Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 56

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56) (الأعراف) mp3
إِنَّهُ سُبْحَانه نَهَى عَنْ كُلّ فَسَاد قَلَّ أَوْ كَثُرَ بَعْد صَلَاح قَلَّ أَوْ كَثُرَ . فَهُوَ عَلَى الْعُمُوم عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْأَقْوَال . وَقَالَ الضَّحَّاك : مَعْنَاهُ لَا تَعُورُوا الْمَاء الْمَعِين , وَلَا تَقْطَعُوا الشَّجَر الْمُثْمِر ضِرَارًا . وَقَدْ وَرَدَ : قَطْع الدَّنَانِير مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض . وَقَدْ قِيلَ : تِجَارَة الْحُكَّام مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : الْمُرَاد وَلَا تُشْرِكُوا ; فَهُوَ نَهْي عَنْ الشِّرْك وَسَفْك الدِّمَاء وَالْهَرْج فِي الْأَرْض , وَأَمْر بِلُزُومِ الشَّرَائِع بَعْد إِصْلَاحهَا , بَعْد أَنْ أَصْلَحَهَا اللَّه بِبَعْثِهِ الرُّسُل , وَتَقْرِير الشَّرَائِع وَوُضُوح مِلَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة قَصَدَ إِلَى أَكْبَر فَسَاد بَعْد أَعْظَم صَلَاح فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ . قُلْت : وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الضَّحَّاك فَلَيْسَ عَلَى عُمُومه , وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَر عَلَى الْمُؤْمِن , وَأَمَّا مَا يَعُود ضَرَره عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَذَلِكَ جَائِز ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَوَّرَ مَاء قَلِيب بَدْر وَقَطَعَ شَجَر الْكَافِرِينَ . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي قَطْع الدَّنَانِير فِي " هُود " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


أَمْر بِأَنْ يَكُون الْإِنْسَان فِي حَالَة تَرَقُّب وَتَخَوُّف وَتَأْمِيل لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , حَتَّى يَكُون الرَّجَاء وَالْخَوْف لِلْإِنْسَانِ كَالْجَنَاحَيْنِ لِلطَّائِرِ يَحْمِلَانِهِ فِي طَرِيق اِسْتِقَامَته , وَإِنْ اِنْفَرَدَ أَحَدهمَا هَلَكَ الْإِنْسَان , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُور الرَّحِيم . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَاب الْأَلِيم " [ الْحِجْر : 49 - 50 ] فَرَجَّى وَخَوَّفَ . فَيَدْعُو الْإِنْسَان خَوْفًا مِنْ عِقَابه وَطَمَعًا فِي ثَوَابه ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا " [ الْأَنْبِيَاء : 90 ] . وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِيهِ . وَالْخَوْف : الِانْزِعَاج لِمَا لَا يُؤْمَن مِنْ الْمَضَارّ . وَالطَّمَع : تَوَقُّع الْمَحْبُوب ; قَالَ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : يَنْبَغِي أَنْ يَغْلِب الْخَوْف الرَّجَاء طُول الْحَيَاة , فَإِذَا جَاءَ الْمَوْت غَلَبَ الرَّجَاء . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَمُوتَن أَحَدكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِن الظَّنّ بِاَللَّهِ ) . صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم .


وَلَمْ يَقُلْ قَرِيبَة . فَفِيهِ سَبْعَة أَوْجُه : أَوَّلهَا أَنَّ الرَّحْمَة وَالرُّحُم وَاحِد , وَهِيَ بِمَعْنَى الْعَفْو وَالْغُفْرَان ; قَالَهُ الزَّجَّاج وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس . وَقَالَ النَّضْر بْن شُمَيْل : الرَّحْمَة مَصْدَر , وَحَقُّ الْمَصْدَر التَّذْكِير ; كَقَوْلِهِ : " فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة " [ الْبَقَرَة : 275 ] . وَهَذَا قَرِيب مِنْ قَوْل الزَّجَّاج ; لِأَنَّ الْمَوْعِظَة بِمَعْنَى الْوَعْظ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالرَّحْمَةِ الْإِحْسَان ; وَلِأَنَّ مَا لَا يَكُون تَأْنِيثه حَقِيقِيًّا جَازَ تَذْكِيره ; ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالرَّحْمَةِ هُنَا الْمَطَر ; قَالَهُ الْأَخْفَش . قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يُذَكَّر كَمَا يُذَكَّر بَعْض الْمُؤَنَّث . وَأَنْشَدَ : فَلَا مُزْنَة وَدَقَتْ وَدْقَهَا وَلَا أَرْض أَبْقَلَ إِبْقَالهَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : ذُكِّرَ " قَرِيب " عَلَى تَذْكِير الْمَكَان , أَيْ مَكَانًا قَرِيبًا . قَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : وَهَذَا خَطَأ , وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَكَانَ " قَرِيب " مَنْصُوبًا فِي الْقُرْآن ; كَمَا تَقُول : إِنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنْك . وَقِيلَ : ذُكِّرَ عَلَى النَّسَب ; كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ رَحْمَة اللَّه ذَات قُرْب ; كَمَا تَقُول : اِمْرَأَة طَالِق وَحَائِض . وَقَالَ الْفَرَّاء : إِذَا كَانَ الْقَرِيب فِي مَعْنَى الْمَسَافَة يُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى النَّسَب يُؤَنَّث بِلَا اِخْتِلَاف بَيْنهمْ . تَقُول : هَذِهِ الْمَرْأَة قَرِيبَتِي , أَيْ ذَات قَرَابَتِي ; ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَذَكَرَهُ غَيْره عَنْ الْفَرَّاء : يُقَال فِي النَّسَب قَرِيبَة فُلَان , وَفِي غَيْر النَّسَب يَجُوز التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث ; يُقَال : دَارك مِنَّا قَرِيب , وَفُلَانَة مِنَّا قَرِيب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُون قَرِيبًا " [ الْأَحْزَاب : 63 ] . وَقَالَ مَنْ اِحْتَجَّ لَهُ : كَذَا كَلَام الْعَرَب ; كَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : لَهُ الْوَيْل إِنْ أَمْسَى وَلَا أُمّ هَاشِم قَرِيب وَلَا الْبَسْبَاسَة اِبْنَة يَشْكُرَا قَالَ الزَّجَّاج : وَهَذَا خَطَأ ; لِأَنَّ سَبِيل الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث أَنْ يَجْرِيَا عَلَى أَفْعَالِهِمَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح ستة مواضع من السيرة

    شرح ستة مواضع من السيرة: قال المؤلف - رحمه الله -: «تأمل - رحمك الله - ستة مواضع من السيرة، وافهمها فهمًا حسنًا، لعل الله ان يفهمك دين الأنبياء لتتبعه ودين المشركين لتتركه، فإن أكثر من يدعي الدين ويعد من الموحدين لا يفهم الستة كما ينبغي».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1877

    التحميل:

  • شرح لمعة الاعتقاد [ الفوزان ]

    هذا شرح متوسط على كتاب لمعة الاعتقاد لموفق الدين بن قدامة، تناول فيه جملة وافرة من مسائل الاعتقاد بإيجاز، فقام الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - بتبيين هذا الكتاب وشرحه لطلبته، زائداً مسائله إيضاحاً وبياناً ودلالة، ثم قام المعتني بتفريغ هذا الشرح من الأشرطة المسجل عليها؛ ليكون كتاباً يعم نفعه ويسهل، مع إلحاق ببعض الأسئلة العقديّة التي أجاب عنها الشيخ الفوزان مقرونة بأجوبتها بآخر الكتاب وفهارس علميّة متنوّعة، ومقدّمة فيها ترجمة موجزة لموفق الدين ابن قدامة - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205556

    التحميل:

  • من مخالفات النساء

    من مخالفات النساء: في هذه الرسالة بين الشيخ منزلة المرأة قبل الإسلام وبعده، مع ذكر بعض اعترافات الغربيين بحفظ الإسلام للمرأة، ثم بيان بعض مخالفات النساء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307780

    التحميل:

  • ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين في ضوء الكتاب والسنة

    ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنِّف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين» ذكرت فيها أربعة مباحث: المبحث الأول: مفهوم ثواب القُرَبِ لغةً واصطلاحًا. المبحث الثاني: ما يلحق الميت من عمله. المبحث الثالث: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين، بيَّنت في هذا المبحث الأدلّة من الكتاب والسة في وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين. المبحث الرابع: أنواع القرب المهداة إلى أموات المسلمين، ذكرت فيه أقوال أهل العلم في أنواع القرب المهداة إلى أموات المسلمين».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/268340

    التحميل:

  • كي نستفيد من رمضان؟ [ دروس للبيت والمسجد ]

    كي نستفيد من رمضان؟ [ دروس للبيت والمسجد ]: قال المصنف - وفقه الله -: «فهذه بعض المسائل المتعلقة بالصيام وبشهر رمضان، وهي - في أغلبها - عبارة عن ملحوظات وتنبيهات تطرح بين حين وآخر، وتذكير بأعمال فاضلة، وكان عملي جمعها وصياغتها». - قدَّم للكتاب: العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله تعالى -.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364326

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة