Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة القيامة - الآية 34

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (34) (القيامة) mp3
تَهْدِيد بَعْد تَهْدِيد , وَوَعِيد بَعْدَ وَعِيد , أَيْ فَهُوَ وَعِيد أَرْبَعَة لِأَرْبَعَةٍ ; كَمَا رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل الْجَاهِل بِرَبِّهِ فَقَالَ : " فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى . وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى " أَيْ لَا صَدَّقَ رَسُولَ اللَّه , وَلَا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيَّ فَصَلَّى , وَلَكِنْ كَذَّبَ رَسُولِي , وَتَوَلَّى عَنْ التَّصْلِيَة بَيْنَ يَدَيَّ . فَتَرَكَ التَّصْدِيقَ خَصْلَة , وَالتَّكْذِيب خَصْلَة , وَتَرَكَ الصَّلَاةَ خَصْلَة , وَالتَّوَلِّي عَنْ اللَّه تَعَالَى خَصْلَة ; فَجَاءَ الْوَعِيد أَرْبَعَة مُقَابِلَة لِتَرْكِ الْخِصَال الْأَرْبَعَة . وَاَللَّه أَعْلَم . لَا يُقَال : فَإِنَّ قَوْله : " ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْله يَتَمَطَّى " خَصْلَة خَامِسَة ; فَإِنَّا نَقُول : تِلْكَ كَانَتْ عَادَته قَبْل التَّكْذِيب وَالتَّوَلِّي , فَأَخْبَرَ عَنْهَا . وَذَلِكَ بَيِّن فِي قَوْل قَتَادَة عَلَى مَا نَذْكُرهُ . وَقِيلَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِد ذَاتَ يَوْم , فَاسْتَقْبَلَهُ أَبُو جَهْل عَلَى بَاب الْمَسْجِد , مِمَّا يَلِي بَاب بَنِي مَخْزُوم , فَأَخَذَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ , فَهَزَّهُ مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ : ( أَوْلَى لَك فَأَوْلَى ) فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْل : أَتُهَدِّدُنِي ؟ فَوَاَللَّهِ إِنِّي لَأَعَزّ أَهْل الْوَادِي وَأَكْرَمه . وَنَزَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ لِأَبِي جَهْل . وَهِيَ كَلِمَة وَعِيد . قَالَ الشَّاعِر : فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى وَهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَب مِنْ مَرَدّ

قَالَ قَتَادَة : أَقْبَلَ أَبُو جَهْل بْن هِشَام يَتَبَخْتَر , فَأَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَقَالَ : ( أَوْلَى لَك فَأَوْلَى , ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى ) . فَقَالَ : مَا تَسْتَطِيع أَنْتَ وَلَا رَبّك لِي شَيْئًا , إِنِّي لَأَعَزّ مَنْ بَيْنَ جَبَلَيْهَا . فَلَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر أَشْرَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : لَا يُعْبَد اللَّه بَعْدَ هَذَا الْيَوْم أَبَدًا . فَضَرَبَ اللَّه عُنُقَهُ , وَقَتَلَهُ شَرّ قِتْلَة .

وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : الْوَيْل لَك ; وَمِنْهُ قَوْل الْخَنْسَاء : هَمَمْت بِنَفْسِي كُلّ الْهُمُوم فَأَوْلَى لِنَفْسِي أَوْلَى لَهَا سَأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلَة فَإِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا الْآلَة : الْحَالَة , وَالْآلَة : السَّرِير أَيْضًا الَّذِي يُحْمَل عَلَيْهِ الْمَيِّت ; وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل قِيلَ : هُوَ مِنْ الْمَقْلُوب ; كَأَنَّهُ قِيلَ : أَوْيَل , ثُمَّ أُخِّرَ الْحَرْف الْمُعْتَلّ , وَالْمَعْنَى : الْوَيْل لَك حَيًّا , وَالْوَيْل لَك مَيِّتًا , وَالْوَيْل لَك يَوْم الْبَعْث , وَالْوَيْل لَك يَوْم تَدْخُل النَّار ; وَهَذَا التَّكْرِير كَمَا قَالَ : لَك الْوَيْلَات إِنَّك مُرْجِلِي أَيْ لَك الْوَيْل , ثُمَّ الْوَيْل , ثُمَّ الْوَيْل , وَضُعِّفَ هَذَا الْقَوْل . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الذَّمّ لَك , أَوْلَى , مَنْ تَرْكه , إِلَّا أَنَّهُ كَثِير فِي الْكَلَام فَحُذِفَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْتَ أَوْلَى وَأَجْدَر بِهَذَا الْعَذَاب .

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى : قَالَ الْأَصْمَعِيّ " أَوْلَى " فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَاهُ مُقَارَبَة الْهَلَاك , كَأَنَّهُ يَقُول : قَدْ وَلِيت الْهَلَاك , قَدْ دَانَيْت الْهَلَاك ; وَأَصْله مِنْ الْوَلْي , وَهُوَ الْقُرْب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار " [ التَّوْبَة : 123 ] أَيْ يَقْرُبُونَ مِنْكُمْ ; وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ : وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْوَلَاء أَيْ قَارَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ; وَأَنْشَدَ أَيْضًا : أَوْلَى لِمَنْ هَاجَتْ لَهُ أَنْ يَكْمَدَا أَيْ قَدْ دَنَا صَاحِبهَا [ مِنْ ] الْكَمَد . وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب يَسْتَحْسِن قَوْل الْأَصْمَعِيّ وَيَقُول : لَيْسَ أَحَد يُفَسِّر كَتَفْسِيرِ الْأَصْمَعِيّ .

النَّحَّاس : الْعَرَب تَقُول أَوْلَى لَك : كِدْت تَهْلِك ثُمَّ أَفْلَتَّ , وَكَأَنَّ تَقْدِيرَهُ : أَوْلَى لَك وَأَوْلَى بِك الْهَلَكَة .

الْمَهْدَوِيّ قَالَ : وَلَا تَكُون أَوْلَى ( أَفْعَل مِنْك ) , وَتَكُون خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , كَأَنَّهُ قَالَ : الْوَعِيد أَوْلَى لَهُ مِنْ غَيْره ; لِأَنَّ أَبَا زَيْد قَدْ حَكَى : أَوْلَاةُ الْآن : إِذَا أَوْعَدُوا . فَدُخُول عَلَامَة التَّأْنِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ .

و " لَك " خَبَر عَنْ " أَوْلَى " . وَلَمْ يَنْصَرِف " أَوْلَى " لِأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا لِلْوَعِيدِ , فَصَارَ كَرَجُلٍ اِسْمه أَحْمَد . وَقِيلَ : التَّكْرِير فِيهِ عَلَى مَعْنَى أَلْزَم لَك عَلَى عَمَلِك السَّيِّئ الْأَوَّل , ثُمَّ عَلَى الثَّانِي , وَالثَّالِث , وَالرَّابِع , كَمَا تَقَدَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حقوق آل البيت بين السنة والبدعة

    حقوق آل البيت بين السنة والبدعة: رسالة نادرة لشيخ الإسلام - رحمه الله - تبين مذهب السلف في شعبة من شعب الإيمان التي تتعلق بأعمال القلب، وهي حب أهل بيت النبوة كما دل عليه القرآن والحديث.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1988

    التحميل:

  • العقيدة الصحيحة وما يضادها ونواقض الإسلام

    العقيدة الصحيحة وما يضادها ونواقض الإسلام: محاضرة ألقاها فضيلة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - بين فيها أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، إذا أنه من المعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، فإن كانت العقيدة غير صحيحة بطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1872

    التحميل:

  • التحذير من البدع

    التحذير من البدع: كتيب لطيف للشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - ويحتوي على 4 رسائل، وهي: حكم الاحتفال بالمولد، حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان، تنبيه على كذب الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/102352

    التحميل:

  • صفة الوضوء والصلاة

    صفة الوضوء والصلاة: قال المؤلف: فهذه رسالة لطيفة نافعة في (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم) جمعناها تحقيقاً وامتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « صلوا كما رأيتموني أصلي » مع بيان صفة الوضوء قبلها، والأذكار بعدها. وقد أخذناها من كتابنا الجامع (مُخْتَصرُ الفِقْه الإسْلامي) وأفردناها لأهميتها، وحاجة كل مسلم إلى معرفتها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380415

    التحميل:

  • تفسير ابن كثير [ تفسير القرآن العظيم ]

    تفسير ابن كثير: تحتوي هذه الصفحة على نسخة وورد، ومصورة pdf، والكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى الآية من كتاب تفسير ابن كثير - تفسير القرآن العظيم - والذي يعتبر من أفيد كتب التفسير بالرواية، حيث يفسر القرآن بالقرآن، ثم بالأحاديث المشهورة في دواوين المحدثين بأسانيدها، ويتكلم على أسانيدها جرحاً وتعديلاً، فبين ما فيها من غرابة أو نكارة أو شذوذ غالباً، ثم يذكر آثار الصحابة والتابعين. قال السيوطي فيه: « لم يُؤلَّف على نمطه مثلُه ». • ونبشر الزوار الكرام بأنه قد تم ترجمة الكتاب وبعض مختصراته إلى عدة لغات عالمية وقد أضفنا بعضاً منها في موقعنا islamhouse.com

    المدقق/المراجع: جماعة من المراجعين

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net - دار طيبة للنشر والتوزيع - دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2458

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة