Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المعارج - الآية 4

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) (المعارج) mp3
أَيْ تَصْعَدُ فِي الْمَعَارِج الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه لَهُمْ . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَأَصْحَابه وَالسُّلَمِيّ وَالْكِسَائِيّ " يَعْرُج " بِالْيَاءِ عَلَى إِرَادَة الْجَمْع ; وَلِقَوْلِهِ : ذَكِّرُوا الْمَلَائِكَةَ وَلَا تُؤَنِّثُوهُمْ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى إِرَادَة الْجَمَاعَة . " وَالرُّوح " جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين " [ الشُّعَرَاء : 193 ] . وَقِيلَ : هُوَ مَلَك آخَر عَظِيم الْخِلْقَة . وَقَالَ أَبُو صَالِح : إِنَّهُ خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه كَهَيْئَةِ النَّاس وَلَيْسَ بِالنَّاسِ . قَالَ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب : إِنَّهُ رُوح الْمَيِّت حِينَ يُقْبَض . " إِلَيْهِ " أَيْ إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ مَحَلّهمْ وَهُوَ فِي السَّمَاء ; لِأَنَّهَا مَحَلّ بِرّه وَكَرَامَته . وَقِيلَ : هُوَ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيم " إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي " [ الصَّافَّات : 99 ] . أَيْ إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ . وَقِيلَ :

أَيْ إِلَى عَرْشه .

قَالَ وَهْب وَالْكَلْبِيّ وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق : أَيْ عُرُوج الْمَلَائِكَة إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ مَحَلّهمْ فِي وَقْت كَانَ مِقْدَاره عَلَى غَيْرهمْ لَوْ صَعِدَ خَمْسِينَ أَلْف سَنَة . وَقَالَ وَهْب أَيْضًا : مَا بَيْنَ أَسْفَل الْأَرْض إِلَى الْعَرْش مَسِيرَة خَمْسِينَ أَلْف سَنَة . وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد . وَجَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَة وَبَيْنَ قَوْله : " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة " فِي سُورَة السَّجْدَة , فَقَالَ : " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " مِنْ مُنْتَهَى أَمْره مِنْ أَسْفَل الْأَرْضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْره مِنْ فَوْق السَّمَوَات خَمْسُونَ أَلْف سَنَة . وَقَوْله تَعَالَى فِي ( الم تَنْزِيل ) : " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة " [ السَّجْدَة : 5 ] يَعْنِي بِذَلِكَ نُزُول الْأَمْر مِنْ سَمَاء الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْض , وَمِنْ الْأَرْض إِلَى السَّمَاء فِي يَوْم وَاحِد فَذَلِكَ مِقْدَار أَلْف سَنَة لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا وَالْحَكَم وَعِكْرِمَة : هُوَ مُدَّة عُمُر الدُّنْيَا مِنْ أَوَّل مَا خُلِقَتْ إِلَى آخِر مَا بَقِيَ خَمْسُونَ أَلْف سَنَة . لَا يَدْرِي أَحَد كَمْ مَضَى وَلَا كَمْ بَقِيَ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقِيلَ : الْمُرَاد يَوْم الْقِيَامَة , أَيْ مِقْدَار الْحُكْم فِيهِ لَوْ تَوَلَّاهُ مَخْلُوق خَمْسُونَ أَلْف سَنَة , قَالَهُ عِكْرِمَة أَيْضًا وَالْكَلْبِيّ وَمُحَمَّد بْن كَعْب . يَقُول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنَا أَفْرُغ مِنْهُ فِي سَاعَة . وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة , وَلَكِنْ يَوْم الْقِيَامَة لَا نُفَاد لَهُ فَالْمُرَاد ذِكْر مَوْقِفهمْ لِلْحِسَابِ فَهُوَ فِي خَمْسِينَ أَلْف سَنَة مِنْ سِنِي الدُّنْيَا , ثُمَّ حِينَئِذٍ يَسْتَقِرّ أَهْل الدَّارَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ . وَقَالَ يَمَان : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة , فِيهِ خَمْسُونَ مَوْطِنًا كُلّ مَوْطِن أَلْف سَنَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة , جَعَلَهُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَار خَمْسِينَ أَلْف سَنَة , ثُمَّ يَدْخُلُونَ النَّارَ لِلِاسْتِقْرَارِ . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل أَحْسَن مَا قِيلَ فِي الْآيَة إِنْ شَاءَ اللَّه , بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ قَاسِم بْن أَصْبَغَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " . فَقُلْت : مَا أَطْوَلَ هَذَا ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّف عَنْ الْمُؤْمِن حَتَّى يَكُونَ أَخَفّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاة الْمَكْتُوبَة يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا ) . وَاسْتَدَلَّ النَّحَّاس عَلَى صِحَّة هَذَا الْقَوْل بِمَا رَوَاهُ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَا مِنْ رَجُل لَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَال إِلَّا جُعِلَ شُجَاعًا مِنْ نَار تُكْوَى بِهِ جَبْهَته وَظَهْره وَجَنْبَاهُ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة حَتَّى يَقْضِيَ اللَّه بَيْنَ النَّاسِ ) . قَالَ : فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة . وَقَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : مَا قَدْر ذَلِكَ الْيَوْم عَلَى الْمُؤْمِن إِلَّا قَدْر مَا بَيْنَ الظُّهْر وَالْعَصْر . وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث مُعَاذ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يُحَاسِبكُمْ اللَّه تَعَالَى بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلِذَلِكَ سَمَّى نَفْسَهُ سَرِيعَ الْحِسَاب وَأَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ ) . ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَقِيلَ : بَلْ يَكُون الْفَرَاغ لِنِصْفِ يَوْم , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " [ الْفُرْقَان : 24 ] . وَهَذَا عَلَى قَدْر فَهْم الْخَلَائِق , وَإِلَّا فَلَا يَشْغَلهُ شَأْن عَنْ شَأْن . وَكَمَا يَرْزُقهُمْ فِي سَاعَة كَذَا يُحَاسِبهُمْ فِي لَحْظَة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة " [ لُقْمَان : 28 ] . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة وَعَنْ قَوْله تَعَالَى : " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة " [ السَّجْدَة : 5 ] فَقَالَ : أَيَّام سَمَّاهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هُوَ أَعْلَم بِهَا كَيْفَ تَكُون , وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِيهَا مَا لَا أَعْلَم . وَقِيلَ : مَعْنَى ذَكَرَ خَمْسِينَ أَلْف سَنَة تَمْثِيل , وَهُوَ تَعْرِيف طُول مُدَّة الْقِيَامَة فِي الْمَوْقِف , وَمَا يَلْقَى النَّاس فِيهِ مِنْ الشَّدَائِد . وَالْعَرَب تَصِف أَيَّام الشِّدَّة بِالطُّولِ , وَأَيَّام الْفَرَح بِالْقِصَرِ ; قَالَ الشَّاعِر : وَيَوْم كَظِلِّ الرُّمْح قَصَّرَ طُولَهُ دَم الزِّقّ عَنَّا وَاصْطِفَاق الْمَزَاهِر وَقِيلَ : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير ; وَالْمَعْنَى : سَأَلَ سَائِل بِعَذَابٍ وَاقِع لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ مِنْ اللَّه دَافِع , فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ . وَهَذَا الْقَوْل هُوَ مَعْنَى مَا اِخْتَرْنَاهُ , وَالْمُوَفِّق الْإِلَه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التفسير الفقهي في القيروان حتى القرن الخامس الهجري

    التفسير الفقهي في القيروان حتى القرن الخامس الهجري: رسالة مختصرة عن نوعٍ من أنواع التفسير في القيروان حتى القرن الخامس الهجري، وقد عرضَ المؤلف - حفظه الله - لوقت نشأة التفسير ومدارسه، وذكر أهم المؤلفات في هذا النوع من التفسير.

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364165

    التحميل:

  • كتاب الطهارة والصلاة

    هذا كتاب جامع لطيف نافع، يحتاج إليه كل مسلم ومسلمة؛ لأنه يصل العبد بربه في جميع أوقاته وأحواله، ويحقق مراد الرب من خلقه. جمع فيه بفضل الله أمهات المسائل الهامة في أعظم العبادات في ضوء القرآن والسنة، وبيَّنا فيه صفة الطهارة وأنواعها وأحكامها، وأقسام الصلوات وصفاتها وأحكامها وثوابها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380412

    التحميل:

  • كيف تنجو من كرب الصراط؟

    كيف تنجو من كرب الصراط؟ : يحتوي هذا الكتاب على أربعة أبحاث، هي: المبحث الأول: التعريف بالصراط وكربه. المبحث الثاني: كرب الإحراق على الصراط والأعمال المنجية عليه. المبحث الثالث: كرب ظلمة الصراط والأعمال المنورة له. المبحث الرابع: الذنوب التي تسقط صاحبها في النار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291303

    التحميل:

  • هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يامحب

    هذا الحبيب يامحب: يتناول الكتاب سيرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، مع بعض الأخلاق والآداب المحمدية، متبعاً كل مبحث بالنتائج والعبر التي يمكن أن تستقى منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141342

    التحميل:

  • المنح الإلهية في إقامة الحجة على البشرية

    المنح الإلهية في إقامة الحجة على البشرية : يتكون هذا الكتاب من فصلين: الأول: المنح الإلهية وأثرها في إقامة الحجة على البشرية. الثاني: مشاهد من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193682

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة