Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة القيامة - الآية 15

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15) (القيامة) mp3
أَيْ وَلَوْ أَرْخَى سُتُورَهُ . وَالسِّتْر بِلُغَةِ أَهْل الْيَمَن : مِعْذَار ; قَالَهُ الضَّحَّاك وَقَالَ الشَّاعِر : وَلَكِنَّهَا ضَنَّتْ بِمَنْزِلِ سَاعَة عَلَيْنَا وَأَطَّتْ فَوْقهَا بِالْمَعَاذِرِ

قَالَ الزَّجَّاج : الْمَعَاذِر : السُّتُور , وَالْوَاحِد مِعْذَار ; أَيْ وَإِنْ أَرْخَى سِتْرَهُ ; يُرِيد أَنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ , فَنَفْسه شَاهِدَة عَلَيْهِ . وَقِيلَ : أَيْ وَلَوْ اِعْتَذَرَ فَقَالَ لَمْ أَفْعَل شَيْئًا , لَكَانَ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسه مَنْ يَشْهَد عَلَيْهِ مِنْ جَوَارِحه , فَهُوَ وَإِنْ اِعْتَذَرَ وَجَادَلَ عَنْ نَفْسه , فَعَلَيْهِ شَاهِد يُكَذِّب عُذْرَهُ ; قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد وَأَبُو الْعَالِيَة وَعَطَاء وَالْفَرَّاء وَالسُّدِّيّ أَيْضًا وَمُقَاتِل . قَالَ مُقَاتِل : أَيْ لَوْ أَدْلَى بِعُذْرٍ أَوْ حُجَّة لَمْ يَنْفَعهُ ذَلِكَ . نَظِيره قَوْله تَعَالَى : " يَوْمَ لَا يَنْفَع الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتهمْ " [ غَافِر : 52 ] وَقَوْله : " وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ " [ الْمُرْسَلَات : 36 ] فَالْمَعَاذِير عَلَى هَذَا : مَأْخُوذ مِنْ الْعُذْر ; قَالَ الشَّاعِر : وَإِيَّاكَ وَالْأَمْر الَّذِي إِنْ تَوَسَّعَتْ مَوَارِده ضَاقَتْ عَلَيْك الْمَصَادِر فَمَا حَسَن أَنْ يَعْذِر الْمَرْء نَفْسَهُ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ سَائِر النَّاس عَاذِر

وَاعْتَذَرَ رَجُل إِلَى إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ فَقَالَ لَهُ : قَدْ عَذَرْتُك غَيْر مُعْتَذِر , إِنَّ الْمَعَاذِيرَ يَشُوبهَا الْكَذِب .

وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ " أَيْ لَوْ تَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابه . حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ . قُلْت : وَالْأَظْهَر أَنَّهُ الْإِدْلَاء بِالْحُجَّةِ وَالِاعْتِذَار مِنْ الذَّنْب ; وَمِنْهُ قَوْل النَّابِغَة : هَا إِنَّ ذِي عِذْرَة إِلَّا تَكُنْ نَفَعَتْ فَإِنَّ صَاحِبَهَا مُشَارِك النَّكَد

وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى فِي الْكُفَّار " وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " [ الْأَنْعَام : 23 ] وَقَوْله تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ : " يَوْم يَبْعَثهُمْ اللَّه جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ " [ الْمُجَادَلَة : 18 ] .

وَفِي الصَّحِيح أَنَّهُ يَقُول : ( يَا رَبّ آمَنْت بِك وَبِكِتَابِك وَبِرَسُولِك , وَصَلَّيْت وَصُمْت وَتَصَدَّقْت , وَيُثْنِي بِخَيْر مَا اِسْتَطَاعَ ) الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " حم السَّجْدَة " وَغَيْرهَا .

وَالْمَعَاذِير وَالْمَعَاذِر : جَمْع مَعْذِرَة ; وَيُقَال : عَذَرْته فِيمَا صَنَعَ أَعْذِرهُ عُذْرًا وَعُذُرًا , وَالِاسْم الْمَعْذِرَة وَالْعُذْرَى ; قَالَ الشَّاعِر : إِنِّي حُدِدْت وَلَا عُذْرَى لِمَحْدُودِ وَكَذَلِكَ الْعُذْرَة وَهِيَ مِثْل الرُّكْبَة وَالْجِلْسَة ; قَالَ النَّابِغَة : هَا إِنَّ تَا عِذْرَة إِلَّا تَكُنْ نَفَعَتْ فَإِنَّ صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ فِي الْبَلَد

قَوْله تَعَالَى : " وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ " وَمَعْنَاهُ لَوْ اِعْتَذَرَ بَعْد الْإِقْرَار لَمْ يُقْبَل مِنْهُ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ رَجَعَ بَعْدَمَا أَقَرَّ فِي الْحُدُود الَّتِي هِيَ خَالِص حَقّ اللَّه ; فَقَالَ أَكْثَرهمْ مِنْهُمْ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : يُقْبَل رُجُوعه بَعْد الْإِقْرَار . وَقَالَ بِهِ مَالِك فِي أَحَد قَوْلَيْهِ , وَقَالَ فِي الْقَوْل الْآخَر : لَا يُقْبَل إِلَّا أَنْ يَذْكُر لِرُجُوعِهِ وَجْهًا صَحِيحًا .

وَالصَّحِيح جَوَاز الرُّجُوع مُطْلَقًا ; لِمَا رَوَى الْأَئِمَّة مِنْهُمْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْمُقِرّ بِالزِّنَا مِرَارًا أَرْبَعًا كُلّ مَرَّة يُعْرِض عَنْهُ , وَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسه أَرْبَع مَرَّات دَعَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : ( أَبِك جُنُون ) قَالَ : لَا . قَالَ : ( أُحْصِنْت ) قَالَ : نَعَمْ . وَفِي حَدِيث الْبُخَارِيّ : ( لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت أَوْ نَظَرْت ) . وَفِي النَّسَائِيّ وَأَبِي دَاوُدَ : حَتَّى قَالَ لَهُ فِي الْخَامِسَة ( أَجَامَعْتهَا ) قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : ( حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْك فِي ذَلِكَ مِنْهَا ) قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : ( كَمَا يَغِيب الْمِرْوَد فِي الْمُكْحُلَة وَالرِّشَاء فِي الْبِئْر ) . قَالَ : نَعَمْ . ثُمَّ قَالَ : ( هَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا ) قَالَ : نَعَمْ , أَتَيْت مِنْهَا حَرَامًا مِثْل مَا يَأْتِي الرَّجُل مِنْ أَهْله حَلَالًا . قَالَ : ( فَمَا تُرِيد مِنِّي ) ؟ قَالَ : أُرِيد أَنْ تُطَهِّرَنِي . قَالَ : فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ . قَالَ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُدَ : فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَة فَرَّ يَشْتَدّ , فَضَرَبَهُ رَجُل بِلَحْيِ جَمَل , وَضَرَبَهُ النَّاس حَتَّى مَاتَ . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ) وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ : لِيَتَثَبَّتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَّا لِتَرْكِ حَدّ فَلَا . وَهَذَا كُلّه طَرِيق لِلرُّجُوعِ وَتَصْرِيح بِقَبُولِهِ . وَفِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت ) إِشَارَة إِلَى قَوْل مَالِك : إِنَّهُ يُقْبَل رُجُوعه إِذَا ذَكَرَ وَجْهًا .

وَهَذَا فِي الْحُرّ الْمَالِك لِأَمْرِ نَفْسه , فَأَمَّا الْعَبْد فَإِنَّ إِقْرَارَهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَد قِسْمَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُقِرّ عَلَى بَدَنه , أَوْ عَلَى مَا فِي يَده وَذِمَّته ; فَإِنْ أَقَرَّ عَلَى مَا فِي بَدَنه فِيمَا فِيهِ عُقُوبَة مِنْ الْقَتْل فَمَا دُونَهُ نَفَذَ ذَلِكَ عَلَيْهِ .

وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : لَا يُقْبَل ذَلِكَ مِنْهُ ; لِأَنَّ بَدَنَهُ مُسْتَغْرِق لِحَقِّ السَّيِّد , وَفِي إِقْرَاره إِتْلَاف حُقُوق السَّيِّد فِي بَدَنه ; وَدَلِيلنَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَات شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّه , فَإِنَّ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَته نُقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ ) . الْمَعْنَى أَنَّ مَحَلَّ الْعُقُوبَة أَصْل الْخِلْقَة , وَهِيَ ( الدُّمْيَة ) فِي الْآدَمِيَّة , وَلَا حَقّ لِلسَّيِّدِ فِيهَا , وَإِنَّمَا حَقّه فِي الْوَصْف وَالتَّبَع , وَهِيَ الْمَالِيَّة الطَّارِئَة عَلَيْهِ ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَمْ يُقْبَل , حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنَّهُ لَوْ قَالَ سَرَقْت هَذِهِ السِّلْعَةَ أَنَّهُ لَمْ تُقْطَع يَده وَيَأْخُذهَا الْمُقَرّ لَهُ .

وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : السِّلْعَة لِلسَّيِّدِ وَيُتْبَع الْعَبْد بِقِيمَتِهَا إِذَا عَتَقَ ; لِأَنَّ مَالَ الْعَبْد لِلسَّيِّدِ إِجْمَاعًا , فَلَا يُقْبَل قَوْله فِيهِ وَلَا إِقْرَاره عَلَيْهِ , لَا سِيَّمَا وَأَبُو حَنِيفَة يَقُول : إِنَّ الْعَبْدَ لَا مِلْكَ لَهُ وَلَا يَصِحّ أَنْ يَمْلِك وَلَا يُمَلِّك , وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يَصِحّ تَمَلُّكه . وَلَكِنَّ جَمِيعَ مَا فِي يَده لِسَيِّدِهِ بِإِجْمَاعٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • صلاة العيدين في المصلى هي السنة

    صلاة العيدين في المصلى هي السنة : قال المؤلف - رحمه الله - « فهذه رسالة لطيفة في إثبات أن صلاة العيدين في المُصلى خارج البلد هي السنة، كنتُ قد ألفتها منذ ثلاثين سنة، رداً على بعض المبتدعة الذين حاربوا إحياءَنا لهذه السنة في دمشق المحروسة أشد المحاربة، بعد أن ْ صارتْ عند الجماهير نسياً منسياً، لا فرق في ذالك بين الخاصة والعامة، إلا منْ شاء الله ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233618

    التحميل:

  • الخلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة

    الخلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة: قال المؤلف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «الخلق الحسن»، بيّنت فيها تعريف الخُلُق الحسن، وفضائله، وأنواعه، في اثنين وعشرين مبحثًا على النحو الآتي: المبحث الأول: تعريف الخلق الحسن. المبحث الثاني: فضائل الخلق الحسن. المبحث الثالث: طرق اكتساب الخلق الحسن. المبحث الرابع: فروع الخلق الحسن. المبحث الخامس: الجود والكرم. المبحث السادس: العدل. المبحث السابع: التواضع. المبحث الثامن: الإخلاص. المبحث التاسع: الصدق. المبحث العاشر: القدوة الحسنة. المبحث الحادي عشر: العلم النافع. المبحث الثاني عشر: الحكمة. المبحث الثالث عشر: السلوك الحكيم. المبحث الرابع عشر: الاستقامة. المبحث الخامس عشر: الخبرات والتجارب. المبحث السادس عشر: السياسة الحكيمة. المبحث السابع عشر: إنزال الناس منازلهم. المبحث الثامن عشر: الحلم والعفو. المبحث التاسع عشر: الأناة والتثبت. المبحث العشرون: الرفق واللين. المبحث الحادي والعشرون: الصبر. المبحث الثاني والعشرون: الرحمة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/282604

    التحميل:

  • الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع

    الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع : بحث في بيان مدى مشروعية ما يفعله كثير من الناس ، من الاجتماع في البيوت والمساجد في أوقات معينة ، أو مناسبات معينة ، أو بعد الصلوات المكتوبة لذكر الله تعالى بشكل جماعي ، أو يردد أحدهم ويرددون خلفه هذه الأذكار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/46840

    التحميل:

  • قضايا تهم المرأة

    قضايا تهم المرأة : فقد رأيت أن أفرد من كتابي «الثمار اليانعة من الكلمات الجامعة» قضايا تهم المرأة، ونحو ربها ودينها ودنياها وآخرتها في الحث «على الزواج وبيان فوائده» والتحذير من غلاء المهور وبيان أضراره، وذكر العلاقات بين الزوجين في نظر الإسلام، وإباحة تعدد الزوجات في الإسلام، ووجوب الحجاب على المرأة المسلمة صيانة لها، وبيان ما يلزم المحدة على زوجها من الأحكام (وذكر خطورة الاختلاط بين الرجال والنساء غير المحارم). (وصفات نساء الجنة) (وصفات نساء النار، والحث على وقاية الأنفس والأهل من النار). «وبيان حكم مصافحة المرأة الأجنبية التي ليس محرما». «وبيان أحكام الحيض والاستحاضة والنفاس». «وما جاء في زكاة الحلي، وبيان تحريم تبرج النساء، واختلاطهن بالرجال والأمر بالحجاب، وأن النساء على النصف من الرجال في بعض الأحكام، وذكر نقد مساواة المرأة بالرجل على ضوء الإسلام».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209159

    التحميل:

  • تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية

    « تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية »: رسالة رد فيها المصنف - حفظه الله - على من يخلط بين منهج شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، ومنهج عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن رستم، الخارجي الأباضيّ المتوفى عام 197 هـ.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2473

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة