Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 57

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) (الأعراف) mp3
عَطْف عَلَى قَوْله : " يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار " [ الرَّعْد : 3 ] . ذَكَرَ شَيْئًا آخَر مِنْ نِعَمه , وَدَلَّ عَلَى وَحْدَانِيّته وَثُبُوت إِلَهِيَّته . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي الرِّيح فِي " الْبَقَرَة " وَرِيَاح جَمْع كَثْرَة وَأَرْوَاح جَمْع قِلَّة . وَأَصْل رِيح رِوْح . وَقَدْ خُطِّئَ مَنْ قَالَ فِي جَمْع الْقِلَّة أَرْيَاح . " بُشْرًا " فِيهِ سَبْع قِرَاءَات : قَرَأَ أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَأَبُو عَمْرو " نُشُرًا " بِضَمِّ النُّون وَالشِّين جَمْع نَاشِر عَلَى مَعْنَى النَّسَب , أَيْ ذَات نَشْر ; فَهُوَ مِثْل شَاهِد وَشُهُد . وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع نَشُور كَرَسُول وَرُسُل . يُقَال : رِيح النَّشُور إِذَا أَتَتْ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا . وَالنَّشُور بِمَعْنَى الْمَنْشُور ; كَالرَّكُوبِ بِمَعْنَى الْمَرْكُوب . أَيْ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح مُنْشَرَة . وَقَرَأَ الْحَسَن وَقَتَادَة " نُشْرًا " بِضَمِّ النُّون وَإِسْكَان الشِّين مُخَفَّفًا مِنْ نُشُر ; كَمَا يُقَال : كُتْب وَرُسْل . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة " نَشْرًا " بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَان الشِّين عَلَى الْمَصْدَر , أَعْمَلَ فِيهِ مَعْنَى مَا قَبْله ; كَأَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ الَّذِي يَنْشُر الرِّيَاح نَشْرًا . نَشَرْت الشَّيْء فَانْتَشَرَ , فَكَأَنَّهَا كَانَتْ مَطْوِيَّة فَنُشِرَتْ عِنْد الْهُبُوب . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا فِي مَوْضِع الْحَال مِنْ الرِّيَاح ; كَأَنَّهُ قَالَ يُرْسِل الرِّيَاح مُنْشَرَة , أَيْ مُحْيَيَة ; مِنْ أَنَشَرَ اللَّه الْمَيِّت فَنُشِرَ , كَمَا تَقُول أَتَانَا رَكْضًا , أَيْ رَاكِضًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ نَشْرًا ( بِالْفَتْحِ ) مِنْ النَّشْر الَّذِي هُوَ خِلَاف الطَّيّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . كَأَنَّ الرِّيح فِي سُكُونهَا كَالْمَطْوِيَّةِ ثُمَّ تُرْسِل مِنْ طَيّهَا ذَلِكَ فَتَصِير كَالْمُنْفَتِحَةِ . وَقَدْ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْد بِمَعْنَى مُتَفَرِّقَة فِي وُجُوههَا , عَلَى مَعْنَى يَنْشُرهَا هَهُنَا وَهَهُنَا . وَقَرَأَ عَاصِم : " بُشْرًا " بِالْبَاءِ وَإِسْكَان الشِّين وَالتَّنْوِين جَمْع بَشِير , أَيْ الرِّيَاح تُبَشِّر بِالْمَطَرِ . وَشَاهِده قَوْله : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِل الرِّيَاح مُبَشِّرَات " . وَأَصْل الشِّين الضَّمّ , لَكِنْ سُكِّنَتْ تَخْفِيفًا كَرُسُل وَرُسْل . وَرُوِيَ عَنْهُ " بَشْرًا " بِفَتْحِ الْبَاء . قَالَ النَّحَّاس : وَيُقْرَأ " بُشُرًا " وَ " بَشْر مَصْدَر بَشَرَهُ يَبْشُرهُ بِمَعْنَى بَشَّرَهُ " فَهَذِهِ خَمْس قِرَاءَات . وَقَرَأَ مُحَمَّد الْيَمَانِيّ " بُشْرَى " عَلَى وَزْن حُبْلَى . وَقِرَاءَة سَابِعَة " بُشُرَى " بِضَمِّ الْبَاء وَالشِّين .


السَّحَاب يُذَكَّر وَيُؤَنَّث . وَكَذَا كُلّ جَمْع بَيْنه وَبَيْن وَاحِدَته هَاء . وَيَجُوز نَعْته بِوَاحِدٍ فَتَقُول : سَحَاب ثَقِيل وَثَقِيلَة . وَالْمَعْنَى : حَمَلَتْ الرِّيح سَحَابًا ثِقَالًا بِالْمَاءِ , أَيْ أَثْقَلَتْ بِحَمْلِهِ . يُقَال : أَقَلَّ فُلَان الشَّيْء أَيْ حَمَلَهُ .


أَيْ السَّحَاب .


أَيْ لَيْسَ فِيهِ نَبَات . يُقَال : سُقْته لِبَلَدِ كَذَا وَإِلَى بَلَد كَذَا . وَقِيلَ : لِأَجْلِ بَلَد مَيِّت ; فَاللَّام لَام أَجْل . وَالْبَلَد كُلّ مَوْضِع مِنْ الْأَرْض عَامِر أَوْ غَيْر عَامِر خَال أَوْ مَسْكُون . وَالْبَلْدَة وَالْبَلَد وَاحِد الْبِلَاد وَالْبُلْدَان . وَالْبَلَد الْأَثَر وَجَمْعه أَبْلَاد . قَالَ الشَّاعِر : مِنْ بَعْد مَا شَمِلَ الْبِلَى أَبْلَادهَا وَالْبَلَد : أُدْحِيّ النَّعَام . يُقَال : هُوَ أَذَلّ مِنْ بَيْضَة الْبَلَد , أَيْ مِنْ بَيْضَة النَّعَام الَّتِي يَتْرُكُهَا . وَالْبَلْدَة الْأَرْض ; يُقَال : هَذِهِ بَلْدَتُنَا كَمَا يُقَال بَحْرَتنَا . وَالْبَلْدَة مِنْ مَنَازِل الْقَمَر , وَهِيَ سِتَّة أَنْجُم مِنْ الْقَوْس تَنْزِلهَا الشَّمْس فِي أَقْصَر يَوْم فِي السَّنَة . وَالْبَلْدَة الصَّدْر ; يُقَال : فُلَان وَاسِع الْبَلْدَة أَيْ وَاسِع الصَّدْر قَالَ الشَّاعِر : أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَة فَوْق بَلْدَة قَلِيل بِهَا الْأَصْوَات إِلَّا بُغَامهَا يَقُول : بَرَكَتْ النَّاقَة فَأَلْقَتْ صَدْرهَا عَلَى الْأَرْض . وَالْبَلْدَة ( بِفَتْحِ الْبَاء وَضَمّهَا ) : نَقَاوَة مَا بَيْن الْحَاجِبَيْنِ ; فَهُمَا مِنْ الْأَلْفَاظ الْمُشْتَرَكَة .



أَيْ بِالْبَلَدِ . وَقِيلَ : أَنْزَلْنَا بِالسَّحَابِ الْمَاء ; لِأَنَّ السَّحَاب آلَة لِإِنْزَالِ الْمَاء . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى فَأَنْزَلْنَا مِنْهُ الْمَاء ; كَقَوْلِهِ : " يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه " [ الْإِنْسَان : 6 ] أَيْ مِنْهَا .



الْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب . أَيْ مِثْل ذَلِكَ الْإِخْرَاج نُحْيِي الْمَوْتَى . وَخَرَّجَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْره عَنْ أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيّ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه , كَيْفَ يُعِيد اللَّه الْخَلْق , وَمَا آيَة ذَلِكَ فِي خَلْقه ؟ قَالَ : ( أَمَا مَرَرْت بِوَادِي قَوْمك جَدْبًا ثُمَّ مَرَرْت بِهِ يَهْتَزّ خَضِرًا ) قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : ( فَتِلْكَ آيَة اللَّه فِي خَلْقه ) . وَقِيلَ : وَجْه التَّشْبِيه أَنَّ إِحْيَاءَهُمْ مِنْ قُبُورهمْ يَكُون بِمَطَرٍ يَبْعَثهُ اللَّه عَلَى قُبُورهمْ , فَتَنْشَقّ عَنْهُمْ الْقُبُور , ثُمَّ تَعُود إِلَيْهِمْ الْأَرْوَاح . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ثُمَّ يُرْسِل اللَّه - أَوْ قَالَ يُنْزِل اللَّه - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلّ فَتَنْبُت مِنْهُ أَجْسَاد النَّاس ثُمَّ يُقَال يَا أَيُّهَا النَّاس هَلُمُّوا إِلَى رَبّكُمْ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) . وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِكَمَالِهِ فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) وَالْحَمْد لِلَّهِ . فَدَلَّ عَلَى الْبَعْث وَالنُّشُور ; وَإِلَى اللَّه تُرْجَع الْأُمُور .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • صلاة المسافر في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة المسافر في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة المسافر بيّنت فيها: مفهوم السفر والمسافر، وأنواع السفر، وآدابه، والأصل في قصر الصلاة في السفر، وأنه أفضل من الإتمام، ومسافة قصر الصلاة في السفر، وأن المسافر يقصر إذا خرج عن جميع عامر بيوت قريته، ومدى إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة، وقصر الصلاة في منى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج، وجواز التطوع على المركوب في السفر، وأن السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر، وحكم صلاة المقيم خلف المسافر، والمسافر خلف المقيم، وحكم نية القصر والجمع والموالاة بين الصلاتين المجموعتين، ورخص السفر، وأحكام الجمع، وأنواعه، ودرجاته، سواء كان ذلك في السفر أو الحضر .. ».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1925

    التحميل:

  • منهج الإسلام في النهي عن المحرمات

    منهج الإسلام في النهي عن المحرمات: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيزِ أن من اجتنَبَ الكبائرَ؛ فإن الله تعالى سيُكفِّرُ عنه الصغائرَ من الذنوبِ ... ولقد تاقَت نفسي أن أكتبَ عن المحرمات التي تفشَّت بين المسلمين، فوضعتُ هذا الكتاب .. ولقد توخَّيتُ فيه سهولةَ العبارة، كما تحرَّيتُ الاستِشهاد على كل ما أقول بالقرآن الكريم، وسنة نبيِّنا - عليه الصلاة والسلام -. ولقد رأيتُ أن أُقدِّم لذلك بفصلٍ خاصٍّ أتحدَّثُ فيه عن السنةِ، وبيان منزلتها في التشريع الإسلامي. والهدفُ من وضعِ هذا الكتاب هو: تقديم النصيحة، والموعظة الحسنة لإخواني المسلمين».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384403

    التحميل:

  • مواضيع تهم الشباب

    اشتملت هذه الرسالة على أوصاف المؤمنين، وأسبابِِِِِ السعادة، والحث على شكر النعم، ومحاسبة النفس في القول والعمل، وعلى التنبيه على الأعمال المشروعة للمسلم في اليوم والليلة بإيجاز، وعلى ذكْر شيء من محاسن الدين الإسلامي، كما اشتملتْ على ذِكر أهمية الوقت في حياة المسلم، وحفظ الأوقات والاستفادة منها، وأهم ما يُشغل به الوقت، وعلى ذكر أهمية القراءة وفوائدها وقواعد المذاكرة السلمية، وعلى بيان دور المسلم في الحياة، ومقتضى العبودية لله، وحُكم السفر إلى بلاد الكفرة، والتحذير منه وبيان خطره، وعلى ذِكْر شيء من أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وموقف الإسلام مِن القلق، والحث على الالتزام بالمنهج الإلهي، وذِكْر شيء من المنجيات من عذاب الله، وآداب الأكل والشرب واللباس، إلى غير ذلك ممَّا اشتملتْ عليه من أحكام، وفتاوى، وفوائد.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335001

    التحميل:

  • انطلق بنا

    انطلق بنا: قال المصنف - حفظه الله -: «انطلق بنا نقلب كتب الحديث والتاريخ والسير والتراجم، انطلق بنا نعود قرونا مضت لنرى تاريخًا مضيئًا وأفعالاً مجيدة، خرجت من نفوس مليئة بالصدق والإيمان. انطلق بنا نجدد إيماننا، ونحيي هممنا، ونقوي عزائمنا. إنها وقفات سريعة ونماذج حية اخترتها بعناية وهي غيض من فيض وقليل من كثير.. فسجل الأمة تاريخ حافل مشرق مليء بالدر والآلئ يحتاج إلى من يقرأه وينظر إليه، ويتأمل فيه».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229617

    التحميل:

  • سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين

    قال المؤلف - وفقه الله -: إن بعض الناس الذين لا يعرفون حقيقة هذا الدين يظن أن الإسلام لا يعرف العفو والصفح والسماحة، وإنما جاء بالعنف والتطرف والسماجة، لأنهم لم يتحروا الحقائق من مصادرها الأصلية، وإنما اكتفوا بسماع الشائعات والافتراءات من أرباب الإلحاد والإفساد الذين عبدوا الشهوات ونهجوا مسلك الشبهات بما لديهم من أنواع وسائـــل الإعلام المتطورة، من أجل ذلك أكتب هذا البحث لبيان الحق ودمغ الباطل بالأدلة الساطعة والحقائق الناطقة من القرآن والسنة القولية والفعلية والتاريخ الأصيل.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191053

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة