Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 200

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) (الأعراف) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " خُذْ الْعَفْو " قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : " كَيْفَ يَا رَبّ وَالْغَضَب " ؟ فَنَزَلَتْ : " وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ " وَنَزْغ الشَّيْطَان : وَسَاوِسه . وَفِيهِ لُغَتَانِ : نَزْغ وَنَغْز , يُقَال : إِيَّاكَ وَالنَّزَّاغ وَالنَّغَّاز , وَهُمْ الْمُوَرِّشُونَ . الزَّجَّاج : النَّزْغ أَدْنَى حَرَكَة تَكُون , وَمِنْ الشَّيْطَان أَدْنَى وَسْوَسَة . قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : شَهِدْت عُثْمَان وَعَلِيًّا وَكَانَ بَيْنهمَا نَزْغ مِنْ الشَّيْطَان فَمَا أَبْقَى وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ شَيْئًا , ثُمَّ لَمْ يَبْرَحَا حَتَّى اِسْتَغْفَرَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ . وَمَعْنَى " يَنْزَغَنَّكَ " : يُصِيبَنَّكَ وَيَعْرِض لَك عِنْد الْغَضَب وَسْوَسَة بِمَا لَا يَحِلّ . " فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ " أَيْ اُطْلُبْ النَّجَاة مِنْ ذَلِكَ بِاَللَّهِ . فَأَمَرَ تَعَالَى أَنْ يُدْفَع الْوَسْوَسَة بِالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَاذَة بِهِ ; وَلِلَّهِ الْمَثَل الْأَعْلَى . فَلَا يُسْتَعَاذ مِنْ الْكِلَاب إِلَّا بِرَبِّ الْكِلَاب . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف أَنَّهُ قَالَ لِتِلْمِيذِهِ : مَا تَصْنَع بِالشَّيْطَانِ إِذَا سَوَّلَ لَك الْخَطَايَا ؟ قَالَ : أُجَاهِدُهُ . قَالَ : فَإِنْ عَادَ ؟ قَالَ : أُجَاهِدهُ . قَالَ : فَإِنْ عَادَ ؟ قَالَ : أُجَاهِدُهُ . قَالَ : هَذَا يَطُول , أَرَأَيْت لَوْ مَرَرْت بِغَنَمٍ فَنَبَحَك كَلْبُهَا وَمَنَعَ مِنْ الْعُبُور مَا تَصْنَع ؟ قَالَ : أُكَابِدُهُ وَأَرُدُّهُ جَهْدِي . قَالَ : هَذَا يَطُول عَلَيْك , وَلَكِنْ اِسْتَغِثْ بِصَاحِبِ الْغَنَم يَكْفِهِ عَنْك . الثَّانِيَة : النَّغْز وَالنَّزْغ وَالْهَمْز وَالْوَسْوَسَة سَوَاء ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَقُلْ رَبّ أَعُوذ بِك مِنْ هَمَزَات الشَّيَاطِين " [ الْمُؤْمِنُونَ : 97 ] وَقَالَ : " مِنْ شَرّ الْوَسْوَاس الْخَنَّاس " [ النَّاس : 4 ] . وَأَصْل النَّزْغ الْفَسَاد ; يُقَال : نَزَغَ بَيْنَنَا ; أَيْ أَفْسَدَ . وَمِنْهُ قَوْله : " نَزَغَ الشَّيْطَان بَيْنِي وَبَيْن إِخْوَتِي " [ يُوسُف : 100 ] أَيْ أَفْسَدَ . وَقِيلَ : النَّزْغ الْإِغْوَاء وَالْإِغْرَاء ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . قُلْت : وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة مَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُول لَهُ مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُول لَهُ مَنْ خَلَقَ رَبّك فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ) . وَفِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوَسْوَسَة قَالَ : ( تِلْكَ مَحْض الْإِيمَان ) . وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : ( ذَلِكَ صَرِيح الْإِيمَان ) وَالصَّرِيح الْخَالِص . وَهَذَا لَيْسَ عَلَى ظَاهِره ; إِذْ لَا يَصِحّ أَنْ تَكُون الْوَسْوَسَة نَفْسهَا هِيَ الْإِيمَان , لِأَنَّ الْإِيمَان الْيَقِين , وَإِنَّمَا الْإِشَارَة إِلَى مَا وَجَدُوهُ مِنْ الْخَوْف مِنْ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُعَاقَبُوا عَلَى مَا وَقَعَ فِي أَنْفُسِهِمْ . فَكَأَنَّهُ قَالَ جَزَعُكُمْ مِنْ هَذَا هُوَ مَحْضُ الْإِيمَان وَخَالِصُهُ ; لِصِحَّةِ إِيمَانِكُمْ , وَعِلْمكُمْ بِفَسَادِهَا . فَسَمَّى الْوَسْوَسَة إِيمَانًا لَمَّا كَانَ دَفْعُهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَالرَّدُّ لَهَا وَعَدَمُ قَبُولِهَا وَالْجَزَعُ مِنْهَا صَادِرًا عَنْ الْإِيمَان . وَأَمَّا أَمْرُهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ فَلِكَوْنِ تِلْكَ الْوَسَاوِس مِنْ آثَار الشَّيْطَان . وَأَمَّا الْأَمْر بِالِانْتِهَاءِ فَعَنْ الرُّكُون إِلَيْهَا وَالِالْتِفَات نَحْوهَا . فَمَنْ كَانَ صَحِيح الْإِيمَان وَاسْتَعْمَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ وَنَبِيّه نَفَعَهُ وَانْتَفَعَ بِهِ . وَأَمَّا مَنْ خَالَجَتْهُ الشُّبْهَة وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْحِسّ وَلَمْ يَقْدِر عَلَى الِانْفِكَاك عَنْهَا فَلَا بُدّ مِنْ مُشَافَهَته بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيّ ; كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي خَالَطَتْهُ شُبْهَة الْإِبِل الْجُرْب حِين قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا عَدْوَى " . وَقَالَ أَعْرَابِيّ : فَمَا بَال الْإِبِل تَكُون فِي الرَّمْل كَأَنَّهَا الظِّبَاء فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا الْبَعِير الْأَجْرَب أَجْرَبَهَا ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّل " فَاسْتَأْصَلَ الشُّبْهَة مِنْ أَصْلِهَا . فَلَمَّا يَئِسَ الشَّيْطَان مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِغْرَاءِ وَالْإِضْلَال أَخَذَ يُشَوِّش عَلَيْهِمْ أَوْقَاتهمْ بِتِلْكَ الْأَلْقَيَات . وَالْوَسَاوِس : التُّرَّهَات ; فَنَفَرَتْ عَنْهَا قُلُوبهمْ وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ وُقُوعهَا عِنْدهمْ فَجَاءُوا - كَمَا فِي الصَّحِيح - فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّا نَجِد فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَم أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ . قَالَ : " أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ " ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : ( ذَلِكَ صَرِيح الْإِيمَان رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ حَسَب مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآن فِي قَوْله : " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان " [ الْحِجْر : 42 ] . فَالْخَوَاطِر الَّتِي لَيْسَتْ بِمُسْتَقِرَّةٍ وَلَا اِجْتَلَبَتْهَا الشُّبْهَة فَهِيَ الَّتِي تُدْفَع بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا ; وَعَلَى مِثْلهَا يُطْلَق اِسْم الْوَسْوَسَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ مَضَى فِي آخِر " الْبَقَرَة " هَذَا الْمَعْنَى , وَالْحَمْد لِلَّهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تطريز رياض الصالحين

    تطريز رياض الصالحين : إن كتاب رياض الصالحين من الكتب الشريفة النافعة، فقد جمع بين دفتيه جوامع الكلم من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وآيات كتاب الله العزيز، جعله مصنفه مشتملاً على ما يكون طريقاً لصاحبه إلى الآخرة، ومحصِّلاً لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السائرين إلى الله: من أحاديث الزهد وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك مما يهذب سلوك الإنسان. وقد صدر أبواب الكتاب بآيات قرآنية، مع ضبط ما يحتاج إلى ضبط من ألفاظ الأحاديث أو شرح معنى خفي من ألفاظه، فجاء كتاب جامعاً في بابه، لذلك اهتم العلماء به شرحاً وتحقيقاً وتعليقاً، واهتم به العامة قراءة وتدبراً وتطبيقاً، حتى أنك لا ترى بيتاً ولا مكتبة ولا مسجداً في مشارق الأرض ومغاربها إلا وتجد فيها هذا الكتاب. وهذا الكتاب الذي بين يدينا هو واحد من تلك الجهود حول هذا الكتاب المبارك، فقد قام الشيخ فيصل - رحمه الله - بالتعليق على كتاب رياض الصالحين بتعليقات مختصرة مركزاً في تعليقاته على ذكر الفوائد المستنبطة من الحديث وقد يستشهد على الحديث بذكر آية، أو حديث أو أثر عن صحابي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2585

    التحميل:

  • ضحايا الحب

    ضحايا الحب: يظن بعض الناس أن أصحاب الشريعة وأبناء الملة لا يعرفون الحب، ولا يقدرونه حق قدره، ولا يدرون ما هو، والحقيقة أن هذا وهم وجهل؛ بل الحب العامر أنشودة عذبة في أفواه الصادقين، وقصيدة جميلة في ديوان المحبين، ولكنه حب شريف عفيف، كتبه الصالحون بدموعهم، وسطره الأبرار بدمائهم، فأصبحت أسماؤهم في سجل الخلود معالم للفداء والتضحية والبسالة. وقصدتُ من هذه الرسالة الوقف مع القارئ على جوانب مشرقة، وأطلال موحشة في مسيرة الحب الطويلة، التي بدأها الإنسان في حياة الكبد والنكد، ليسمو إلى حياة الجمال والجلال والكمال، وسوف يمر بك ذكر لضحايا الحب وقتلاه، وستعرف المقصود مما أردت إذا قرأت، وتعلم ما نويت إذا طالعت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324352

    التحميل:

  • صفة صاحب الذوق السليم ومسلوب الذوق اللئيم

    صفة صاحب الذوق السليم ومسلوب الذوق اللئيم : يحتوى هذا الكتاب على بيان صفات أولي الألباب وأضدادهم الحائدين عن الصواب‏.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141389

    التحميل:

  • خير نساء العالمين

    خير نساء العالمين : في هذا الكتاب مقتطفات من سيرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدمها المصنف إلى كل مسلمة تبحث عن القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة من بنات جنسها.

    الناشر: دار الصحابة للتراث بطنطا

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/76437

    التحميل:

  • بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ولزوم اتباعها

    بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ولزوم اتباعها: رسالة قيمة فيها ذِكْر لأصول عقيدة أهل السنة والجماعة إجمالاً، وذكر مفهوم العقيدة، ومن هم أهل السنة والجماعة، وأسماؤهم وصفاتهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1964

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة