Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الجن - الآية 17

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) (الجن) mp3
أَيْ لِنَخْتَبِرهُمْ كَيْفَ شُكْرهمْ فِيهِ عَلَى تِلْكَ النِّعَم . وَقَالَ عُمَر فِي هَذِهِ الْآيَة : أَيْنَمَا كَانَ الْمَاء كَانَ الْمَال , وَأَيْنَمَا كَانَ الْمَال كَانَتْ الْفِتْنَة .

وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَمُقَاتِل وَعَطِيَّة وَعُبَيْد بْن عُمَيْر وَالْحَسَن : كَانَ وَاَللَّه أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ , فَفُتِحَتْ عَلَيْهِمْ كُنُوز كِسْرَى وَقَيْصَر وَالْمُقَوْقِس وَالنَّجَاشِيّ , فَفُتِنُوا بِهَا , فَوَثَبُوا عَلَى إِمَامهمْ فَقَتَلُوهُ . يَعْنِي عُثْمَان بْن عَفَّان .

وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَغَيْره : " وَأَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة " الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا مِنْ الْكُفْر فَكَانُوا كُلّهمْ كُفَّارًا لَوَسَّعْنَا أَرْزَاقهمْ مَكْرًا بِهِمْ وَاسْتِدْرَاجًا لَهُمْ , حَتَّى يُفْتَتَنُوا بِهَا , فَنُعَذِّبهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَهَذَا قَوْل قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس وَزَيْد بْن أَسْلَمَ وَابْنه وَالْكَلْبِيّ وَالثُّمَالِيّ وَيَمَان بْن رَبَاب وَابْن كَيْسَان وَأَبُو مِجْلَز ; وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَاب كُلّ شَيْء " [ الْأَنْعَام : 44 ] الْآيَة . وَقَوْله تَعَالَى : " وَلَوْلَا أَنْ يَكُون النَّاس أُمَّة وَاحِدَة لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُر بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّة " [ الزُّخْرُف : 33 ] الْآيَة ; وَالْأَوَّل أَشْبَه ; لِأَنَّ الطَّرِيقَة مُعَرَّفَة بِالْأَلِفِ وَاللَّام , فَالْأَوْجَب أَنْ تَكُون طَرِيقَته طَرِيقَة الْهُدَى ; وَلِأَنَّ الِاسْتِقَامَة لَا تَكُون إِلَّا مَعَ الْهُدَى . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِج اللَّه لَكُمْ مِنْ زَهْرَة الدُّنْيَا ) قَالُوا : وَمَا زَهْرَة الدُّنْيَا ؟ قَالَ : ( بَرَكَات الْأَرْض ) وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَوَاَللَّهِ مَا الْفَقْر أَخْشَى عَلَيْكُمْ , وَإِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِككُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ) .


يَعْنِي الْقُرْآن ; قَالَهُ اِبْن زَيْد . وَفِي إِعْرَاضه عَنْهُ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا عَنْ الْقَبُول , إِنْ قِيلَ إِنَّهَا فِي أَهْل الْكُفْر . الثَّانِي عَنْ الْعَمَل , إِنْ قِيلَ إِنَّهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ .

وَقِيلَ : " وَمَنْ يُعْرِض عَنْ ذِكْر رَبّه " أَيْ لَمْ يَشْكُر نِعَمَهُ


قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَعَيَّاش عَنْ أَبِي عَمْرو " يَسْلُكهُ " بِالْيَاءِ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم ; لِذِكْرِ اِسْم اللَّه أَوَّلًا فَقَالَ : " وَمَنْ يُعْرِض عَنْ ذِكْر رَبّه " . الْبَاقُونَ " نَسْلُكهُ " بِالنُّونِ . وَرُوِيَ عَنْ مُسْلِم بْن جُنْدَب ضَمّ النُّون وَكَسْر اللَّام . وَكَذَلِكَ قَرَأَ طَلْحَة وَالْأَعْرَج وَهُمَا لُغَتَانِ , سَلَكَهُ وَأَسْلَكَهُ بِمَعْنًى ; أَيْ نُدْخِلهُ . " عَذَابًا صَعَدًا " أَيْ شَاقًّا شَدِيدًا .

‎قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ جَبَل , فِي جَهَنَّم . أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ : كُلَّمَا جَعَلُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ ذَابَتْ .

وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْمَعْنَى مَشَقَّة مِنْ الْعَذَاب . وَذَلِكَ مَعْلُوم فِي اللُّغَة أَنَّ الصَّعَد : الْمَشَقَّة , تَقُول : تَصَعَّدَنِي الْأَمْر : إِذَا شَقَّ عَلَيْك ; وَمِنْهُ قَوْل عُمَر : مَا تَصَعَّدَنِي شَيْء مَا تَصَعَّدَتْنِي خُطْبَة النِّكَاح , أَيْ مَا شَقَّ عَلَيَّ . وَعَذَاب صَعَد أَيْ شَدِيد . وَالصَّعَد : مَصْدَر صَعِدَ ; يُقَال : صَعِدَ صَعَدًا وَصُعُودًا , فَوُصِفَ بِهِ الْعَذَاب ; لِأَنَّهُ يَتَصَعَّد الْمُعَذَّب أَيْ يَعْلُوهُ وَيَغْلِبهُ فَلَا يُطِيقهُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الصَّعَد مَصْدَر ; أَيْ عَذَابًا ذَا صَعَد , وَالْمَشْي فِي الصُّعُود يَشُقّ . وَالصَّعُود : الْعَقَبَة الْكَئُود . وَقَالَ عِكْرِمَة : هُوَ صَخْرَة مَلْسَاء فِي جَهَنَّم يُكَلَّف صُعُودهَا ; فَإِذَا اِنْتَهَى إِلَى أَعْلَاهَا حُدِرَ إِلَى جَهَنَّم .

وَقَالَ الْكَلْبِيّ : يُكَلَّف الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة أَنْ يَصْعَد جَبَلًا فِي النَّار مِنْ صَخْرَة مَلْسَاء , يَجْذِب مَنْ أَمَامه بِسَلَاسِل , وَيَضْرِب مَنْ خَلْفه بِمَقَامِع حَتَّى يَبْلُغ أَعْلَاهَا , وَلَا يَبْلُغ فِي أَرْبَعِينَ سَنَة . فَإِذَا بَلَغَ أَعْلَاهَا أُحْدِرَ إِلَى أَسْفَلهَا , ثُمَّ يُكَلَّف أَيْضًا صُعُودهَا , فَذَلِكَ دَأْبه أَبَدًا , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا " [ الْمُدَّثِّر : 17 ].
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة

    مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «هذا موضوع مهم جدًّا ينبغي أن يُبيَّن ويُبرز من قبل العلماء المبرزين الذين بذلوا حياتهم وجهدهم في سبيل نشر هذا الدين، وإيصاله للناس بالوسائل والطرق النافعة المشروعة؛ ولكني سأذكر ما يسَّّر الله لي من هذه المقوّمات التي لا يستغنِي عنها الداعية في دعوته».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193642

    التحميل:

  • نساؤنا إلى أين

    نساؤنا إلى أين : بيان حال المرأة في الجاهلية، ثم بيان حالها في الإسلام، ثم بيان موقف الإسلام من عمل المرأة، والآثار المترتبة على خروج المرأة للعمل، ثم ذكر بعض مظاهر تغريب المرأة المسلمة.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166704

    التحميل:

  • المدارس العالمية الأجنبية الاستعمارية تاريخها ومخاطرها

    المدارس العالمية الأجنبية الاستعمارية : فإن أعداء الله عباد الصليب وغيرهم من الكافرين، أنزلوا بالمسلمين استعماراً من طراز آخر هو: " الاستعمار الفكري " وهو أشد وأنكى من حربهم المسلحة! فأوقدوها معركة فكرية خبيثة ماكرة، وناراً ماردة، وسيوفاً خفية على قلوب المسلمين باستعمارها عقيدة وفكراً ومنهج حياة؛ ليصبح العالم الإسلامي غربياً في أخلاقه ومقوماته، متنافراً مع دين الإسلام الحق، وكان أنكى وسائله: جلب " نظام التعليم الغربي " و" المدارس الاستعمارية – الأجنبية العالمية " إلى عامة بلاد العالم الإسلامي، ولم يبق منها بلد إلا دخلته هذه الكارثة، وفي هذا الكتاب بيان تاريخ هذه المدارس ومخاطرها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117118

    التحميل:

  • مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

    السيرة النبوية لابن هشام : هذا الكتاب من أوائل كتب السيرة، وأكثرها انتشاراً، اختصره المصنف من سيرة ابن اسحاق بعد أن نقحها وحذف من أشعارها جملة مما لا تعلق له بالسيرة، ثم قام باختصاره الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وقد ضمنه بعض الاستنباطات المفيدة مع ما أضاف إلى ذلك من المقدمة النافعة التي بَيّن بها واقع أهل الجاهلية اعتقادًا وسلوكًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264158

    التحميل:

  • أختي المسلمة من أمركِ بالحجاب؟

    أختي المسلمة من أمركِ بالحجاب؟: رسالةٌ مُوجَّهة لكل فتاة للتنبيه على الحجاب الشرعي، وكيف أن الفتيات والنساء في عصرنا قد تخلَّت عنه وتركت حشمتها وحياءها - إلا من رحم الله منهن -، وذُكِر فيها وقفات مع الآباء بوجوب رعاية أولادهن وبناتهن من الانحراف خلف التشبُّه بالكفار في الملبس وغيره، وذُكِر فيها العديد من التحذيرات والنصائح النافعة، مُذكِّرةً بشروط الحجاب الشرعي التي أمر الله بالالتزام بها.

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/311869

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة