Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الجن - الآية 9

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا (9) (الجن) mp3
"مِنْهَا " أَيْ مِنْ السَّمَاء , و " مَقَاعِد " : مَوَاضِع يُقْعَد فِي مِثْلهَا لِاسْتِمَاعِ الْأَخْبَار مِنْ السَّمَاء ; يَعْنِي أَنَّ مَرَدَة الْجِنّ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْتَمِعُوا مِنْ الْمَلَائِكَة أَخْبَار السَّمَاء حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْكَهَنَة عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه , فَحَرَسهَا اللَّه تَعَالَى حِينَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالشُّهُبِ الْمُحْرِقَة , فَقَالَتْ الْجِنّ حِينَئِذٍ : " فَمَنْ يَسْتَمِع الْآن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا " يَعْنِي بِالشِّهَابِ : الْكَوْكَب الْمُحْرِق ; وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ .

وَيُقَال : لَمْ يَكُنْ اِنْقِضَاض الْكَوَاكِب إِلَّا بَعْد مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آيَة مِنْ آيَاته . وَاخْتَلَفَ السَّلَف هَلْ كَانَتْ الشَّيَاطِين تَقْذِف قَبْل الْمَبْعَث , أَوَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا حَدَثَ لِمَبْعَثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ الْكَلْبِيّ وَقَالَ قَوْم : لَمْ تَكُنْ تُحْرَس السَّمَاء فِي الْفَتْرَة بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّد صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمَا وَسَلَامه : خَمْسمِائَةِ عَام , وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْل بَعْثَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعُوا مِنْ السَّمَوَات كُلّهَا , وَحُرِسَتْ بِالْمَلَائِكَةِ وَالشُّهُب . قُلْت : وَرَوَاهُ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس ; ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيّ . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : لَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي نُبِّئَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعَتْ الشَّيَاطِين , وَرُمُوا بِالشُّهُبِ , وَقَالَ عَبْد الْمَلِك بْن سَابُور : لَمْ تَكُنْ السَّمَاء تُحْرَس فِي الْفَتْرَة بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُرِسَتْ السَّمَاء , وَرُمِيَتْ الشَّيَاطِين بِالشُّهُبِ , وَمُنِعَتْ عَنْ الدُّنُوّ مِنْ السَّمَاء .

وَقَالَ نَافِع بْن جُبَيْر : كَانَتْ الشَّيَاطِين فِي الْفَتْرَة تَسْمَع فَلَا تُرْمَى , فَلَمَّا بُعِثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ . وَنَحْوه عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : لَمْ يَرْمِ بِنَجْمٍ مُنْذُ رُفِعَ عِيسَى حَتَّى نُبِّئَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُمِيَ بِهَا . وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْل الْمَبْعَث , وَإِنَّمَا زَادَتْ بِمَبْعَثِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْذَارًا بِحَالِهِ ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " مُلِئَتْ " أَيْ زِيدَ فِي حَرَسهَا ; وَقَالَ أَوْس بْن حُجْر وَهُوَ جَاهِلِيّ : فَانْقَضَّ كَالدُّرِّيِّ يَتْبَعهُ نَقْع يَثُور تَخَالهُ طُنُبَا وَهَذَا قَوْل الْأَكْثَرِينَ . وَقَدْ أَنْكَرَ الْجَاحِظ هَذَا الْبَيْت وَقَالَ : كُلّ شِعْر رُوِيَ فِيهِ فَهُوَ مَصْنُوع , وَأَنَّ الرَّمْي لَمْ يَكُنْ قَبْل الْمَبْعَث . وَالْقَوْل بِالرَّمْيِ أَصَحّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا " . وَهَذَا إِخْبَار عَنْ الْجِنّ , أَنَّهُ زِيدَ فِي حَرَس السَّمَاء حَتَّى اِمْتَلَأَتْ مِنْهَا وَمِنْهُمْ ; وَلِمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : بَيْنَمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِس فِي نَفَر مِنْ أَصْحَابه إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ ; فَقَالَ : [ مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي مِثْل هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّة ] ؟ قَالُوا : كُنَّا نَقُول يَمُوت عَظِيم أَوْ يُولَد عَظِيم . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ إِنَّهَا لَا تُرْمَى لِمَوْتِ أَحَد وَلَا لِحَيَاتِهِ , وَلَكِنَّ رَبّنَا سُبْحَانه وَتَعَالَى إِذَا قَضَى أَمْرًا فِي السَّمَاء سَبَّحَ حَمَلَة الْعَرْش ثُمَّ سَبَّحَ أَهْل كُلّ سَمَاء , حَتَّى يَنْتَهِيَ التَّسْبِيح إِلَى هَذِهِ السَّمَاء وَيَسْتَخْبِر أَهْل السَّمَاء حَمَلَة الْعَرْش مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ فَيُخْبِرُونَهُمْ وَيُخْبِر أَهْل كُلّ سَمَاء حَتَّى يَنْتَهِيَ الْخَبَر إِلَى هَذِهِ , فَتَتَخَطَّفَ الْجِنّ فَيَرْمُونَ فَمَا جَاءُوا بِهِ فَهُوَ حَقّ وَلَكِنَّهُمْ يَزِيدُونَ فِيهِ ] .

وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الرَّجْم كَانَ قَبْل الْمَبْعَث . وَرَوَى الزُّهْرِيّ نَحْوه عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَفِي آخِره قِيلَ لِلزَّهْرِيِّ : أَكَانَ يُرْمَى فِي الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْت : أَفَرَأَيْت قَوْله سُبْحَانه : " وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُد مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِع الْآن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا " قَالَ : غَلُظَتْ وَشُدِّدَ أَمْرهَا حِينَ بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَنَحْوه قَالَ الْقُتَبِيّ . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : كَانَ وَلَكِنْ اِشْتَدَّتْ الْحِرَاسَة بَعْد الْمَبْعَث ; وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَرِقُونَ وَيُرْمَوْنَ فِي بَعْض الْأَحْوَال , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعَتْ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان هَذَا فِي سُورَة " الصَّافَّات " عِنْد قَوْله : " وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلّ جَانِب . دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَاب وَاصِب " [ الصَّافَّات : 8 - 9 ] قَالَ الْحَافِظ : فَلَوْ قَالَ قَائِل : كَيْفَ تَتَعَرَّض الْجِنّ لِإِحْرَاقِ نَفْسهَا بِسَبَبِ اِسْتِمَاع خَبَر , بَعْد أَنْ صَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُمْ ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُنْسِيهِمْ ذَلِكَ حَتَّى تَعْظُم الْمِحْنَة , كَمَا يَنْسَى إِبْلِيس فِي كُلّ وَقْت أَنَّهُ لَا يُسْلِم , وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ لَهُ : " وَإِنَّ عَلَيْك اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الدِّين " [ الْحِجْر : 35 ] وَلَوْلَا هَذَا لَمَا تَحَقَّقَ التَّكْلِيف . وَالرَّصَد : قِيلَ مِنْ الْمَلَائِكَة ; أَيْ وَرَصَدًا مِنْ الْمَلَائِكَة .

وَالرَّصَد : الْحَافِظ لِلشَّيْءِ وَالْجَمْع أَرْصَاد , وَفِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع يَجُوز أَنْ يَكُون جَمْعًا كَالْحَرَسِ , وَالْوَاحِد : رَاصِد . وَقِيلَ : الرَّصَد هُوَ الشِّهَاب , أَيْ شِهَابًا قَدْ أُرْصِدَ لَهُ , لِيُرْجَم بِهِ ; فَهُوَ فَعَلٌ بِمَعْنَى مَفْعُول كَالْخَبَطِ وَالنَّفَض .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فتح الرحمن في أسباب نزول القرآن

    فتح الرحمن في أسباب نزول القرآن: قال المُصنِّف - رحمه الله -: « .. وأثناء قيامي بتفسير القرآن الكريم كان من منهجِي: إذا كان للآية سبب نزول أكتبُه قبل الشروعِ في تفسير الآية الكريمة؛ إذ معرفةُ سبب النزول يُلقِي الضوءَ على معنى الآية الكريمة. ونظرًا لأهمية هذا الموضوع فقد بذلتُ قُصارى جهدي في الاقتِصار على الروايات الصحيحةِ، وبعد أن أعانني الله تعالى وأتممتُ تفسيرَ القرآن قرَّرتُ أن أضعَ مُصنَّفًا خاصًّا بأسباب نزول القرآن، فوضعتُ مُصنَّفي هذا».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385224

    التحميل:

  • موارد الظمآن لدروس الزمان

    كتاب ماتع يحتوي على حكم وأَحكام وقواعد ومواعظ وآداب وأَخلاق حسان، سماه مؤلفه « موارد الظمآن لدروس الزمان ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/52462

    التحميل:

  • كيف تعالج مريضك بالرقية الشرعية

    كتاب يتحدث عن الطريقة الصحيحة للعلاج بالرقية الشرعية، قدم له: الشيخ: عبد الله المنيع، الشيخ: عبد الله الجبرين، الشيخ: ناصر العقل، الشيخ: محمد الخميس، الشيخ: عبد المحسن العبيكان. - من مباحث الكتاب: خطوات وقواعد قبل العلاج: * الفراسة وتشخيص نوع المرض لاختلاف العلاج. * القرآن علاج لكل شيء ولا يعارض ذلك الأخذ بأسباب العلاج الأخرى. * القراءة التصورية على المريض بنية الشفاء، وعلى الجان بنية الهداية!. * الاعتقاد الجازم بأن الشفاء من الله وحده. * العين سبب لغالب امراض الناس!!. مباحث عن العين: * كيف تتم الإصابة بالعين وما شروط وقوعها؟ . * أقسام العائن، وقصة عامر مع سهل بن حنيف. * طريقة علاج العين وخطوات ذلك. * كيف تقي نفسك وأهلك من الإصابة بالعين؟ الأيات والأوراد التي تقرأ على المعيون، وكيف يرقي الإنسان نفسه؟ أنواع الحسد، وعلاقته بالعين والسحر. قصص واقعية عن تأثير الرقية الشرعية (الغيبوبة/ المشلول/ الأمعاء المعقدة/ المرض المجهول). أسئلة شاملة عن العين (الفرق بين الحاسد والمعجب/ كيفية الأخذ من الأثر!/ ما الاتهام وما فرقه عن التخيّل/ هل يصاب المتحصن بالاذكار؟/ اسباب انتشار العين وتسلّط الشياطين/ حكم استخدام الجن الصالحين).

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233612

    التحميل:

  • شرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة

    شرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة مجردة عن البدع والخرافات التي ألصقت بها وهي ليست منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314829

    التحميل:

  • لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد : رسالة مختصرة للعلامة ابن قدامة المقدسي - رحمه الله - بين فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، والقدر، واليوم الآخر، وما يجب تجاه الصحابة، والموقف من أهل البدع.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111041

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة