Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الجن - الآية 27

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) (الجن) mp3
"إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُول " فَإِنَّهُ يُظْهِرهُ عَلَى مَا يَشَاء مِنْ غَيْبِهِ ; لِأَنَّ الرُّسُل مُؤَيَّدُونَ بِالْمُعْجِزَاتِ , وَمِنْهَا الْإِخْبَار عَنْ بَعْض الْغَائِبَات ; وَفِي التَّنْزِيل : " وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ " [ آل عِمْرَان : 49 ] .

وَقَالَ اِبْن جُبَيْر : " إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُول " هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَفِيهِ بُعْد , وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : أَيْ لَا يُظْهِر عَلَى غَيْبه إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى أَيْ اِصْطَفَى لِلنُّبُوَّةِ , فَإِنَّهُ يُطْلِعهُ عَلَى مَا يَشَاء مِنْ غَيْبه : لِيَكُونَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى نُبُوَّته .

قَالَ الْعُلَمَاء رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ : لَمَّا تَمَدَّحَ سُبْحَانَهُ بِعِلْمِ الْغَيْب وَاسْتَأْثَرَ من هنا بما يرضي الله وتعست الشركة بِهِ دُونَ خَلْقه , كَانَ فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَم الْغَيْب أَحَد سِوَاهُ , ثُمَّ اِسْتَثْنَى مَنْ اِرْتَضَاهُ مِنْ الرُّسُل , فَأَوْدَعَهُمْ مَا شَاءَ مِنْ غَيْبه بِطَرِيقِ الْوَحْي إِلَيْهِمْ , وَجَعَلَهُ مُعْجِزَة لَهُمْ وَدَلَالَة صَادِقَة عَلَى نُبُوَّتهمْ . وَلَيْسَ الْمُنَجِّم وَمَنْ ضَاهَاهُ مِمَّنْ يَضْرِب بِالْحَصَى وَيَنْظُر فِي الْكُتُب وَيَزْجُر بِالطَّيْرِ مِمَّنْ اِرْتَضَاهُ مِنْ رَسُول فَيُطْلِعهُ عَلَى مَا يَشَاء مِنْ غَيْبه , بَلْ هُوَ كَافِر بِاَللَّهِ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ بِحَدْسِهِ وَتَخْمِينه وَكَذِبه .

قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : وَلَيْتَ شِعْرِي مَا يَقُول الْمُنَجِّم فِي سَفِينَة رَكِبَ فِيهَا أَلْف إِنْسَان عَلَى اِخْتِلَاف أَحْوَالهمْ , وَتَبَايُن رُتَبهمْ , فِيهِمْ الْمَلِك وَالسُّوقَة , وَالْعَالِم وَالْجَاهِل , وَالْغَنِيّ وَالْفَقِير , وَالْكَبِير وَالصَّغِير , مَعَ اِخْتِلَاف طَوَالِعهمْ , وَتَبَايُن مَوَالِيدهمْ , وَدَرَجَات نُجُومهمْ ; فَعَمَّهُمْ حُكْم الْغَرَق فِي سَاعَة وَاحِدَة ؟ فَإِنْ قَالَ الْمُنَجِّم قَبَّحَهُ اللَّه : إِنَّمَا أَغْرَقَهُمْ الطَّالِع الَّذِي رَكِبُوا فِيهِ , فَيَكُون عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الطَّالِع أَبْطَلَ أَحْكَام تِلْكَ الطَّوَالِع كُلّهَا عَلَى اِخْتِلَافهَا عِنْد وِلَادَة كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ , وَمَا يَقْتَضِيه طَالِعه الْمَخْصُوص بِهِ , فَلَا فَائِدَة أَبَدًا فِي عَمَل الْمَوَالِيد , وَلَا دَلَالَة فِيهَا عَلَى شَقِيّ وَلَا سَعِيد , وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُعَانَدَة الْقُرْآن الْعَظِيم . وَفِيهِ اِسْتِحْلَال دَمه عَلَى هَذَا التَّنْجِيم , وَلَقَدْ أَحْسَنَ الشَّاعِر حَيْثُ قَالَ : حَكَمَ الْمُنَجِّم أَنَّ طَالِع مَوْلِدِي يَقْضِي عَلَيَّ بِمِيتَةِ الْغَرَق قُلْ لِلْمُنَجِّمِ صُبْحَة الطُّوفَان هَلْ وُلِدَ الْجَمِيع بِكَوْكَبِ الْغَرَق

وَقِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا أَرَادَ لِقَاء الْخَوَارِج : أَتَلْقَاهُمْ وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب ؟ فَقَالَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : فَأَيْنَ قَمَرهمْ ؟ وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِر الشَّهْر . فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَة الَّتِي أَجَابَ بِهَا , وَمَا فِيهَا مِنْ الْمُبَالَغَة فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ يَقُول بِالتَّنْجِيمِ , وَالْإِفْحَام لِكُلِّ جَاهِل يُحَقِّق أَحْكَام النُّجُوم . وَقَالَ لَهُ مُسَافِر بْن عَوْف : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ! لَا تَسِرْ فِي هَذِهِ السَّاعَة وَسِرْ فِي ثَلَاث سَاعَات يَمْضِينَ مِنْ النَّهَار . فَقَالَ لَهُ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَلِمَ ؟ قَالَ : إِنَّك إِنْ سِرْت فِي هَذِهِ السَّاعَة أَصَابَك وَأَصَابَ أَصْحَابك بَلَاء وَضُرّ شَدِيد , وَإِنْ سِرْت فِي السَّاعَة الَّتِي أَمَرْتُك بِهَا ظَفِرْت وَظَهَرْت وَأَصَبْت مَا طَلَبْت . فَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَجِّم , وَلَا لَنَا مِنْ بَعْده - مِنْ كَلَام طَوِيل يُحْتَجّ فِيهِ بِآيَاتٍ مِنْ التَّنْزِيل - فَمَنْ صَدَّقَك فِي هَذَا الْقَوْل لَمْ آمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُون كَمَنْ اِتَّخَذَ مِنْ دُون اللَّه نِدًّا أَوْ ضِدًّا , اللَّهُمَّ لَا طَيْر إِلَّا طَيْرك , وَلَا خَيْر إِلَّا خَيْرك . ثُمَّ قَالَ لِلْمُتَكَلِّمِ : نُكَذِّبك وَنُخَالِفك وَنَسِير فِي السَّاعَة الَّتِي تَنْهَانَا عَنْهَا . ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاس فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاس إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّم النُّجُوم إِلَّا مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر ; وَإِنَّمَا الْمُنَجِّم كَالسَّاحِرِ , وَالسَّاحِر كَالْكَافِرِ , وَالْكَافِر فِي النَّار , وَاَللَّه لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّك تَنْظُر فِي النُّجُوم وَتَعْمَل بِهَا لَأُخَلِّدَنَّكَ فِي الْحَبْس مَا بَقِيتُ وَبَقِيتَ , وَلَأَحْرِمَنَّكَ الْعَطَاء مَا كَانَ لِي سُلْطَان . ثُمَّ سَافَرَ فِي السَّاعَة الَّتِي نَهَاهُ عَنْهَا , وَلَقِيَ الْقَوْم فَقَتَلَهُمْ وَهِيَ وَقْعَة النَّهْرَوَان الثَّابِتَة فِي الصَّحِيح لِمُسْلِمٍ . ثُمَّ قَالَ : لَوْ سِرْنَا فِي السَّاعَة الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا وَظَفِرْنَا وَظَهَرْنَا لَقَالَ قَائِل سَارَ فِي السَّاعَة الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمُنَجِّم , مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَجِّم وَلَا لَنَا مِنْ بَعْده , فَتَحَ اللَّه عَلَيْنَا بِلَاد كِسْرَى وَقَيْصَر وَسَائِر الْبُلْدَان - ثُمَّ قَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس ! تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّه وَثِقُوا بِهِ ; فَإِنَّهُ يَكْفِي مِمَّنْ سِوَاهُ .


يَعْنِي مَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ عَنْ أَنْ يَقْرَب مِنْهُ شَيْطَان ; فَيَحْفَظ الْوَحْي مِنْ اِسْتِرَاق الشَّيَاطِين وَالْإِلْقَاء إِلَى الْكَهَنَة . قَالَ الضَّحَّاك : مَا بَعَثَ اللَّه نَبِيًّا إِلَّا وَمَعَهُ مَلَائِكَة يَحْرُسُونَهُ مِنْ الشَّيَاطِين عَنْ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِصُورَةِ الْمَلَك , فَإِذَا جَاءَهُ شَيْطَان فِي صُورَة الْمَلَك قَالُوا : هَذَا شَيْطَان فَاحْذَرْهُ . وَإِنْ جَاءَهُ الْمَلَك قَالُوا : هَذَا رَسُول رَبّك .

وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن زَيْد : " رَصَدًا " أَيْ حَفَظَة يَحْفَظُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمَامه وَوَرَائِهِ مِنْ الْجِنّ وَالشَّيَاطِين . قَالَ قَتَادَة وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب : هُمْ أَرْبَعَة مِنْ الْمَلَائِكَة حَفَظَة .

وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمُرَاد جِبْرِيل ; كَانَ إِذَا نَزَلَ بِالرِّسَالَةِ نَزَلَتْ مَعَهُ مَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَنْ تَسْتَمِع الْجِنّ الْوَحْي , فَيُلْقُوهُ إِلَى كَهَنَتهمْ , فَيَسْبِقُوا الرَّسُول .

وَقَالَ السُّدِّيّ : " رَصَدًا " أَيْ حَفَظَة يَحْفَظُونَ الْوَحْي , فَمَا جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه قَالُوا : إِنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , وَمَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَان قَالُوا : إِنَّهُ مِنْ الشَّيْطَان . و " رَصَدًا " نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُول .

وَفِي الصِّحَاح : وَالرَّصَد الْقَوْم يَرْصُدُونَ كَالْحَرَسِ , يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجَمْع وَالْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث وَرُبَّمَا قَالُوا أَرْصَادًا . وَالرَّاصِد لِلشَّيْءِ الرَّاقِب لَهُ ; يُقَال : رَصَدَهُ يَرْصُدهُ رَصْدًا وَرَصَدًا . وَالتَّرَصُّد التَّرَقُّب وَالْمَرْصَد مَوْضِع الرَّصْد .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • يوم مع حبيبك صلى الله عليه وسلم

    يوم مع حبيبك صلى الله عليه وسلم: بيان صفة خَلْقه - صلى الله عليه وآله وسلم -، وهديه في الاستيقاظ والوضوء والقيام، والصلاة، وأذكار الصباح والمساء، والطعام والشراب، واللباس والمشي والركوب، والتعامل مع الناس، وبيته ونومه. راجع الكتاب فضيلة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير - حفظه الله تعالى -.

    المدقق/المراجع: زلفي عسكر

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2160

    التحميل:

  • إلى الزوجين

    إلى الزوجين: يُوجِّه المؤلف في هذه الرسالة النصائح المتنوعة للزوجة لتؤلِّف قلب زوجها، وتنال رضاه، ومن ثَمَّ رضى ربها - سبحانه وتعالى -، ثم وجَّه نصائح أخرى مهمة للزوج ليكتمل بناء الأسرة، ويسعد الزوجان في حياتهما في ظل طاعة الله - عز وجل -، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقسَّمها إلى فصولٍ مُنوَّعة، بأسلوبٍ نثريٍّ مُشوِّق جذَّاب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287909

    التحميل:

  • الحركة الوهابية

    الحركة الوهابية: لقد واجهت هذه الدعوة المباركة: إمامها وعلماؤها وقادتها ودولتها، وأتباعها وأنصارها ومؤيدوها حيثما كانوا - ولا تزال تواجه - أصنافًا من الخصوم، وأنواعًا من التحديات والمفتريات والدعايات المضادة والخصومات بالباطل، وفي هذا الكتاب رد الشيخ محمد خليل هراس - رحمه الله - على مقال للدكتور محمد البهي، أنتقد فيه الوهابية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2731

    التحميل:

  • خطبة عرفة لعام 1427 هجريًّا

    خطبة ألقاها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - حفظه الله - ، في مسجد نمرة يوم 29/ديسمبر/ 2006 م الموافق 9 من ذي الحجة عام 1427 هـ، قام بتفريغ الخطبة الأخ سالم الجزائري - جزاه الله خيرًا -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2386

    التحميل:

  • قل مع الكون لا إله إلا الله

    قال المؤلف: تمهيد في تاريخ الشرك والتوحيد: إن الله - سبحانه - قد خلق العباد جميعًا مسلمين موحِّدين لله - سبحانه -، ولكن الشياطين جاءتهم فبدلت لهم دينهم وأفسدت إيمانهم. قال تعالى في الحديث القدسى: «خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين اجتالتهم عن دينهم وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا»، فكلما وقع الناس في نوع من الشرك بعث الله إليهم أنبياءه بما يناسبه من أنواع التوحيد.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/370720

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة