Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 176

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) (الأعراف) mp3
يُرِيد بَلْعَام . أَيْ لَوْ شِئْنَا لَأَمَتْنَاهُ قَبْل أَنْ يَعْصِي فَرَفَعْنَاهُ إِلَى الْجَنَّة . " بِهَا " أَيْ بِالْعَمَلِ بِهَا .



أَيْ رَكَنَ إِلَيْهَا ; عَنْ اِبْن جُبَيْر وَالسُّدِّيّ . مُجَاهِد : سَكَنَ إِلَيْهَا ; أَيْ سَكَنَ إِلَى لَذَّاتِهَا . وَأَصْل الْإِخْلَاد اللُّزُوم . يُقَال : أَخْلَدَ فُلَان بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ وَلَزِمَهُ . قَالَ زُهَيْر : لِمَنْ الدِّيَارُ غَشِيتهَا بِالْغَرْقَدِ كَالْوَحْيِ فِي حَجَر الْمَسِيل الْمُخْلَد يَعْنِي الْمُقِيم ; فَكَأَنَّ الْمَعْنَى لَزِمَ لِذَاتِ الْأَرْض فَعُبِّرَ عَنْهَا بِالْأَرْضِ ; لِأَنَّ مَتَاع الدُّنْيَا عَلَى وَجْه الْأَرْض .


أَيْ مَا زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَان . وَقِيلَ : كَانَ هَوَاهُ مَعَ الْكُفَّار . وَقِيلَ : اِتَّبَعَ رِضَا زَوْجَته , وَكَانَتْ رَغِبَتْ فِي أَمْوَال حَتَّى حَمَلَتْهُ عَلَى الدُّعَاء عَلَى مُوسَى .


اِبْتِدَاء وَخَبَر .



شَرْط وَجَوَابه . وَهُوَ فِي مَوْضِع الْحَال , أَيْ فَمَثَله كَمَثَلِ الْكَلْب لَاهِثًا . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ عَلَى شَيْء وَاحِد لَا يَرْعَوِي عَنْ الْمَعْصِيَة ; كَمَثَلِ الْكَلْب الَّذِي هَذِهِ حَالَته . فَالْمَعْنَى : أَنَّهُ لَاهِث عَلَى كُلّ حَال , طَرَدْته أَوْ لَمْ تَطْرُدهُ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : الْكَلْب مُنْقَطِع الْفُؤَاد , لَا فُؤَاد لَهُ , إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ يَلْهَث أَوْ تَتْرُكهُ يَلْهَث ; كَذَلِكَ الَّذِي يَتْرُك الْهُدَى لَا فُؤَاد لَهُ , وَإِنَّمَا فُؤَادُهُ مُنْقَطِع . قَالَ الْقُتَيْبِيّ : كُلّ شَيْء يَلْهَث فَإِنَّمَا يَلْهَث مِنْ إِعْيَاء أَوْ عَطَش , إِلَّا الْكَلْب فَإِنَّهُ يَلْهَث فِي حَال الْكَلَال وَحَال الرَّاحَة وَحَال الْمَرَض وَحَال الصِّحَّة وَحَال الرِّيّ وَحَال الْعَطَش . فَضَرَبَهُ اللَّه مَثَلًا لِمَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ فَقَالَ : إِنْ وَعَظْته ضَلَّ وَإِنْ تَرَكْته ضَلَّ ; فَهُوَ كَالْكَلْبِ إِنْ تَرَكْته لَهَثَ وَإِنْ طَرَدْته لَهَثَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ " [ الْأَعْرَاف : 193 ] . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : لَهَثَ الْكَلْب " بِالْفَتْحِ " يَلْهَث لَهْثًا وَلُهَاثًا " بِالضَّمِّ " إِذَا أَخْرَجَ لِسَانه مِنْ التَّعَب أَوْ الْعَطَش ; وَكَذَلِكَ الرَّجُل إِذَا أُعْيِيَ . وَقَوْله تَعَالَى " إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ يَلْهَث " لِأَنَّك إِذَا حَمَلْت عَلَى الْكَلْب نَبَحَ وَوَلَّى هَارِبًا , وَإِذَا تَرَكْته شَدَّ عَلَيْك وَنَبَحَ ; فَيُتْعِب نَفْسه مُقْبِلًا عَلَيْك وَمُدْبِرًا عَنْك فَيَعْتَرِيه عِنْد ذَلِكَ مَا يَعْتَرِيه عِنْد الْعَطَش مِنْ إِخْرَاج اللِّسَان . قَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي نَوَادِر الْأُصُول : إِنَّمَا شَبَّهَهُ بِالْكَلْبِ مِنْ بَيْن السِّبَاع ; لِأَنَّ الْكَلْب مَيِّت الْفُؤَاد , وَإِنَّمَا لُهَاثه لِمَوْتِ فُؤَاده . وَسَائِر السِّبَاع لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلِذَلِكَ لَا يَلْهَثْنَ . وَإِنَّمَا صَارَ الْكَلْب كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْأَرْض شَمِتَ بِهِ الْعَدُوّ , فَذَهَبَ إِلَى السِّبَاع فَأَشْلَاهُمْ عَلَى آدَم , فَكَانَ الْكَلْب مِنْ أَشَدّهمْ طَلَبًا . فَنَزَلَ جِبْرِيل بِالْعَصَا الَّتِي صُرِفَتْ إِلَى مُوسَى بِمَدْيَن وَجَعَلَهَا آيَة لَهُ إِلَى فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ , وَجَعَلَ فِيهَا سُلْطَانًا عَظِيمًا وَكَانَتْ مِنْ آسِ الْجَنَّة ; فَأَعْطَاهَا آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ لِيَطْرُد بِهَا السِّبَاع عَنْ نَفْسه , وَأَمَرَهُ فِيمَا رُوِيَ أَنْ يَدْنُو مِنْ الْكَلْب وَيَضَع يَده عَلَى رَأْسه , فَمِنْ ذَلِكَ أَلِفَهُ الْكَلْب وَمَاتَ الْفُؤَاد مِنْهُ لِسُلْطَانِ الْعَصَا , وَأَلِفَ بِهِ وَبِوَلَدِهِ إِلَى يَوْمنَا هَذَا , لِوَضْعِ يَده عَلَى رَأْسه , وَصَارَ حَارِسًا مِنْ حُرَّاس وَلَده . وَإِذَا أُدِّبَ وَعُلِّمَ الِاصْطِيَاد تَأَدَّبَ وَقَبِلَ التَّعْلِيم ; وَذَلِكَ قَوْله : " تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّه " [ الْمَائِدَة : 4 ] . السُّدِّيّ : كَانَ بَلْعَام بَعْد ذَلِكَ يَلْهَث كَمَا يَلْهَث الْكَلْب . وَهَذَا الْمَثَل فِي قَوْل كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالتَّأْوِيلِ عَامّ فِي كُلّ مَنْ أُوتِيَ الْقُرْآن فَلَمْ يَعْمَل بِهِ . وَقِيلَ : هُوَ فِي كُلّ مُنَافِق . وَالْأَوَّل أَصَحّ . قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى : " فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْب إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ يَلْهَث أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث " أَيْ إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ بِدَابَّتِك أَوْ بِرَجْلِك يَلْهَث أَوْ تَتْرُكهُ يَلْهَث . وَكَذَلِكَ مَنْ يَقْرَأ الْكِتَاب وَلَا يَعْمَل بِمَا فِيهِ . وَقَالَ غَيْره : هَذَا شَرّ تَمْثِيل ; لِأَنَّهُ مِثْله فِي أَنَّهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ حَتَّى صَارَ لَا يَمْلِك لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا بِكَلْبٍ لَاهِث أَبَدًا , حَمَلَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَحْمِل عَلَيْهِ ; فَهُوَ لَا يَمْلِك لِنَفْسِهِ تَرْك اللَّهَثَان . وَقِيلَ : مِنْ أَخْلَاق الْكَلْب الْوُقُوع بِمَنْ لَمْ يُخِفْهُ عَلَى جِهَة الِابْتِدَاء بِالْجَفَاءِ , ثُمَّ تَهْدَأ طَائِشَته بِنَيْلِ كُلّ عِوَض خَسِيس . ضَرَبَهُ اللَّه مَثَلًا لِلَّذِي قَبِلَ الرِّشْوَة فِي الدِّين حَتَّى اِنْسَلَخَ مِنْ آيَات رَبّه . فَدَلَّتْ الْآيَة لِمَنْ تَدَبَّرَهَا عَلَى أَلَّا يَغْتَرّ أَحَد بِعَمَلِهِ وَلَا بِعِلْمِهِ ; إِذْ لَا يَدْرِي بِمَا يُخْتَم لَهُ . وَدَلَّتْ عَلَى مَنْع أَخْذ الرِّشْوَة لِإِبْطَالِ حَقّ أَوْ تَغْيِيره . وَقَدْ مَضَى بَيَانه فِي " الْمَائِدَة " . وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى مَنْع التَّقْلِيد لِعَالِمٍ إِلَّا بِحُجَّةٍ يُبَيِّنُهَا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ أَعْطَى هَذَا آيَاته فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَوَجَبَ أَنْ يَخَاف مِثْل هَذَا عَلَى غَيْره وَأَلَّا يَقْبَل مِنْهُ إِلَّا بِحُجَّةٍ .



أَيْ هُوَ مَثَل جَمِيع الْكُفَّار
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تعبدي لله بهذا

    تعبدي لله بهذا: فإن الله - عز وجل - أمرنا بعبادته وطاعته، حتى ننال الأجر والمثوبة، ندرأ عن أنفسنا العذاب والعقاب. وهذه الرسالة تُقدِّم للأخت المسلمة بعضًا من الأمور التي تحرص على أن تتعبد الله - عز وجل - بها في كل حين.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345928

    التحميل:

  • معين الملهوف لمعرفة أحكام صلاة الكسوف

    معين الملهوف لمعرفة أحكام صلاة الكسوف : شرع الله - سبحانه وتعالى - صلاة الكسوف التجاء إليه - سبحانه - عند حدوث الكسوف للشمس أو للقمر، وقد حث على الدعاء والصدقة فيها على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الصلاة فيها من الأحكام ما ينبغي على المسلم معرفتها إذا أداها، ولتكون على هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذه الرسالة بيان بعض أحكامها. قدم لها : الشيخ خالد بن علي المشيقح، و الشيخ عبد الله بن مانع العتيبي - حفظهما الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166791

    التحميل:

  • درء تعارض العقل والنقل

    درء تعارض العقل والنقل : يعدُّ هذا الكتاب من أنفس كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، كما صرح بذلك معظم الذين ترجموا له. وموضوعه: كما يدل عنوانه هو دفع التعارض الذي أقامه المتكلمون والفلاسفة بين العقل والنقل، فيقرر الشيخ الأدلة السمعية، ويبرهن على إفادتها القطع واليقين، فيقول: أما كتابنا هذا فهو في بيان انتفاء المعارض العقلي وأبطال قول من زعيم تقديم الأدلة العقلية مطلقاً.

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272829

    التحميل:

  • دليل الحاج والمعتمر

    دليل الحاج والمعتمر : أخي قاصد بيت الله .. إذا كان لكل ركب قائد، ولكل رحلة دليل؛ فإن قائد ركب الحجيج هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ودليلهم هو هديه وسنته فهو القائل: { خذوا عني مناسككم }. ولذا كان لزاماً على كل من قصد بيت الله بحج أو عمرة أن يتعلم الهدي النبوي في ذلك عن طريق كتب المناسك الموثوقة وسؤال أهل العلم عما يشكل عليه. وبين يديك أيها الحاج الكريم هذا الكتاب الواضح في عبارته الجديد في شكله، يبسط لك أحكام الحج والعمرة، بالعبارة الواضحة والصورة الموضحة، آمل أن تجعله دليلاً لك في حجك وعمرتك ..

    الناشر: موقع مناسك http://www.mnask.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191590

    التحميل:

  • حكم الاحتفال بالمولد والرد على من أجازه

    حكم الاحتفال بالمولد والرد على من أجازه: رسالة في نقض شُبَه من يُجوِّز الاحتفال بالمولد النبوي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1959

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة