Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الجن - الآية 3

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) (الجن) mp3
قَوْله تَعَالَى : " وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " كَانَ عَلْقَمَة وَيَحْيَى وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَابْن عَامِر وَخَلَف وَحَفْص وَالسُّلَمِيّ يَنْصِبُونَ " أَنَّ " فِي جَمِيع السُّورَة فِي اِثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا , وَهُوَ : " أَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " , " وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول " , " وَأَنَّا ظَنَنَّا " , " وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال " , " وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا " , " وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء " , " وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُد " , " وَأَنَّا لَا نَدْرِي " , " وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ " , " وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ نُعْجِز اللَّه فِي الْأَرْض " , " وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى " , " وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ " عَطْفًا عَلَى قَوْله : " أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَر " , " وَأَنَّهُ اِسْتَمَعَ " لَا يَجُوز فِيهِ إِلَّا الْفَتْح ; لِأَنَّهَا فِي مَوْضِع اِسْم فَاعِل " أُوحِيَ " فَمَا بَعْده مَعْطُوف عَلَيْهِ . وَقِيلَ : هُوَ مَحْمُول عَلَى الْهَاء فِي " آمَنَّا بِهِ " , أَيْ و " بِأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " وَجَازَ ذَلِكَ وَهُوَ مُضْمَر مَجْرُور لِكَثْرَةِ حَرْف الْجَارّ مَعَ " أَنَّ " .

وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَيْ وَصَدَّقْنَا أَنَّهُ جَدّ رَبّنَا . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلّهَا بِالْكَسْرِ وَهُوَ الصَّوَاب , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو حَاتِم عَطْفًا عَلَى قَوْله : " فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا " لِأَنَّهُ كُلّه مِنْ كَلَام الْجِنّ . وَأَمَّا أَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة فَإِنَّهُمَا فَتَحَا ثَلَاثَة مَوَاضِع ; وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : " وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " , " وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول " , " وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال " , قَالَا : لِأَنَّهُ مِنْ الْوَحْي , وَكَسَرَا مَا بَقِيَ ; لِأَنَّهُ مِنْ كَلَام الْجِنّ . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : " وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْد اللَّه " [ الْجِنّ : 19 ] . فَكُلّهمْ فَتَحُوا إِلَّا نَافِعًا وَشَيْبَة وَزِرّ بْن حُبَيْش وَأَبَا بَكْر وَالْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم , فَإِنَّهُمْ كَسَرُوا لَا غَيْر . وَلَا خِلَاف فِي فَتْح هَمْزَة " أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَر مِنْ الْجِنّ " , " وَأَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا " " وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ " , " وَأَنْ قَدْ أَبْلَغُوا " . وَكَذَلِكَ لَا خِلَاف فِي كَسْر مَا بَعْد الْقَوْل ; نَحْو قَوْله تَعَالَى : " فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا " و " قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي " [ الْجِنّ : 20 ] و " قُلْ إِنْ أَدْرِي " [ الْجِنّ : 25 ] . و " قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِك " [ الْجِنّ : 21 ] . وَكَذَلِكَ لَا خِلَاف فِي كَسْر مَا كَانَ بَعْد فَاء الْجَزَاء ; نَحْو قَوْله تَعَالَى : " فَإِنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم " [ الْجِنّ : 23 ] و " فَإِنَّهُ يَسْلُك مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ " [ الْجِنّ : 27 ] . لِأَنَّهُ مَوْضِع اِبْتِدَاء .

" وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " الْجَدّ فِي اللُّغَة : الْعَظَمَة وَالْجَلَال ; وَمِنْهُ قَوْل أَنَس : كَانَ الرَّجُل إِذَا حَفِظَ الْبَقَرَة وَآل عِمْرَان جَدَّ فِي عُيُوننَا ; أَيْ عَظُمَ وَجَلَّ . فَمَعْنَى : " جَدّ رَبّنَا " أَيْ عَظَمَته وَجَلَاله ; قَالَ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَقَتَادَة . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا : ذَكَرَهُ . وَقَالَ أَنَس بْن مَالِك وَالْحَسَن وَعِكْرِمَة أَيْضًا : غِنَاهُ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدّ , وَرَجُل مَجْدُود أَيْ مَحْظُوظ ; وَفِي الْحَدِيث : [ وَلَا يَنْفَع ذَا الْجَدّ مِنْك الْجَدّ ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْخَلِيل : أَيْ ذَا الْغِنَى , مِنْك الْغِنَى , إِنَّمَا تَنْفَعهُ الطَّاعَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قُدْرَته . الضَّحَّاك : فِعْله . وَقَالَ الْقُرَظِيّ وَالضَّحَّاك أَيْضًا : آلَاؤُهُ وَنِعَمه عَلَى خَلْقه . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْأَخْفَش مُلْكه وَسُلْطَانه . وَقَالَ السُّدِّيّ : أَمْره . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : " وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " أَيْ تَعَالَى رَبّنَا . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ عَنَوْا بِذَلِكَ الْجَدّ الَّذِي هُوَ أَب الْأَب , وَيَكُون هَذَا مِنْ قَوْل الْجِنّ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن وَابْنه جَعْفَر الصَّادِق وَالرَّبِيع : لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى جَدّ , وَإِنَّمَا قَالَتْهُ الْجِنّ لِلْجَهَالَةِ , فَلَمْ يُؤَاخَذُوا بِهِ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَيَجُوز إِطْلَاق لَفْظ الْجَدّ فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى ; إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآن , غَيْر أَنَّهُ لَفْظ مُوهِم , فَتَجَنُّبه أَوْلَى . وَقِرَاءَة عِكْرِمَة " جِدّ " بِكَسْرِ الْجِيم : عَلَى ضِدّ الْهَزْل . وَكَذَلِكَ قَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَمُحَمَّد بْن السَّمَيْقَع . وَيُرْوَى عَنْ اِبْن السَّمَيْقَع أَيْضًا وَأَبِي الْأَشْهَب " جَدَا رَبّنَا " , وَهُوَ الْجَدْوَى وَالْمَنْفَعَة . وَقَرَأَ عِكْرِمَة أَيْضًا " جَدًّا " بِالتَّنْوِينِ " رَبُّنَا " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوع , " بِتَعَالَى " , و " جَدًّا " مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز . وَعَنْ عِكْرِمَة أَيْضًا " جَدٌّ " بِالتَّنْوِينِ وَالرَّفْع " رَبُّنَا " بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِير : تَعَالَى جَدّ جَدّ رَبّنَا ; فَجَدّ الثَّانِي بَدَل مِنْ الْأَوَّل وَحُذِفَ وَأُقِيمَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مُقَامه . وَمَعْنَى الْآيَة : وَأَنَّهُ تَعَالَى جَلَال رَبّنَا أَنْ يَتَّخِذ صَاحِبَة وَوَلَدًا لِلِاسْتِئْنَاسِ بِهِمَا وَالْحَاجَة إِلَيْهِمَا , وَالرَّبّ يَتَعَالَى عَنْ الْأَنْدَاد وَالنُّظَرَاء .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تذكير القوم بآداب النوم

    تذكير القوم بآداب النوم : في هذه الرسالة بيان آداب النوم وأحكامه والأذكار المشروعة قبله وبعده، وبيان هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيرته في نومه ويقظته فلنا فيه أسوة حسنة - صلوات الله وسلامه عليه -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209172

    التحميل:

  • رسالة إلى كل وافد

    رسالة الى كل وافد: قال المصنف - حفظه الله -: «فإنه يعيش بين أظهرنا وتحت سماءنا أحبة كرام وفدوا إلينا من مختلف الأقطار العربية والإسلامية, ولِمَا علمت من حقوقهم علينا وتأملت خلو الساحة من كتيب موجه لهم - رغم كثرتهم - وحاجتهم لذلك سطرت بعض صفحات يسيرة ونقاط سريعة مُقدِّمًا اعتذاري عن قصر المادة المطروحة ونقصها».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228671

    التحميل:

  • محاسن الصدق ومساوئ الكذب

    في هذه الرسالة بيان بعض محاسن الصدق ومساوئ الكذب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209197

    التحميل:

  • مسائل أبي عمر السدحان للإمام عبد العزيز بن باز

    قال فضيلة الشيخ صالح الفوزان - جزاه الله خيراً - « فإنّ مما يجرى أجره على الإنسان بعد موته علمًا يُنتفَع به، وإنّ شيخَنا الجليل الشيخ: عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله - قد ورّث علمًا نافعًا - إن شاء الله -، من جملته هذه الفتاوى التي رواها عنه تلميذُه الشيخ الدكتور: عبد العزيز السدحان في مواضيع مختلفة. وقد قرأتُها واستفدتُ منها، وأرجو أن يستفيد منها كلّ من اطلّع عليها، وأن يجري أجرها على شيخنا الشيخ عبدالعزيز وعلى راويها الشيخ: عبدالعزيز السدحان، وصلى الله وسلم على نبينِّا محمد وآله وصحبه ». - وفي هذه الصفحة جزآن من هذه المسائل العلمية النافعة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233551

    التحميل:

  • نداء إلى المربين والمربيات لتوجيه الأبناء والبنات

    نداء إلى المربين والمربيات لتوجيه الأبناء والبنات: نداء من الشيخ يبين فيه أهمية التربية، وكيف يكون المربي معلمًا ناجحًا؟

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1892

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة