Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 59

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) (الأعراف) mp3
لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ الْخَالِق الْقَادِر عَلَى الْكَمَال ذَكَرَ أَقَاصِيصَ الْأُمَم وَمَا فِيهَا مِنْ تَحْذِير الْكُفَّار . وَاللَّام فِي " لَقَدْ " لِلتَّأْكِيدِ الْمُنَبِّه عَلَى الْقَسَم . وَالْفَاء دَالَّة عَلَى أَنَّ الثَّانِي بَعْد الْأَوَّل . " يَا قَوْم " نِدَاء مُضَاف . وَيَجُوز " يَا قَوْمِي " عَلَى الْأَصْل . وَنُوح أَوَّل الرُّسُل إِلَى الْأَرْض بَعْد آدَم عَلَيْهِمَا السَّلَام بِتَحْرِيمِ الْبَنَات وَالْأَخَوَات وَالْعَمَّات وَالْخَالَات . قَالَ النَّحَّاس : وَانْصَرَفَ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يُشْتَقَّ مِنْ نَاحَ يَنُوح ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " هَذَا الْمَعْنَى وَغَيْره فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَته قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمَنْ قَالَ إِنَّ إِدْرِيس كَانَ قَبْله مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ فَقَدْ وَهِمَ . وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة وَهْمه الْحَدِيث الصَّحِيح فِي الْإِسْرَاء حِين لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آدَم وَإِدْرِيس فَقَالَ لَهُ آدَم : ( مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح وَالِابْن الصَّالِح ) . وَقَالَ لَهُ إِدْرِيس : ( مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح وَالْأَخ الصَّالِح ) . فَلَوْ كَانَ إِدْرِيس أَبًا لِنُوحٍ لَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح وَالِابْن الصَّالِح . فَلَمَّا قَالَ لَهُ وَالْأَخ الصَّالِح دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَجْتَمِع مَعَهُ فِي نُوحٍ , صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَلَا كَلَام لِمُنْصِفٍ بَعْد هَذَا . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَجَاءَ جَوَاب الْآبَاء هَهُنَا كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيم وَآدَم ( مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِح ) . وَقَالَ عَنْ إِدْرِيس ( بِالْأَخِ الصَّالِح ) كَمَا ذُكِرَ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى وَيُوسُف وَهَارُون وَيَحْيَى مِمَّنْ لَيْسَ بِأَبٍ بِاتِّفَاقٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الْمَازِرِيّ : قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ إِدْرِيس جَدُّ نُوح عَلَيْهِمَا السَّلَام . فَإِنْ قَامَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ إِدْرِيس بُعِثَ أَيْضًا لَمْ يَصِحّ قَوْل النَّسَّابِينَ إِنَّهُ قَبْل نُوح ; لِمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ قَوْل آدَم إِنَّ نُوحًا أَوَّل رَسُول بُعِثَ , وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيل جَازَ مَا قَالُوا : وَصَحَّ أَنْ يُحْمَل أَنَّ إِدْرِيس كَانَ نَبِيًّا غَيْر مُرْسَل . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَدْ يُجْمَع بَيْن هَذَا بِأَنْ يُقَال : اِخْتَصَّ بَعْث نُوح لِأَهْلِ الْأَرْض - كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث - كَافَّة كَنَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَام . وَيَكُون إِدْرِيس لِقَوْمِهِ كَمُوسَى وَهُود وَصَالِح وَلُوط وَغَيْرهمْ . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنَّ إِلْيَاس لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ " [ الصَّافَّات : 123 , 124 ] . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ إِلْيَاس هُوَ إِدْرِيس . وَقَدْ قُرِئَ " سَلَام عَلَى إِدْرَاسِين " . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَدْ رَأَيْت أَبَا الْحَسَن بْن بَطَّال ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آدَم لَيْسَ بِرَسُولٍ ; لِيَسْلَم مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاض . وَحَدِيث أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيل يَدُلّ عَلَى أَنَّ آدَم وَإِدْرِيس رَسُولَانِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَمَجْمَع ذَلِكَ بِأَنْ تَكُون بَعْثَة نُوح مَشْهُورَة لِإِصْلَاحِ النَّاس وَحَمْلهمْ بِالْعَذَابِ وَالْإِهْلَاك عَلَى الْإِيمَان ; فَالْمُرَاد أَنَّهُ أَوَّل نَبِيّ بُعِثَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَام بُعِثَ وَهُوَ اِبْن أَرْبَعِينَ سَنَة . قَالَ الْكَلْبِيّ : بَعْد آدَم بِثَمَانِمِائَةِ سَنَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَبَقِيَ فِي قَوْمه يَدْعُوهُمْ أَلْف سَنَة إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ; كَمَا أَخْبَرَ التَّنْزِيل . ثُمَّ عَاشَ بَعْد الطُّوفَان سِتِّينَ سَنَة . حَتَّى كَثُرَ النَّاس وَفَشَوْا . وَقَالَ وَهْب : بُعِثَ نُوح وَهُوَ اِبْن خَمْسِينَ سَنَة . وَقَالَ عَوْن بْن شَدَّاد : بُعِثَ نُوح وَهُوَ اِبْن ثَلَاثمِائِة وَخَمْسِينَ سَنَة . وَفِي كَثِير مِنْ كُتُب الْحَدِيث : التِّرْمِذِيّ وَغَيْره أَنَّ جَمِيع الْخَلْق الْآن مِنْ ذُرِّيَّة نُوح عَلَيْهِ السَّلَام . وَذَكَرَ النَّقَّاش عَنْ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم عَنْ الزُّهْرِيّ : أَنَّ الْعَرَب وَفَارِس وَالرُّوم وَأَهْل الشَّام وَأَهْل الْيَمَن مِنْ وَلَد سَام بْن نُوح . وَالسِّنْد وَالْهِنْد وَالزِّنْج وَالْحَبَشَة وَالزُّطّ وَالنُّوبَة , وَكُلّ جِلْد أَسْوَد مِنْ وَلَد حَام بْن نُوح . وَالتُّرْك وَبَرْبَر وَوَرَاء الصِّين وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج وَالصَّقَالِبَة كُلّهمْ مِنْ وَلَد يَافِث بْن نُوح . وَالْخَلْق كُلّهمْ ذُرِّيَّة نُوح .



بِرَفْعِ " غَيْره " قِرَاءَة نَافِع وَأَبِي عَمْرو وَعَاصِم وَحَمْزَة . أَيْ مَا لَكُمْ إِلَه غَيْره . نَعْت عَلَى الْمَوْضِع . وَقِيلَ : " غَيْر " بِمَعْنَى إِلَّا ; أَيْ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه إِلَّا اللَّه . قَالَ أَبُو عَمْرو : مَا أَعْرِف الْجَرّ وَلَا النَّصْب . وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ بِالْخَفْضِ عَلَى الْمَوْضِع . وَيَجُوز النَّصْب عَلَى الِاسْتِثْنَاء , وَلَيْسَ بِكَثِيرٍ ; غَيْر أَنَّ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء أَجَازَا نَصْب " غَيْر " فِي كُلّ مَوْضِع يَحْسُن فِيهِ " إِلَّا " تَمَّ الْكَلَام أَوْ لَمْ يَتِمّ . فَأَجَازَا : مَا جَاءَنِي غَيْرك . قَالَ الْفَرَّاء : هِيَ لُغَة بَعْض بَنِي أَسَد وَقُضَاعَة . وَأَنْشَدَ : لَمْ يَمْنَع الشُّرْب مِنْهَا غَيْر أَنْ هَتَفَتْ حَمَامَة فِي سَحُوق ذَات أَوْقَالِ قَالَ الْكِسَائِيّ : وَلَا يَجُوز جَاءَنِي غَيْرك , فِي الْإِيجَاب ; لِأَنَّ إِلَّا لَا تَقَع هَهُنَا . قَالَ النَّحَّاس : لَا يَجُوز عِنْد الْبَصْرِيِّينَ نَصْب " غَيْر " إِذَا لَمْ يَتِمّ الْكَلَام . وَذَلِكَ عِنْدهمْ مِنْ أَقْبَح اللَّحْن .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • القول السديد شرح كتاب التوحيد

    كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد: كتاب نفيس صنفه الإمام المجدد - محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - يحتوي على بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهوكتاب عظيم النفع في بابه، بين فيه مؤلفه - رحمه الله - التوحيد وفضله، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع. وفي هذه الصفحة تعليق مختصر للشيخ العلامة السعدي - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116949

    التحميل:

  • الإتحاف في الاعتكاف

    الإتحاف في الاعتكاف: تطرَّق المؤلف في هذه الرسالة إلى كل ما يتعلَّق بالاعتكاف من الأحكام والآداب، والمسائل والشروط والأركان، وذكر ما فيه خلاف من المسائل، وما هو الأرجح بالدليل والتعليل. - قدَّم للكتاب: العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - رحمه الله تعالى -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364726

    التحميل:

  • ثلاث رسائل في المحبة

    ثلاث رسائل في المحبة : تحتوي هذه الرسالة على: محبة الله - أسبابها - علاماتها - نتائجها، والحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله، وحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلاماته. - هذه الرسالة مقتبسة من كتاب بهجة الناظرين فيما يصلح الدنيا والدين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209193

    التحميل:

  • عقيدة التوحيد

    عقيدة التوحيد: كتاب في علم التوحيد، وقد راعى فيه المؤلف الاختصار مع سهولة العبارة، ومما لا شك فيه أن علم العقيدة الإسلامية هو العلم الأساسي الذي تجدر العناية به تعلمًا وتعليمًا وعملاً بموجبه؛ لتكون الأعمال صحيحة مقبولة عند الله - سبحانه وتعالى - نافعة للعاملين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2071

    التحميل:

  • تنبيه الناس بشأن اللباس

    تنبيه الناس بشأن اللباس: نُبَذٌ من الكلمات النيِّرات المقتبسة من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشأن اللباس، وأحكامه.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330468

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة