Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المزمل - الآية 17

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) (المزمل) mp3
هُوَ تَوْبِيخ وَتَقْرِيع , أَيْ كَيْفَ تَتَّقُونَ الْعَذَابَ إِنْ كَفَرْتُمْ . وَفِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , أَيْ كَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا يَجْعَل الْوِلْدَان شِيبًا إِنْ كَفَرْتُمْ . وَكَذَا قِرَاءَة عَبْد اللَّه وَعَطِيَّة .

‎قَالَ الْحَسَن : أَيْ بِأَيِّ صَلَاة تَتَّقُونَ الْعَذَابَ ؟ بِأَيِّ صَوْم تَتَّقُونَ الْعَذَابَ ؟ وَفِيهِ إِضْمَار , أَيْ كَيْفَ تَتَّقُونَ عَذَابَ يَوْم . وَقَالَ قَتَادَة : وَاَللَّه مَا يَتَّقِي مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ ذَلِكَ الْيَوْم بِشَيْءٍ . وَ " يَوْمًا " مَفْعُول بِ " تَتَّقُونَ " عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة وَلَيْسَ بِظَرْفٍ , وَإِنْ قُدِّرَ الْكُفْر بِمَعْنَى الْجُحُود كَانَ الْيَوْم مَفْعُول ( كَفَرْتُمْ ) .

وَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : وَقْف التَّمَام عَلَى قَوْله : ( كَفَرْتُمْ ) وَالِابْتِدَاء ( يَوْمًا ) يَذْهَب إِلَى أَنَّ الْيَوْمَ مَفْعُول " يَجْعَل " وَالْفِعْل لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَكَأَنَّهُ قَالَ : يَجْعَل اللَّه الْوِلْدَان شِيبًا فِي يَوْم . قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ ; وَهَذَا لَا يَصْلُح ; لِأَنَّ الْيَوْمَ هُوَ الَّذِي يَفْعَل هَذَا مِنْ شِدَّة هَوْله . الْمَهْدَوِيّ : وَالضَّمِير فِي " يَجْعَل " يَجُوز أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ , وَإِذَا كَانَ لِلْيَوْمِ صَلُحَ أَنْ يَكُونَ صِفَة لَهُ , وَلَا يَصْلُح ذَلِكَ إِذَا كَانَ الضَّمِير لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا مَعَ تَقْدِير حَذْف ; كَأَنَّهُ قَالَ : يَوْمًا يَجْعَل اللَّه الْوِلْدَان فِيهِ شِيبًا . اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَمِنْهُمْ مَنْ نَصَبَ الْيَوْمَ ب " كَفَرْتُمْ " وَهَذَا قَبِيح ; لِأَنَّ الْيَوْمَ إِذَا عُلِّقَ بِ " كَفَرْتُمْ " اِحْتَاجَ إِلَى صِفَة ; أَيْ كَفَرْتُمْ بِيَوْمٍ . فَإِنْ اِحْتَجَّ مُحْتَجّ بِأَنَّ الصِّفَةَ قَدْ تُحْذَف وَيُنْصَب مَا بَعْدَهَا , اِحْتَجَجْنَا عَلَيْهِ بِقِرَاءَةِ عَبْد اللَّه " فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا " . قُلْت : هَذِهِ الْقِرَاءَة لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً , وَإِنَّمَا جَاءَتْ عَلَى وَجْه التَّفْسِير . وَإِذَا كَانَ الْكُفْر بِمَعْنَى الْجُحُود فَ " يَوْمًا " مَفْعُول صَرِيح مِنْ غَيْر صِفَة وَلَا حَذْفهَا ; أَيْ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ اللَّهَ وَتَخْشَوْنَهُ إِنْ جَحَدْتُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة وَالْجَزَاء . وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّال قَعْنَب " فَكَيْفَ تَتَّقُونِ " بِكَسْرِ النُّون عَلَى الْإِضَافَة .

و " الْوِلْدَان " الصِّبْيَان . وَقَالَ السُّدِّيّ : هُمْ أَوْلَاد الزِّنَا . وَقِيلَ : أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ . وَالْعُمُوم أَصَحّ ; أَيْ يَشِيب فِيهِ الضَّمِير مِنْ غَيْر كِبَر . وَذَلِكَ حِينَ يُقَال : ( يَا آدَم قُمْ فَابْعَثْ بَعْث النَّار ) . عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل سُورَة " الْحَجّ " .

قَالَ الْقُشَيْرِيّ : ثُمَّ إِنَّ أَهْل الْجَنَّة يُغَيِّر اللَّه أَحْوَالهمْ وَأَوْصَافَهُمْ عَلَى مَا يُرِيد .

وَقِيلَ : هَذَا ضَرْب مَثَل لِشِدَّةِ ذَلِكَ الْيَوْم وَهُوَ مَجَاز ; لِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَة لَا يَكُون فِيهِ وِلْدَان وَلَكِنْ مَعْنَاهُ أَنَّ هَيْبَة ذَلِكَ الْيَوْم بِحَالٍ لَوْ كَانَ فِيهِ هُنَاكَ صَبِيّ لَشَابَ رَأْسه مِنْ الْهَيْبَة . وَيُقَال : هَذَا وَقْت الْفَزَع , وَقِيلَ أَنْ يُنْفَخ فِي الصُّور نَفْخَة الصَّعْق , فَاَللَّه أَعْلَم . الزَّمَخْشَرِيُّ : وَقَدْ مَرَّ بِي فِي بَعْض الْكُتُب أَنَّ رَجُلًا أَمْسَى فَاحِم الشَّعْر كَحَنَكِ الْغُرَاب , فَأَصْبَحَ وَهُوَ أَبْيَض الرَّأْس وَاللِّحْيَة كَالثَّغَامَةِ , فَقَالَ : أُرِيت الْقِيَامَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ فِي الْمَنَام , وَرَأَيْت النَّاسَ يُقَادُونَ فِي السَّلَاسِل إِلَى النَّار , فَمِنْ هَوْل ذَلِكَ أَصْبَحْت كَمَا تَرَوْنَ . وَيَجُوز أَنْ يُوصَفَ الْيَوْم بِالطُّولِ , وَأَنَّ الْأَطْفَالَ يَبْلُغُونَ فِيهِ أَوَان الشَّيْخُوخَة وَالشَّيْب .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الوقت أنفاس لا تعود

    الوقت أنفاس لا تعود: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن رأس مال المسلم في هذه الدنيا وقت قصير.. أنفاسٌ محدودة وأيام معدودة.. فمن استثمر تلك اللحظات والساعات في الخير فطوبى له, ومن أضاعها وفرط فيها فقد خسر زمنًا لا يعود إليه أبدًا. وفي هذا العصر الذي تفشى فيه العجز وظهر فيه الميل إلى الدعة والراحة.. جدبٌ في الطاعة وقحطٌ في العبادة وإضاعة للأوقات فيما لا فائدة.. أُقدم هذا الكتاب.. ففيه ملامح عن الوقت وأهميته وكيفية المحافظة عليه وذكر بعض من أهمتهم أعمارهم فأحيوها بالطاعة وعمروها بالعبادة».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229496

    التحميل:

  • الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع

    الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع : بحث في بيان مدى مشروعية ما يفعله كثير من الناس ، من الاجتماع في البيوت والمساجد في أوقات معينة ، أو مناسبات معينة ، أو بعد الصلوات المكتوبة لذكر الله تعالى بشكل جماعي ، أو يردد أحدهم ويرددون خلفه هذه الأذكار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/46840

    التحميل:

  • مرشد المعتمر والحاج والزائر في ضوء الكتاب والسنة

    مرشد المعتمر والحاج والزائر في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في فضائل, وآداب، وأحكام العمرة والحج وزيارة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اختصرتها من كتابي «العمرة والحج والزيارة» في ضوء الكتاب والسنة؛ ليسهل الانتفاع بها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/268368

    التحميل:

  • رسائل الأفراح

    رسائل الأفراح: رسالة مشتملة على بيان الحقوق الزوجية، وبعض الآداب وما ينبغي أن يحذره المسلم والمسلمة حال حضورهم للأفراح.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1979

    التحميل:

  • الفوائد الجلية في المباحث الفرضية

    الفوائد الجلية في المباحث الفرضية: قال المصنف - رحمه الله - « فهذه نبذة وجيزة مفيدة في علم الفرائض على مذهب الإمام أحمد بن حنبل - قدس الله روحه ونوّر ضريحه -، جمعتها للقاصرين مثلي، ولخصت أكثرها من تقريرات شيخنا الشيخ العلامة محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف - أسكنه الله فسيح جناته، ونفعنا والمسلمين بعلومه وإفاداته، آمين -. وقد جردتها من الدليل والتعليل في غالب المواضع طلباً للاختصار وتسهيلاً على من يريد حفظها، وربما أشرت إلى بعض الخلاف لقوته، ورجحت ما يقتضي الدليل ترجيحه إما في صلب الكتاب وإما في الحواشي وسميتها ( الفوائد الجلية في المباحث الفرضية ) ... ».

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/102350

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة