Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 173

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) (الأعراف) mp3
فَخَرَجَ مِنْهَا كُلّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ آبَاء مُشْرِكُونَ . وَقِيلَ : هِيَ مَخْصُوصَة فِيمَنْ أُخِذَ عَلَيْهِ الْعَهْد عَلَى أَلْسِنَة الْأَنْبِيَاء . وَقِيلَ : بَلْ هِيَ عَامَّة لِجَمِيعِ النَّاس ; لِأَنَّ كُلّ أَحَد يَعْلَم أَنَّهُ كَانَ طِفْلًا فَغُذِّيَ وَرُبِّيَ , وَأَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا وَخَالِقًا . فَهَذَا مَعْنَى " وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ " . وَمَعْنَى " قَالُوا بَلَى " أَيْ إِنَّ ذَلِكَ وَاجِب عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا اِعْتَرَفَ الْخَلْق لِلَّهِ سُبْحَانه بِأَنَّهُ الرَّبّ ثُمَّ ذَهَلُوا عَنْهُ ذَكَّرَهُمْ بِأَنْبِيَائِهِ وَخَتَمَ الذِّكْر بِأَفْضَل أَصْفِيَائِهِ لِتَقُومَ حُجَّته عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُ : " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر . لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ " [ الْغَاشِيَة : 22 ] . ثُمَّ مَكَّنَهُ مِنْ السَّيْطَرَة , وَأَتَاهُ السَّلْطَنَة , وَمَكَّنَ لَهُ دِينَهُ فِي الْأَرْض . قَالَ الطُّرْطُوشِيّ : إِنَّ هَذَا الْعَهْد يَلْزَم الْبَشَر وَإِنْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاة , كَمَا يَلْزَم الطَّلَاق مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ وَقَدْ نَسِيَهُ " . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ قَالَ : إِنَّ مَنْ مَاتَ صَغِيرًا دَخَلَ الْجَنَّة لِإِقْرَارِهِ فِي الْمِيثَاق الْأَوَّل . وَمَنْ بَلَغَ الْعَقْل لَمْ يُغْنِهِ الْمِيثَاق الْأَوَّل . وَهَذَا الْقَائِل يَقُول : أَطْفَال الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّة , وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة اُخْتُلِفَ فِيهَا لِاخْتِلَافِ الْآثَار , وَالصَّحِيح مَا ذَكَرْنَاهُ . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي هَذَا فِي " الرُّوم " إِنْ شَاءَ اللَّه . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة " وَالْحَمْد لِلَّهِ . قَوْله تَعَالَى : " مِنْ ظُهُورِهِمْ " بَدَلُ اِشْتِمَال مِنْ قَوْله " مِنْ بَنِي آدَم " . وَأَلْفَاظ الْآيَة تَقْتَضِي أَنَّ الْأَخْذ إِنَّمَا كَانَ مِنْ بَنِي آدَم , وَلَيْسَ لِآدَم فِي الْآيَة ذِكْر بِحَسَبِ اللَّفْظ . وَوَجْه النَّظْم عَلَى هَذَا : وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ ظُهُور بَنِي آدَم ذُرِّيَّتَهُمْ . وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُر ظَهْر آدَم لِأَنَّ الْمَعْلُوم أَنَّهُمْ كُلّهمْ بَنُوهُ . وَأَنَّهُمْ أُخْرِجُوا يَوْم الْمِيثَاق مِنْ ظَهْرِهِ . فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْره لِقَوْلِهِ : " مِنْ بَنِي آدَم " . " ذُرِّيَّتَهُمْ " قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْن كَثِير بِالتَّوْحِيدِ وَفَتْح التَّاء , وَهِيَ تَقَع لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْع ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبَة " [ آل عِمْرَان : 38 ] فَهَذَا لِلْوَاحِدِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ هِبَة وَلَد فَبُشِّرَ بِيَحْيَى . وَأَجْمَعَ الْقُرَّاء عَلَى التَّوْحِيد فِي قَوْله : " مِنْ ذُرِّيَّة آدَم " [ مَرْيَم : 58 ] وَلَا شَيْء أَكْثَر مِنْ ذُرِّيَّة آدَم . وَقَالَ : " وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدهمْ " فَهَذَا لِلْجَمْعِ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " ذُرِّيَّاتهمْ " بِالْجَمْعِ , لِأَنَّ الذُّرِّيَّة لَمَّا كَانَتْ تَقَع لِلْوَاحِدِ أَتَى بِلَفْظٍ لَا يَقَع لِلْوَاحِدِ فَجَمَعَ لِتَخْلُص الْكَلِمَة إِلَى مَعْنَاهَا الْمَقْصُود إِلَيْهِ لَا يُشْرِكهَا فِيهِ شَيْء وَهُوَ الْجَمْع ; لِأَنَّ ظُهُور بَنِي آدَم اُسْتُخْرِجَ مِنْهَا ذُرِّيَّات كَثِيرَة مُتَنَاسِبَة , أَعْقَاب بَعْد أَعْقَاب , لَا يَعْلَم عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّه ; فَجَمَعَ لِهَذَا الْمَعْنَى . " أَنْ يَقُولُوا " " أَوْ يَقُولُوا " قَرَأَ أَبُو عَمْرو بِالْيَاءِ فِيهِمَا . رَدَّهُمَا عَلَى لَفْظ الْغَيْبَة الْمُتَكَرِّر قَبْله , وَهُوَ قَوْله : " مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّاتهمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ " .



وَقَوْله : " قَالُوا بَلَى " أَيْضًا لَفْظ غَيْبَة . وَكَذَا " وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدهمْ " " وَلَعَلَّهُمْ " فَحَمَلَهُ عَلَى مَا قَبْله وَمَا بَعْده مِنْ لَفْظ الْغَيْبَة . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا ; رَدُّوهُ عَلَى لَفْظ الْخِطَاب الْمُتَقَدِّم فِي قَوْله : " أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى " . وَيَكُون " شَهِدْنَا " مِنْ قَوْل الْمَلَائِكَة . لَمَّا قَالُوا " بَلَى " قَالَتْ الْمَلَائِكَة : " شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا " " أَوْ تَقُولُوا " أَيْ لِئَلَّا تَقُولُوا . وَقِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا بَلَى , فَأَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ , قَالَ اللَّه تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ : اِشْهَدُوا قَالُوا شَهِدْنَا بِإِقْرَارِكُمْ لِئَلَّا تَقُولُوا أَوْ تَقُولُوا . وَهَذَا قَوْل مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَأُبَيّ بْن كَعْب : قَوْله " شَهِدْنَا " هُوَ مِنْ قَوْل بَنِي آدَم , وَالْمَعْنَى : شَهِدْنَا أَنَّك رَبُّنَا وَإِلَهُنَا , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَشْهَدَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ; فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا قَالُوا بَلَى شَهِدَ بَعْضنَا عَلَى بَعْض ; فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَوْل الْمَلَائِكَة فَيُوقَف عَلَى " بَلَى " وَلَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مِنْ قَوْل بَنِي آدَم ; لِأَنَّ " أَنْ " مُتَعَلِّقَة بِمَا قَبْل بَلَى , مِنْ قَوْله : " وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ " لِئَلَّا يَقُولُوا . وَقَدْ رَوَى مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّاتهمْ كَمَا يُؤْخَذ بِالْمُشْطِ مِنْ الرَّأْس فَقَالَ لَهُمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَتْ الْمَلَائِكَة شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا " . أَيْ شَهِدْنَا عَلَيْكُمْ بِالْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِئَلَّا تَقُولُوا . فَهَذَا يَدُلّ عَلَى التَّاء . قَالَ مَكِّيّ : وَهُوَ الِاخْتِيَار لِصِحَّةِ مَعْنَاهُ , وَلِأَنَّ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَهُ " شَهِدْنَا " مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى وَالْمَلَائِكَة . وَالْمَعْنَى : فَشَهِدْنَا عَلَى إِقْرَاركُمْ ; قَالَهُ أَبُو مَالِك , وَرُوِيَ عَنْ السُّدِّيّ أَيْضًا . " وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدهمْ " أَيْ اِقْتَدَيْنَا بِهِمْ .


بِمَعْنَى : لَسْت تَفْعَل هَذَا . وَلَا عُذْر لِلْمُقَلِّدِ فِي التَّوْحِيد .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تراجم لتسعة من الأعلام

    تراجم لتسعة من الأعلام : هذا الكتاب يحتوي على ترجمة لكل واحد من التالية أسماؤهم: 1- العلامة أحمد بن فارس اللغوي. 2- نور الدين محمود الشهيد. 3- شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. 4- الشيخ العلامة محمد الخضر حسين. 5- الشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور. 6- الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي. 7- سماحة الشيخ العلامة عبدالرحمن السعدي. 8- سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ. 9- سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز - رحمهم الله -.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172586

    التحميل:

  • جزء البطاقة

    جزء البطاقة: فهذا جزء حديثي لطيف أملاه الإمام أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني - رحمه الله تعالى - قبل موته بتسعة أشهر، ساق فيه بإسناده أحد عشر حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواضيع مختلفة.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348313

    التحميل:

  • كلنا دعاة [ أكثر من 1000 فكرة ووسيلة وأسلوب في الدعوة إلى الله تعالى ]

    كلنا دعاة: في هذا الكتيب تجد مئات الأفكار والوسائل والأساليب الدعوية والتي كانت نتيجة تجارب العلماء والدعاة قديماً وحديثاً. ويمكنك اختيار المناسب لك حسب قدرتك العلمية والعملية والمالية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/150408

    التحميل:

  • تدبر القرآن

    ما الحكمة من كثرة القراءة؟ وأيهما أفضل: كثرة القراءة أم التأني بالقراءة إذا كان وقت القراءة واحدا؟ وهل يكرر المرء الآيات التي أثرت فيه أو يستثمر الوقت في مزيد من القراءة ليختم السورة؟ ولماذا لا يخشع أكثر الناس إلا عند آيات العذاب وذكر النار؟ أسئلة يجيب عنها وعن غيرها الكاتب في بيان أهمية تدبر القرآن.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339892

    التحميل:

  • الحج المبرور

    الحج المبرور: رسالة موجزة فيها بيان لأعمال العمرة والحج، وخطبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عرفة وما يستفاد منها، وآداب زيارة المسجد النبوي... وغير ذلك بأسلوب سهل ومختصر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1890

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة