Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المدثر - الآية 31

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ (31) (المدثر) mp3
وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا جَهْل قَالَ أَفَيَعْجِز كُلّ مِائَة مِنْكُمْ أَنْ يَبْطِشُوا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ , ثُمَّ تَخْرُجُونَ مِنْ النَّار ؟ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّار إِلَّا مَلَائِكَة " أَيْ لَمْ نَجْعَلهُمْ رِجَالًا فَتَتَعَاطَوْنَ مُغَالَبَتَهُمْ . وَقِيلَ : جَعَلَهُمْ مَلَائِكَة لِأَنَّهُمْ خِلَاف جِنْس الْمُعَذَّبِينَ مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس , فَلَا يَأْخُذهُمْ مَا يَأْخُذ الْمُجَانِس مِنْ الرَّأْفَة وَالرِّقَّة , وَلَا يَسْتَرْوِحُونَ إِلَيْهِمْ ; وَلِأَنَّهُمْ أَقْوَم خَلْق اللَّه بِحَقِّ اللَّه وَبِالْغَضَبِ لَهُ , فَتُؤْمَن هَوَادَتهمْ ; وَلِأَنَّهُمْ أَشَدّ خَلْق اللَّه بَأْسًا وَأَقْوَاهُمْ بَطْشًا .


أَيْ بَلِيَّة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ غَيْر وَجْه قَالَ : ضَلَالَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا , يُرِيد أَبَا جَهْل وَذَوِيهِ . وَقِيلَ : إِلَّا عَذَابًا , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " يَوْم هُمْ عَلَى النَّار يُفْتَنُونَ . ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ " [ الذَّارِيَات : 14 ]. أَيْ جَعَلْنَا ذَلِكَ سَبَب كُفْرهمْ وَسَبَب الْعَذَاب .


أَيْ لِيُوقِن الَّذِينَ أُعْطُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ أَنَّ عِدَّةَ خَزَنَة جَهَنَّم مُوَافِقَة لِمَا عِنْدَهُمْ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُجَاهِد وَغَيْرهمْ . ثُمَّ يَحْتَمِل أَنَّهُ يُرِيد الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ يُرِيد الْكُلَّ .


بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ كُلَّمَا صَدَّقُوا بِمَا فِي كِتَاب اللَّه آمَنُوا , ثُمَّ اِزْدَادُوا إِيمَانًا لِتَصْدِيقِهِمْ بِعَدَدِ خَزَنَة جَهَنَّم .


" وَلَا يَرْتَاب " أَيْ وَلَا يَشُكّ " الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ " أَيْ اُعْطُوا الْكِتَابَ

" وَالْمُؤْمِنُونَ " أَيْ الْمُصَدِّقُونَ مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنَّ عِدَّةَ خَزَنَة جَهَنَّم تِسْعَةَ عَشَرَ .


أَيْ فِي صُدُورهمْ شَكّ وَنِفَاق مِنْ مُنَافِقِي أَهْل الْمَدِينَة , الَّذِينَ يُنَجِّمُونَ فِي مُسْتَقْبَل الزَّمَان بَعْدَ الْهِجْرَة وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفَاق وَإِنَّمَا نَجَمَ بِالْمَدِينَةِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ; أَيْ وَلِيَقُولَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَنْجُمُونَ فِي مُسْتَقْبَل الزَّمَان بَعْدَ الْهِجْرَة .

" وَالْكَافِرُونَ " أَيْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى

وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : السُّورَة مَكِّيَّة وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفَاق ; فَالْمَرَض فِي هَذِهِ الْآيَة الْخِلَاف

وَ " الْكَافِرُونَ " أَيْ مُشْرِكُو الْعَرَب . وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ . وَيَجُوز أَنْ يُرَادَ بِالْمَرَضِ : الشَّكّ وَالِارْتِيَاب ; لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّة كَانَ أَكْثَرهمْ شَاكِّينَ , وَبَعْضهمْ قَاطِعِينَ بِالْكَذِبِ وَقَوْله تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ : " مَاذَا أَرَادَ اللَّه " أَيْ مَا أَرَادَ " بِهَذَا " الْعَدَد الَّذِي ذَكَرَهُ حَدِيثًا , أَيْ مَا هَذَا مِنْ الْحَدِيث .


يَعْنِي بِعَدَدِ خَزَنَة جَهَنَّم .

وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : السُّورَة مَكِّيَّة وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفَاق ; فَالْمَرَض فِي هَذِهِ الْآيَة الْخِلَاف

وَ " الْكَافِرُونَ " أَيْ مُشْرِكُو الْعَرَب . وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ . وَيَجُوز أَنْ يُرَادَ بِالْمَرَضِ : الشَّكّ وَالِارْتِيَاب ; لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّة كَانَ أَكْثَرهمْ شَاكِّينَ , وَبَعْضهمْ قَاطِعِينَ بِالْكَذِبِ وَقَوْله تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ : " مَاذَا أَرَادَ اللَّه " أَيْ مَا أَرَادَ " بِهَذَا " الْعَدَد الَّذِي ذَكَرَهُ حَدِيثًا , أَيْ مَا هَذَا مِنْ الْحَدِيث .

قَالَ اللَّيْث : الْمَثَل الْحَدِيث ; وَمِنْهُ : " مَثَل الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ " أَيْ حَدِيثهَا وَالْخَبَر عَنْهَا


" كَذَلِكَ " أَيْ كَإِضْلَالِ اللَّه أَبَا جَهْل وَأَصْحَابه الْمُنْكِرِينَ لِخَزَنَةِ جَهَنَّم " يُضِلّ اللَّه " أَيْ يُخْزِي وَيُعْمِي " مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي " أَيْ وَيُرْشِد " مَنْ يَشَاء " كَإِرْشَادِ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : " كَذَلِكَ يُضِلّ اللَّه " عَنْ الْجَنَّة " مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي " إِلَيْهَا " مَنْ يَشَاء " .


أَيْ وَمَا يَدْرِي عَدَد مَلَائِكَة رَبّك الَّذِينَ خَلَقَهُمْ لِتَعْذِيبِ أَهْل النَّار " إِلَّا هُوَ " أَيْ إِلَّا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَهَذَا جَوَاب لِأَبِي جَهْل حِينَ قَالَ : أَمَا لِمُحَمَّدٍ مِنْ الْجُنُود إِلَّا تِسْعَةَ عَشَرَ ! وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِم غَنَائِم حُنَيْنٍ , فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَجَلَسَ عِنْده , فَأَتَى مَلَك فَقَالَ : إِنَّ رَبّك يَأْمُرك بِكَذَا وَكَذَا , فَخَشِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ شَيْطَانًا , فَقَالَ : ( يَا جِبْرِيل أَتَعْرِفُهُ ) ؟ فَقَالَ : هُوَ مَلَك وَمَا كُلّ مَلَائِكَة رَبّك أَعْرِف . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : قَالَ مُوسَى : " يَا رَبّ مَنْ فِي السَّمَاء ؟ قَالَ مَلَائِكَتِي . قَالَ كَمْ عِدَّتهمْ يَا رَبّ ؟ قَالَ : اِثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا . قَالَ : كَمْ عِدَّة كُلّ سِبْط ؟ قَالَ : عَدَد التُّرَاب " ذَكَرَهُمَا الثَّعْلَبِيّ . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَطَّتْ السَّمَاء وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطّ , مَا فِيهَا مَوْضِع أَرْبَع أَصَابِع إِلَّا وَمَلَك وَاضِع جَبْهَتَهُ لِلَّهِ سَاجِدًا ) .


يَعْنِي الدَّلَائِل وَالْحُجَج وَالْقُرْآن . وَقِيلَ : " وَمَا هِيَ " أَيْ وَمَا هَذِهِ النَّار الَّتِي هِيَ سَقَر " إِلَّا ذِكْرَى " أَيْ عِظَة " لِلْبَشَرِ " أَيْ لِلْخَلْقِ . وَقِيلَ : نَار الدُّنْيَا تَذْكِرَة لِنَارِ الْآخِرَة .

قَالَهُ الزَّجَّاج . وَقِيلَ : أَيْ مَا هَذِهِ الْعِدَّة " إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ " أَيْ لِيَتَذَكَّرُوا وَيَعْلَمُوا كَمَال قُدْرَة اللَّه تَعَالَى , وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاج إِلَى أَعْوَان وَأَنْصَار ; فَالْكِنَايَة عَلَى هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى : " وَمَا هِيَ " تَرْجِع إِلَى الْجُنُود ; لِأَنَّهُ أَقْرَب مَذْكُور .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • لماذا يكرهونه ؟! [ الأصول الفكرية لموقف الغرب من نبي الإسلام ]

    يهدف البحث إلى التعرف على الأسباب الفكرية لهذا الموقف الغربي، وكيف يمكن مقاومة هذا الموقف عملياً للدفاع عن رموز الأمة الإسلامية؟

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205665

    التحميل:

  • التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

    التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: قال المؤلف - حفظه الله -: «فإن القرآن الكريم كلام الله - عز وجل - أنزله على قلب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون من المُنذِرين، وما زال العلماء - منذ نزوله - يتعاقبون على دراسته، ويعكُفون على النهل من معينه، والتزوُّد من هدايته. ومن أعظم ما أُلِّف في هذا الشأن في العصور المتأخرة ما رقمته يراعةُ العالم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور - رحمه الله -، وذلك في تفسيره المعروف بـ: «التحرير والتنوير». ونظرًا لعظم شأن تفسيره، ولأنه ملِيء بكنور من العلم والمعارف والثقافة، ولكونه مُطوَّلاً .. فقد رأيتُ أن أستخرج بعض اللطائف الرائعة، واللفتات البارعة التي احتوى عليها ذلك التفسير العظيم؛ رغبةً في عموم النفع، وإسهامًا في التعريف بهذا العمل الجليل الذي لا يخطر لكثيرٍ من طلبة العلم - فضلاً عن غيرهم - ما يشتمل عليه من نفائس العلم وغواليه، وقد سميته: «التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور»».

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355729

    التحميل:

  • الحكمة

    الحكمة: فلما للحكمة من مكانة عظيمة من الكتاب والسنة، ولحاجة الأمة حاضرًا ومستقبلاً إليها في كل شؤونها، ولخفاء معنى الحكمة على كثيرٍ من المسلمين، فقد قمتُ ببحث هذا الموضوع في ضوء القرآن الكريم، مسترشدًا بآياته، مستشهدًا بقَصَصه، متأملاً لأوامره ونواهيه، مع النهل من معين السنة في فهم معنى الحكمة، .. كما أفدتُ من كلام السلف من الصحابة ومن بعدهم، توضيحًا لمعاني الحكمة ومدلولاتها، وقد بذلتُ جهدي، وحرصتُ على ضرب بعض الأمثلة من الواقع المعاصر تقريبًا للفهم، وتحقيقًا للقصد.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337580

    التحميل:

  • الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

    الطرق الحكمية في السياسة الشرعية : هذا الكتاب من أفضل الكتب التي وضعت في أصول القضاء الشرعي وتحقيق طرقه التي تلائم سياسة الأمم بالعدل وحالة العمران في كل زمان.

    المدقق/المراجع: نايف بن أحمد الحمد

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265612

    التحميل:

  • التصوف بين التمكين والمواجهة

    هذا الكتاب يبين مدى ضلال وانحراف بعض الفرق الضالة التي تنتسب إلى الله وإلى شرعه وآل رسوله - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته - رضي الله عنهم -، وكيف أن مثل هذا الضلال يجعل أعداء الإسلام يتخذون أمثال هؤلاء للإضرار بالإسلام والمسلمين، بل ويدعمونهم ويصنعون منهم قوة يُحسب لها حساب وتلعب دور وهي تكسب بذلك ولاءهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287647

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة