Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 190

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) (الأعراف) mp3
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل الشِّرْك الْمُضَاف إِلَى آدَم وَحَوَّاء , وَهِيَ : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : كَانَ شِرْكًا فِي التَّسْمِيَة وَالصِّفَة , لَا فِي الْعِبَادَة وَالرُّبُوبِيَّة . وَقَالَ أَهْل الْمَعَانِي : إِنَّهُمَا لَمْ يَذْهَبَا إِلَى أَنَّ الْحَارِث رَبُّهُمَا بِتَسْمِيَتِهِمَا وَلَدَهُمَا عَبْد الْحَارِث , لَكِنَّهُمَا قَصَدَا إِلَى أَنَّ الْحَارِث كَانَ سَبَب نَجَاة الْوَلَد فَسَمَّيَاهُ بِهِ كَمَا يُسَمِّي الرَّجُل نَفْسه عَبْد ضَيْفه عَلَى جِهَة الْخُضُوع لَهُ , لَا عَلَى أَنَّ الضَّيْف رَبّه ; كَمَا قَالَ حَاتِم : وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ ثَاوِيًا وَمَا فِيَّ إِلَّا تِيك مِنْ شِيمَة الْعَبْدِ وَقَالَ قَوْم : إِنَّ هَذَا رَاجِع إِلَى جِنْس الْآدَمِيِّينَ وَالتَّبْيِين عَنْ حَال الْمُشْرِكِينَ مِنْ ذُرِّيَّة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , وَهُوَ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ . فَقَوْله : " جَعَلَا لَهُ " يَعْنِي الذَّكَر وَالْأُنْثَى الْكَافِرِينَ , وَيُعْنَى بِهِ الْجِنْسَانِ . وَدَلَّ عَلَى هَذَا " فَتَعَالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ " وَلَمْ يَقُلْ يُشْرِكَانِ . وَهَذَا قَوْل حَسَن . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة " مِنْ هَيْئَة وَاحِدَة وَشَكْل وَاحِد " وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا " أَيْ مِنْ جِنْسهَا " فَلَمَّا تَغَشَّاهَا " يَعْنِي الْجِنْسَيْنِ . وَعَلَى هَذَا الْقَوْل لَا يَكُون لِآدَم وَحَوَّاء ذِكْر فِي الْآيَة ; فَإِذَا آتَاهُمَا الْوَلَد صَالِحًا سَلِيمًا سَوِيًّا كَمَا أَرَادَاهُ صَرَفَاهُ عَنْ الْفِطْرَة إِلَى الشِّرْك , فَهَذَا فِعْل الْمُشْرِكِينَ . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا يُولَد عَلَى الْفِطْرَة - فِي رِوَايَة عَلَى هَذِهِ الْمِلَّة - أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ " . قَالَ عِكْرِمَة : لَمْ يَخُصَّ بِهَا آدَم , وَلَكِنْ جَعَلَهَا عَامَّة لِجَمِيعِ الْخَلْق بَعْد آدَم . وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : وَهَذَا أَعْجَب إِلَى أَهْل النَّظَر ; لِمَا فِي الْقَوْل الْأَوَّل مِنْ الْمُضَاف مِنْ الْعَظَائِم بِنَبِيِّ اللَّه آدَم . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَعَاصِم " شِرْكًا " عَلَى التَّوْحِيد . وَأَبُو عَمْرو وَسَائِر أَهْل الْكُوفَة بِالْجَمْعِ , عَلَى مِثْل فُعَلَاء , جَمْع شَرِيك . وَأَنْكَرَ الْأَخْفَش سَعِيد الْقِرَاءَةَ الْأُولَى , وَهِيَ صَحِيحَة عَلَى حَذْف الْمُضَاف , أَيْ جَعَلَا لَهُ ذَا شِرْك ; مِثْل " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] فَيَرْجِع الْمَعْنَى إِلَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاء . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ الْحَمْل مَرَض مِنْ الْأَمْرَاض . رَوَى اِبْن الْقَاسِم وَيَحْيَى عَنْ مَالِك قَالَ : أَوَّل الْحَمْل يُسْر وَسُرُور , وَآخِره مَرَض مِنْ الْأَمْرَاض . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِك : " إِنَّهُ مَرَض مِنْ الْأَمْرَاض " يُعْطِيه ظَاهِر قَوْله : " دَعَوَا اللَّه رَبّهمَا " وَهَذِهِ الْحَالَة مُشَاهَدَة فِي الْحُمَّال , وَلِأَجْلِ عِظَم الْأَمْر وَشِدَّة الْخَطْب جُعِلَ مَوْتهَا شَهَادَة ; كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيث . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا مِنْ ظَاهِر الْآيَة فَحَال الْحَامِل حَال الْمَرِيض فِي أَفْعَاله . وَلَا خِلَاف بَيْن عُلَمَاء الْأَمْصَار أَنَّ فِعْل الْمَرِيض فِيمَا يَهَب وَيُحَابِي فِي ثُلُثه . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ فِي الْحَامِل بِحَالِ الطَّلْق , فَأَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَلَا . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحَمْل عَادَة وَالْغَالِب فِيهِ السَّلَامَة . قُلْنَا : كَذَلِكَ أَكْثَر الْأَمْرَاض غَالِبه السَّلَامَة , وَقَدْ يَمُوت مَنْ لَمْ يَمْرَض . قَالَ مَالِك : إِذَا مَضَتْ لِلْحَامِلِ سِتَّة أَشْهُر مِنْ يَوْم حَمَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاء فِي مَالِهَا إِلَّا فِي الثُّلُث . وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَته وَهِيَ حَامِل طَلَاقًا بَائِنًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهَا سِتَّة أَشْهُر فَأَرَادَ اِرْتِجَاعهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا مَرِيضَة وَنِكَاح الْمَرِيضَة لَا يَصِحّ . قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُول فِي الرَّجُل يَحْضُر الْقِتَال : إِنَّهُ إِذَا زَحَفَ فِي الصَّفّ لِلْقِتَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِي فِي مَاله شَيْئًا إِلَّا فِي الثُّلُث , وَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَامِل وَالْمَرِيض الْمَخُوف عَلَيْهِ مَا كَانَ بِتِلْكَ الْحَال . وَيُلْتَحَق بِهَذَا الْمَحْبُوس لِلْقَتْلِ فِي قِصَاص . وَخَالَفَ فِي هَذَا أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَغَيْرهمَا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَإِذَا اِسْتَوْعَبْت النَّظَر لَمْ تُرَتِّب فِي أَنَّ الْمَحْبُوس عَلَى الْقَتْل أَشَدّ حَالًا مِنْ الْمَرِيض , وَإِنْكَار ذَلِكَ غَفْلَة فِي النَّظَر ; فَإِنَّ سَبَب الْمَوْت مَوْجُود عِنْدهمَا , كَمَا أَنَّ الْمَرَض سَبَب الْمَوْت , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ " [ آل عِمْرَان : 143 ] . وَقَالَ رُوَيْشِد الطَّائِيّ : يَا أَيّهَا الرَّاكِبُ الْمُزْجِي مَطِيَّته سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْت وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالْعُذْرِ وَالْتَمِسُوا قَوْلًا يُبَرِّئكُمْ إِنِّي أَنَا الْمَوْت وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى : " إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَار وَبَلَغَتْ الْقُلُوب الْحَنَاجِر " [ الْأَحْزَاب : 10 ] . فَكَيْفَ يَقُول الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : الْحَال الشَّدِيدَة إِنَّمَا هِيَ الْمُبَارَزَة ; وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُقَاوَمَة الْعَدُوّ وَتَدَانِي الْفَرِيقَيْنِ بِهَذِهِ الْحَالَة الْعُظْمَى مِنْ بُلُوغ الْقُلُوب الْحَنَاجِر , وَمِنْ سُوء الظُّنُون بِاَللَّهِ , وَمِنْ زَلْزَلَة الْقُلُوب وَاضْطِرَابهَا ; هَلْ هَذِهِ حَالَة تُرَى عَلَى الْمَرِيض أَمْ لَا ؟ هَذَا مَا لَا يَشُكّ فِيهِ مُنْصِف , وَهَذَا لِمَنْ ثَبَتَ فِي اِعْتِقَاده , وَجَاهَدَ فِي اللَّه حَقَّ جِهَاده , وَشَاهَدَ الرَّسُول وَآيَاته ; فَكَيْفَ بِنَا ؟ وَقَدْ اِخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي رَاكِب الْبَحْر وَقْت الْهَوْل ; هَلْ حُكْمه حُكْم الصَّحِيح أَوْ الْحَامِل . فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : حُكْمه حُكْم الصَّحِيح . وَقَالَ اِبْن وَهْب وَأَشْهَب : حُكْمه حُكْم الْحَامِل إِذَا بَلَغَتْ سِتَّة أَشْهُر . قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد : وَقَوْلهمَا أَقْيَس ; لِأَنَّهَا حَالَة خَوْف عَلَى النَّفْس كَإِثْقَالِ الْحَمْل . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَابْن الْقَاسِم لَمْ يَرْكَب الْبَحْر , وَلَا رَأَى دُودًا عَلَى عُود . وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُوقِن بِاَللَّهِ أَنَّهُ الْفَاعِل وَحْده لَا فَاعِل مَعَهُ , وَأَنَّ الْأَسْبَاب ضَعِيفَة لَا تَعَلُّق لِمُوقِنٍ بِهَا , وَيَتَحَقَّق التَّوَكُّل وَالتَّفْوِيض فَلْيَرْكَبْ الْبَحْر .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • من محاسن الدين الإسلامي

    من محاسن الدين الإسلامي: بين الشيخ - رحمه الله - بعض محاسن الدين الإسلامي، وهذا الكتاب جزء من كتاب موارد الظمآن لدروس الزمان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2559

    التحميل:

  • عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر

    عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر: ذكر الشيخ - حفظه الله - في هذه الرسالة اعتقاد أهل السنة والجماعة في المهدي المنتظر، وبيان الأحاديث الواردة فيه، والرد على شبهات الطاعنين في تلك الأحاديث.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2124

    التحميل:

  • إلى التصوف ياعباد الله

    إلى التصوف ياعباد الله: إن التصوف إما أن يكون هو الإسلام أو يكون غيره، فإن كان غيره فلا حاجة لنا به، وإن كان هو الإسلام فحسبنا الإسلام فإنه الذي تعبدنا الله به.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2603

    التحميل:

  • فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة

    فضل أهل البيت: مَن هم أهل البيت؟، مُجمل عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في أهل البيت، فضائل أهل البيت في القرآن الكريم، فضائل أهل البيت في السنَّة المطهَّرة، علوُّ مكانة أهل البيت عند الصحابة وتابعيهم بإحسان، مقارنة بين عقيدة أهل السُّنَّة وعقيدة غيرهم في أهل البيت، تحريم الانتساب بغير حق إلى أهل البيت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2125

    التحميل:

  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [ أصوله وضوابطه وآدابه ]

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [ أصوله وضوابطه وآدابه ]: بحث قيّم بذل فيه الشيخ الوُسعَ أو أكثره في تتبع كلام أهل العلم في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومراجعتها في مظانها للاستفادة من علومهم وفهومهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/45250

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة