Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 54

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) (الأعراف) mp3
بَيَّنَ أَنَّهُ الْمُنْفَرِد بِقُدْرَةِ الْإِيجَاد , فَهُوَ الَّذِي يَجِب أَنْ يُعْبَد . وَأَصْل " سِتَّة " سِدْسَة , فَأَرَادُوا إِدْغَام الدَّال فِي السِّين فَالْتَقَيَا عِنْد مَخْرَج التَّاء فَغَلَبَتْ عَلَيْهِمَا . وَإِنْ شِئْت قُلْت : أُبْدِلَ مِنْ إِحْدَى السِّينَيْنِ تَاء وَأُدْغِمَ فِي الدَّال ; لِأَنَّك تَقُول فِي تَصْغِيرهَا : سُدَيْسَة , وَفِي الْجَمْع أَسْدَاس , وَالْجَمْع وَالتَّصْغِير يَرُدَّانِ الْأَسْمَاء إِلَى أُصُولهَا . وَيَقُولُونَ : جَاءَ فُلَان سَادِسًا وَسَادِتًا وَسَاتًّا ; فَمَنْ قَالَ : سَادِتًا أَبْدَلَ مِنْ السِّين تَاء . وَالْيَوْم : مِنْ طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَمْس فَلَا يَوْم ; قَالَ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ : وَمَعْنَى ( فِي سِتَّة أَيَّام ) أَيْ مِنْ أَيَّام الْآخِرَة , كُلّ يَوْم أَلْف سَنَة ; لِتَفْخِيمِ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقِيلَ : مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا . قَالَ مُجَاهِد وَغَيْره : أَوَّلُهَا الْأَحَد وَآخِرهَا الْجُمُعَة . وَذَكَرَ هَذِهِ الْمُدَّة وَلَوْ أَرَادَ خَلْقهَا فِي لَحْظَة لَفَعَلَ ; إِذْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَقُول لَهَا كُونِي فَتَكُون . وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَ الْعِبَاد الرِّفْق وَالتَّثَبُّت فِي الْأُمُور , وَلِتَظْهَرَ قُدْرَته لِلْمَلَائِكَةِ شَيْئًا بَعْد شَيْء . وَهَذَا عِنْد مَنْ يَقُول : خَلَقَ الْمَلَائِكَة قَبْل خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَحِكْمَة أُخْرَى - خَلَقَهَا فِي سِتَّة أَيَّام ; لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْء عِنْده أَجَلًا . وَبَيَّنَ بِهَذَا تَرْكَ مُعَاجَلَة الْعُصَاة بِالْعِقَابِ ; لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْء عِنْده أَجَلًا . وَهَذَا كَقَوْلِهِ : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب . فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ " [ ق : 38 , 39 ] . بَعْد أَنْ قَالَ : " وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْن هُمْ أَشَدّ مِنْهُمْ بَطْشًا " [ ق : 36 ] .


هَذِهِ مَسْأَلَة الِاسْتِوَاء ; وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا كَلَام وَإِجْرَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا أَقْوَال الْعُلَمَاء فِيهَا فِي ( الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى وَصِفَاته الْعُلَى ) وَذَكَرْنَا فِيهَا هُنَاكَ أَرْبَعَة عَشَر قَوْلًا . وَالْأَكْثَر مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ تَنْزِيه الْبَارِي سُبْحَانه عَنْ الْجِهَة وَالتَّحَيُّز فَمِنْ ضَرُورَة ذَلِكَ وَلَوَاحِقِهِ اللَّازِمَة عَلَيْهِ عِنْد عَامَّة الْعُلَمَاء الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَادَتهمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ تَنْزِيهه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ الْجِهَة , فَلَيْسَ بِجِهَةِ فَوْق عِنْدهمْ ; لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ عِنْدهمْ مَتَى اِخْتَصَّ بِجِهَةٍ أَنْ يَكُون فِي مَكَان أَوْ حَيِّز , وَيَلْزَم عَلَى الْمَكَان وَالْحَيِّز الْحَرَكَة وَالسُّكُون لِلْمُتَحَيِّزِ , وَالتَّغَيُّر وَالْحُدُوث . هَذَا قَوْل الْمُتَكَلِّمِينَ . وَقَدْ كَانَ السَّلَف الْأَوَّل رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَة وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ , بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّة بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ كِتَابه وَأَخْبَرَتْ رُسُله . وَلَمْ يُنْكِر أَحَد مِنْ السَّلَف الصَّالِح أَنَّهُ اِسْتَوَى عَلَى عَرْشه حَقِيقَة . وَخُصَّ الْعَرْش بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْظَم مَخْلُوقَاته , وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّة الِاسْتِوَاء فَإِنَّهُ لَا تُعْلَم حَقِيقَته . قَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه : الِاسْتِوَاء مَعْلُوم - يَعْنِي فِي اللُّغَة - وَالْكَيْفَ مَجْهُول , وَالسُّؤَال عَنْ هَذَا بِدْعَة . وَكَذَا قَالَتْ أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا . وَهَذَا الْقَدْر كَافٍ , وَمَنْ أَرَادَ زِيَادَة عَلَيْهِ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه مِنْ كُتُب الْعُلَمَاء . وَالِاسْتِوَاء فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الْعُلُوّ وَالِاسْتِقْرَار . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَاسْتَوَى مِنْ اِعْوِجَاج , وَاسْتَوَى عَلَى ظَهْر دَابَّته ; أَيْ اِسْتَقَرَّ . وَاسْتَوَى إِلَى السَّمَاء أَيْ قَصَدَ . وَاسْتَوَى أَيْ اِسْتَوْلَى وَظَهَرَ . قَالَ : قَدْ اِسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاق مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاق وَاسْتَوَى الرَّجُل أَيْ اِنْتَهَى شَبَابه . وَاسْتَوَى الشَّيْء إِذَا اِعْتَدَلَ . وَحَكَى أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : " الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اِسْتَوَى " [ طَه : 5 ] قَالَ : عَلَا . وَقَالَ الشَّاعِر : فَأَوْرَدْتهمْ مَاء بِفَيْفَاء قَفْرَة وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْم الْيَمَانِيّ فَاسْتَوَى أَيْ عَلَا وَارْتَفَعَ . قُلْت : فَعُلُوّ اللَّه تَعَالَى وَارْتِفَاعه عِبَارَة عَنْ عُلُوّ مَجْده وَصِفَاته وَمَلَكُوته . أَيْ لَيْسَ فَوْقه فِيمَا يَجِب لَهُ مِنْ مَعَانِي الْجَلَال أَحَد , وَلَا مَعَهُ مَنْ يَكُون الْعُلُوّ مُشْتَرَكًا بَيْنه وَبَيْنه ; لَكِنَّهُ الْعَلِيّ بِالْإِطْلَاقِ سُبْحَانه . " عَلَى الْعَرْش " لَفْظ مُشْتَرَك يُطْلَق عَلَى أَكْثَر مِنْ وَاحِد . قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره : الْعَرْش سَرِير الْمُلْك . وَفِي التَّنْزِيل " نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا " [ النَّمْل : 41 ] , " وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْش " [ يُوسُف : 100 ] . وَالْعَرْش : سَقْف الْبَيْت . وَعَرْش الْقَدَم : مَا نَتَأَ فِي ظَهْرِهَا وَفِيهِ الْأَصَابِع . وَعَرْش السِّمَاك : أَرْبَعَة كَوَاكِب صِغَار أَسْفَل مِنْ الْعُوَاء , يُقَال : إِنَّهَا عَجُز الْأَسَد . وَعَرَّشَ الْبِئْر : طَيَّهَا بِالْخَشَبِ , بَعْد أَنْ يُطْوَى أَسْفَلهَا بِالْحِجَارَةِ قَدْر قَامَة ; فَذَلِكَ الْخَشَب هُوَ الْعَرْش , وَالْجَمْع عُرُوش . وَالْعَرْش اِسْم لِمَكَّة . وَالْعَرْش الْمُلْك وَالسُّلْطَان . يُقَال : ثُلَّ عَرْش فُلَان إِذَا ذَهَبَ مُلْكه وَسُلْطَانه وَعِزّه . قَالَ زُهَيْر : تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَقَدْ ثُلَّ عَرْشُهَا وَذُبْيَان إِذْ ذَلَّتْ بِأَقْدَامِهَا النَّعْلُ وَقَدْ يُؤَوَّل الْعَرْش فِي الْآيَة بِمَعْنَى الْمُلْك , أَيْ مَا اِسْتَوَى الْمُلْك إِلَّا لَهُ جَلَّ وَعَزَّ . وَهُوَ قَوْل حَسَن وَفِيهِ نَظَر , وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي جُمْلَة الْأَقْوَال فِي كِتَابِنَا . وَالْحَمْد لِلَّهِ .


أَيْ يَجْعَلهُ كَالْغِشَاءِ , أَيْ يُذْهِب نُور النَّهَار لِيَتِمَّ قِوَام الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا بِمَجِيءِ اللَّيْل . فَاللَّيْل لِلسُّكُونِ , وَالنَّهَار لِلْمَعَاشِ . وَقُرِئَ " يُغَشِّي " بِالتَّشْدِيدِ ; وَمِثْله فِي " الرَّعْد " . وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي بَكْر عَنْ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ . وَخَفَّفَ الْبَاقُونَ . وَهُمَا لُغَتَانِ أَغْشَى وَغَشَّى . وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى " فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى " [ النَّجْم : 54 ] مُشَدَّدًا . وَأَجْمَعُوا عَلَى " فَأَغْشَيْنَاهُمْ " [ يس : 9 ] فَالْقِرَاءَتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ . وَفِي التَّشْدِيد مَعْنَى التَّكْرِير وَالتَّكْثِير . وَالتَّغْشِيَة وَالْإِغْشَاء : إِلْبَاس الشَّيْء الشَّيْء . وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دُخُولَ النَّهَار عَلَى اللَّيْل , فَاكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَر , مِثْل " سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ " [ النَّحْل : 81 ] . " بِيَدِك الْخَيْر " [ آل عِمْرَان : 26 ] . وَقَرَأَ حُمَيْد بْن قَيْس " يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارُ " وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّهَار يُغْشِي اللَّيْل .



أَيْ يَطْلُبُهُ دَائِمًا مِنْ غَيْر فُتُور . وَ " يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال . وَالتَّقْدِير : اِسْتَوَى عَلَى الْعَرْش مُغْشِيًا اللَّيْل النَّهَار . وَكَذَا " يَطْلُبُهُ حَثِيثًا " حَال مِنْ اللَّيْل ; أَيْ يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار طَالِبًا لَهُ . وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْجُمْلَة مُسْتَأْنَفَة لَيْسَتْ بِحَالٍ . " حَثِيثًا " بَدَل مِنْ طَالِب الْمُقَدَّر أَوْ نَعْت لَهُ , أَوْ نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف ; أَيْ يَطْلُبهُ طَلَبًا سَرِيعًا . وَالْحَثّ : الْإِعْجَال وَالسُّرْعَة . وَوَلَّى حَثِيثًا أَيْ مُسْرِعًا .



قَالَ الْأَخْفَش : هِيَ مَعْطُوفَة عَلَى السَّمَاوَات ; أَيْ وَخَلَقَ الشَّمْس . وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَامِر بِالرَّفْعِ فِيهَا كُلّهَا عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر .



فِيهِ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى : صِدْق اللَّه فِي خَبَره , فَلَهُ الْخَلْق وَلَهُ الْأَمْر , خَلَقَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِمَا أَحَبَّ . وَهَذَا الْأَمْر يَقْتَضِي النَّهْي . قَالَ اِبْن عُيَيْنَة : فَرَّقَ بَيْن الْخَلْق وَالْأَمْر ; فَمَنْ جَمَعَ بَيْنهمَا فَقَدْ كَفَرَ . فَالْخَلْق الْمَخْلُوق , وَالْأَمْر كَلَامه الَّذِي هُوَ غَيْر مَخْلُوق وَهُوَ قَوْله : " كُنْ " . " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون " [ يس : 82 ] . وَفِي تَفْرِقَتِهِ بَيْن الْخَلْق وَالْأَمْر دَلِيل بَيِّن عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآن ; إِذْ لَوْ كَانَ كَلَامه الَّذِي هُوَ أَمْر مَخْلُوقًا لَكَانَ قَدْ قَالَ : أَلَا لَهُ الْخَلْق وَالْخَلْق . وَذَلِكَ عِيٌّ مِنْ الْكَلَام وَمُسْتَهْجَن وَمُسْتَغَثٌّ . وَاَللَّه يَتَعَالَى عَنْ التَّكَلُّم بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ . وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله سُبْحَانه . " وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ " [ الرُّوم : 25 ] . " وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ " [ الْأَعْرَاف : 54 ] . فَأَخْبَرَ سُبْحَانه أَنَّ الْمَخْلُوقَات قَائِمَة بِأَمْرِهِ ; فَلَوْ كَانَ الْأَمْر مَخْلُوقًا لَافْتَقَرَ إِلَى أَمْر آخَر يَقُوم بِهِ , وَذَلِكَ الْأَمْر إِلَى أَمْر آخَر إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ . وَذَلِكَ مُحَال . فَثَبَتَ أَنَّ أَمْره الَّذِي هُوَ كَلَامه قَدِيم أَزَلِيّ غَيْر مَخْلُوق ; لِيَصِحّ قِيَام الْمَخْلُوقَات بِهِ . وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى : " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ " [ الْحِجْر : 67 ] وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَهُمَا بِالْحَقِّ , يَعْنِي الْقَوْل وَهُوَ قَوْله لِلْمَكُونَاتِ : " كُنْ " . فَلَوْ كَانَ الْحَقّ مَخْلُوقًا لَمَا صَحَّ أَنْ يَخْلُق بِهِ الْمَخْلُوقَات ; لِأَنَّ الْخَلْق لَا يَخْلُق بِالْمَخْلُوقِ . يَدُلّ عَلَيْهِ " وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ " [ الصَّافَّات : 171 ] . " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 101 ] . " وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي " [ السَّجْدَة : 13 ] . وَهَذَا كُلّه إِشَارَة إِلَى السَّبْق فِي الْقَوْل فِي الْقِدَم , وَذَلِكَ يُوجِب الْأَزَل فِي الْوُجُود . وَهَذِهِ النُّكْتَة كَافِيَة فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ . وَلَهُمْ آيَات اِحْتَجُّوا بِهَا عَلَى مَذْهَبهمْ , مِثْل قَوْله تَعَالَى : " مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبّهمْ مُحْدَث " [ الْأَنْبِيَاء : 2 ] الْآيَة . وَمِثْل قَوْله تَعَالَى : " وَكَانَ أَمْر اللَّه قَدْرًا مَقْدُورًا " [ الْأَحْزَاب : 38 ] . وَ " مَفْعُولًا " [ الْمُزَّمِّل : 18 ] وَمَا كَانَ مِثْله . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر : مَعْنَى " مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر " أَيْ مِنْ وَعْظ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعْد وَتَخْوِيف " إِلَّا اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ " ; لِأَنَّ وَعْظ الرُّسُل صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَامه وَتَحْذِيرهمْ ذِكْر . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر " [ الْغَاشِيَة : 21 ] . وَيُقَال : فُلَان فِي مَجْلِس الذِّكْر . وَمَعْنَى " وَكَانَ أَمْر اللَّه قَدَرًا مَقْدُورًا " وَ " مَفْعُولًا " أَرَادَ سُبْحَانه عِقَابه وَانْتِقَامه مِنْ الْكَافِرِينَ وَنَصْره لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَا حَكَمَ بِهِ وَقَدَّرَهُ مِنْ أَفْعَاله . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا " [ هُود : 40 ] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " وَمَا أَمْر فِرْعَوْن بِرَشِيدٍ " [ هُود : 97 ] يَعْنِي بِهِ شَأْنه وَأَفْعَال وَطَرَائِقه . قَالَ الشَّاعِر : لَهَا أَمْرُهَا حَتَّى إِذَا مَا تَبَوَّأَتْ بِأَخْفَافِهَا مَرْعًى تَبَوَّأَ مَضْجَعَا الثَّانِيَة : وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْر لَيْسَ مِنْ الْإِرَادَة فِي شَيْء . وَالْمُعْتَزِلَة تَقُول : الْأَمْر نَفْس الْإِرَادَة . وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ , بَلْ يَأْمُر بِمَا لَا يُرِيد وَيَنْهَى عَمَّا يُرِيد . أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَ إِبْرَاهِيم بِذَبْحِ وَلَده وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ , وَأَمَرَ نَبِيّه أَنْ يُصَلِّي مَعَ أُمَّته خَمْسِينَ صَلَاة , وَلَمْ يُرِدْ مِنْهُ إِلَّا خَمْس صَلَوَات . وَقَدْ أَرَادَ شَهَادَة حَمْزَة حَيْثُ يَقُول : " وَيَتَّخِذ مِنْكُمْ شُهَدَاء " [ آل عِمْرَان : 140 ] . وَقَدْ نَهَى الْكُفَّار عَنْ قَتْله وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ . وَهَذَا صَحِيح نَفِيس فِي بَابه , فَتَأَمَّلْهُ .




" تَبَارَكَ " تَفَاعَلَ , مِنْ الْبَرَكَة وَهِيَ الْكَثْرَة وَالِاتِّسَاع . يُقَال : بُورِكَ الشَّيْء وَبُورِكَ فِيهِ ; قَالَهُ اِبْن عَرَفَة . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : " تَبَارَكَ " تَعَالَى وَتَعَاظَمَ وَارْتَفَعَ . وَقِيلَ : إِنَّ بِاسْمِهِ يُتَبَرَّك وَيُتَيَّمْنَ . وَقَدْ مَضَى فِي الْفَاتِحَة مَعْنَى " رَبّ الْعَالَمِينَ " [ الْفَاتِحَة : 1 ]
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مفسدات القلوب [ اتباع الهوى ]

    مفسدات القلوب [ اتباع الهوى ]: في هذا الكتاب تطرَّق المؤلف - حفظه الله - إلى تعريف الهوى، وأضراره، وفوائد مخالفته، وأسباب اتباعه، وطرق علاجه، والفرق بين المحمود منه والمذموم.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355749

    التحميل:

  • الشجرة النبوية في نسب خير البرية صلى الله عليه وسلم

    الشجرة النبوية في نسب خير البرية صلى الله عليه وسلم: رسالة تحتوي على نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - على طريقة شجرة توضيحية، فيها بيان نسب أبيه وأمه، وذكر أعمامه وأخواله وعماته وخالاته، وأزواجه وأبنائه وبناته وأحفاده، وذكر خدَمه وسلاحه ومراكبه، وغير ذلك مما يخُصّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخُتِم بذكر خلفائه الراشدين ومن تلاهم إلى خلافة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهم أجمعين -.

    الناشر: موقع المنتدى الإسلامي بالشارقة http://muntada.ae

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339950

    التحميل:

  • الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

    الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة: يتكون هذا الكتاب من جزئين: الجزء الأول: يحتوي على 150 درسًا يوميًّا للدعاة والخطباء وأئمة المساجد للقراءة على المصلين. الجزء الثاني: يحتوي على 100 درسًا. - قدَّم للكتاب مجموعة من المشايخ، وهم: الشيخ عبد العزيز الراجحي، والشيخ ناصر بن سليمان العمر، والشيخ سعد بن عبد الله الحُميد، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد - حفظهم الله تعالى -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/197324

    التحميل:

  • نونية ابن القيم [ الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية ]

    نونية ابن القيم : في هذه الصفحة نسخة مصورة pdf من الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية المشهورة بالقصيدة النونية لابن القيم - رحمه الله -، والتي انتصر فيها لعقيدة السلف الصالح، ورد فيها على مخالفيهم، ونقض حججهم وكشف شبهاتهم وتمويهاتهم. ولم يدع الناظم - رحمه الله - أصلاً من أصول عقيدة السلف إلا بينه، وأفاض في ذكره، ولم يترك بدعة كبرى أو مبتدعاً خطيراً إلا تناوله ورد عليه؛ فغدا هذا الكتاب - النظم - أشبه ما يكون - بالموسوعة الجامعة لعيون عقائد أهل السنة، والرد على أعدائها من جهال وضلال وأهل أهواء. -و- هذه الصفحة تحتوي على ملفين: الأول: يحتوي على المتن بدون تعليقات. الثاني: يحتوي على تحقيق وتعليق لمجموعة من المشايخ، وهم: محمد بن عبد الرحمن العريفي - ناصر بن يحيى الحنيني - عبد الله بن عبد الرحمن الهذيل - فهد بن علي المساعد. نسقه: محمد أجمل الإصلاحي.

    المدقق/المراجع: ناصر بن يحيى الحنيني - محمد بن عبد الرحمن العريفي - جماعة من المراجعين

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265611

    التحميل:

  • استدلال الشيعة بالسنة النبوية في ميزان النقد العلمي

    استدلال الشيعة بالسنة النبوية في ميزان النقد العلمي: فهذه موسوعة شاملة في دفع إشكالات الشيعة وشبهاتهم حول الأحاديث النبوية والرد عليها. وأصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدَّم بها المؤلفُ لنيل درجة الدكتوراه من الجامعة الأمريكية المفتوحة في الولايات المتحدة الأمريكية بولاية فرجينيا، وقد أُجيزت بتقدير جيد جدًّا، بإشراف الدكتور خالد الدريس ومناقشة كلٍّ من: الأستاذ عبد الله البرَّاك، والأستاذ ناصر الحنيني.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346802

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة