، حتى شاءَ الله تعالى وشرحَ صدري فقمتُ بوضعِ هذا الكتابِ، وسمَّيتُه: «الحج والعمرة في ضوء الكتاب والسنة». كما إنني رأيتُ أن أُفرِد بابًا خاصًّا أُضمِّنُه حُكمَ قصرِ الصلاةِ، والجمعِ بين الصلاتين في السفر؛ نظرًا لأن حُجَّاج بيت الله الحرام في أمسِّ الحاجةِ لمعرفةِ هذه الأحكام. ولقد توخَّيتُ في كتابي هذا سهولةَ العبارة، والبُعد عن التعصُّب إلى مذهبٍ مُعيَّن».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384406

    التحميل:

  • الأذان والإقامة في ضوء الكتاب والسنة

    الأذان والإقامة في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «الأذان والإقامة» بيَّنت فيها بإيجاز: حكم الأذان والإقامة، ومفهومهما، وفضل الأذان، وصفته، وآداب المؤذن، وشروط الأذان والمؤذن، وحكم الأذان الأول قبل طلوع الفجر، ومشروعية الأذان والإقامة لقضاء الفوائت والجمع بين الصلاتين، وفضل إجابة المؤذن،وحكم الخروج من المسجد بعد الأذان، وكم بين الأذان والإقامة؛ كل ذلك مقرونًا بالأدلة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1920

    التحميل:

  • مكة بلد الله الحرام

    مكة بلد الله الحرام: قال المصنف - حفظه الله -: «فقد اختص الله - عز وجل - مكة من بين سائر أصقاع الأرض، وشرفها بإقامة بيته العتيق، وجعل الحج إلى البيت الركنَ الخامس من أركان الإسلام. ورغبة في تعريف المسلمين بحق هذا الحرم المبارك جمعت هذه الأوراق».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345926

    التحميل:

  • المنهاج النبوي في تربية الأطفال

    المنهاج النبوي في تربية الأطفال: رسالة مختصرة جمع فيها المؤلف نماذج من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في تربية الأطفال، وهو بذلك يضعها قدوةً ليقتدي بها المسلمون في تربية أبنائهم، وقد وضع الصفات التي ينبغي أن يتحلَّى بها المُربِّي الصالح من صحيح سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332497

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة