Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 169

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) (الأعراف) mp3
يَعْنِي أَوْلَاد الَّذِينَ فَرَّقَهُمْ فِي الْأَرْض . قَالَ أَبُو حَاتِم : " الْخَلْف " بِسُكُونِ اللَّام : الْأَوْلَاد , الْوَاحِد وَالْجَمِيع فِيهِ سَوَاء . وَ " الْخَلَف " بِفَتْحِ اللَّام الْبَدَل , وَلَدًا كَانَ أَوْ غَرِيبًا . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : " الْخَلَف " بِالْفَتْحِ الصَّالِح , وَبِالْجَزْمِ الطَّالِح . قَالَ لَبِيد : ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ وَبَقِيت فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّدِيءِ مِنْ الْكَلَام : خَلْف . وَمِنْهُ الْمَثَل السَّائِر " سَكَتَ أَلْفًا وَنَطَقَ خَلْفًا " . فَخَلْف فِي الذَّمّ بِالْإِسْكَانِ , وَخَلَف بِالْفَتْحِ فِي الْمَدْح . هَذَا هُوَ الْمُسْتَعْمَل الْمَشْهُور . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ " . وَقَدْ يُسْتَعْمَل كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْضِع الْآخَر . قَالَ حَسَّان بْن ثَابِت : لَنَا الْقَدَمُ الْأُولَى إِلَيْك وَخَلْفُنَا لِأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ وَقَالَ آخَر . إِنَّا وَجَدْنَا خَلَفًا بِئْسَ الْخَلَفْ أَغْلَقَ عَنَّا بَابَهُ ثُمَّ حَلَفْ لَا يُدْخِل الْبَوَّاب إِلَّا مَنْ عَرَفْ عَبْدًا إِذَا مَا نَاءَ بِالْحَمْلِ وَقَفْ وَيُرْوَى : خَضَف ; أَيْ رَدَم . وَالْمَقْصُود مِنْ الْآيَة الذَّمّ .


قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هُمْ الْيَهُود , وَرِثُوا كِتَاب اللَّه فَقَرَءُوهُ وَعَلِمُوهُ , وَخَالَفُوا حُكْمه وَأَتَوْا مَحَارِمه مَعَ دِرَاسَتهمْ لَهُ . فَكَانَ هَذَا تَوْبِيخًا لَهُمْ وَتَقْرِيعًا .

ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مَا يَعْرِض لَهُمْ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا لِشِدَّةِ حِرْصهمْ وَنَهَمِهِمْ .


وَهُمْ لَا يَتُوبُونَ . وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَتُوبُونَ .


وَالْعَرَض : مَتَاع الدُّنْيَا ; بِفَتْحِ الرَّاء . وَبِإِسْكَانِهَا مَا كَانَ مِنْ الْمَال سِوَى الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير . وَالْإِشَارَة فِي هَذِهِ الْآيَة إِلَى الرِّشَا وَالْمَكَاسِب الْخَبِيثَة . ثُمَّ ذَمَّهُمْ بِاغْتِرَارِهِمْ فِي قَوْلهمْ " سَيُغْفَرُ لَهُمْ " وَأَنَّهُمْ بِحَالٍ إِذَا أَمْكَنَتْهُمْ ثَانِيَة اِرْتَكَبُوهَا , فَقَطَعُوا بِاغْتِرَارِهِمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَهُمْ مُصِرُّونَ , وَإِنَّمَا يَقُول سَيُغْفَرُ لَنَا مَنْ أَقْلَعَ وَنَدِمَ . قُلْت : وَهَذَا الْوَصْف الَّذِي ذَمَّ اللَّه تَعَالَى بِهِ هَؤُلَاءِ مَوْجُود فِينَا . أَسْنَدَ الدَّارِمِيّ أَبُو مُحَمَّد : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُبَارَك حَدَّثَنَا صَدَقَة بْن خَالِد عَنْ اِبْن جَابِر عَنْ شَيْخ يُكَنَّى أَبَا عَمْرو عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَيَبْلَى الْقُرْآن فِي صُدُور أَقْوَام كَمَا يَبْلَى الثَّوْب فَيَتَهَافَت , يَقْرَءُونَهُ لَا يَجِدُونَ لَهُ شَهْوَة وَلَا لَذَّة , يَلْبَسُونَ جُلُود الضَّأْن عَلَى قُلُوب الذِّئَاب , أَعْمَالهمْ طَمَع لَا يُخَالِطهُ خَوْف , إِنْ قَصَّرُوا قَالُوا سَنَبْلُغُ , وَإِنْ أَسَاءُوا قَالُوا سَيُغْفَرُ لَنَا , إِنَّا لَا نُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا . وَقِيلَ : إِنَّ الضَّمِير فِي " يَأْتِهِمْ " لِيَهُود الْمَدِينَة ; أَيْ وَإِنْ يَأْتِ يَهُود يَثْرِب الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَض مِثْله يَأْخُذُوهُ كَمَا أَخَذَهُ أَسْلَافُهُمْ .


" أَلَمْ يُؤْخَذ عَلَيْهِمْ مِيثَاق الْكِتَاب " يُرِيد التَّوْرَاة . وَهَذَا تَشْدِيد فِي لُزُوم قَوْل الْحَقّ فِي الشَّرْع وَالْأَحْكَام , وَأَلَّا يَمِيل الْحُكَّام بِالرِّشَا إِلَى الْبَاطِل . قُلْت : وَهَذَا الَّذِي لَزِمَ هَؤُلَاءِ وَأُخِذَ عَلَيْهِمْ بِهِ الْمِيثَاق فِي قَوْل الْحَقّ لَازِم لَنَا عَلَى لِسَان نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِتَاب رَبّنَا , عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " النِّسَاء " . وَلَا خِلَاف فِيهِ فِي جَمِيع الشَّرَائِع , وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " أَلَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقَّ " وَقَدْ قَالُوا الْبَاطِل فِي غُفْرَان ذُنُوبهمْ الَّذِي يُوجِبُونَهُ وَيَقْطَعُونَ بِهِ . وَقَالَ اِبْن زَيْد : يَعْنِي فِي الْأَحْكَام الَّتِي يَحْكُمُونَ بِهَا ; كَمَا ذَكَرْنَا .


" وَدَرَسُوا مَا فِيهِ " أَيْ قَرَءُوهُ , وَهُمْ قَرِيبُو عَهْد بِهِ . وَقَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن " وَادَّارَسُوا مَا فِيهِ " فَأُدْغِمَ التَّاء فِي الدَّال . قَالَ اِبْن زَيْد : كَانَ يَأْتِيهِمْ الْمُحِقّ بِرِشْوَةٍ فَيُخْرِجُونَ لَهُ كِتَاب اللَّه فَيَحْكُمُونَ لَهُ بِهِ , فَإِذَا جَاءَ الْمُبْطِل أَخَذُوا مِنْهُ الرِّشْوَة وَأَخْرَجُوا لَهُ كِتَابَهُمْ الَّذِي كَتَبُوهُ بِأَيْدِيهِمْ وَحَكَمُوا لَهُ . وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّ مَعْنَى " وَدَرَسُوا مَا فِيهِ " أَيْ مَحَوْهُ بِتَرْكِ الْعَمَل بِهِ وَالْفَهْم لَهُ ; مِنْ قَوْلِك : دَرَسَتْ الرِّيح الْآثَار , إِذَا مَحَتْهَا . وَخَطّ دَارِس وَرَبْع دَارِس , إِذَا اِمَّحَى وَعَفَا أَثَره . وَهَذَا الْمَعْنَى مُوَاطِئٌ - أَيْ مُوَافِق - لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ " [ الْبَقَرَة : 101 ] الْآيَة . وَقَوْله : " فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ " [ آل عِمْرَان : 187 ] . حَسَب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْبَقَرَة "
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حقوق الإنسان في الإسلام

    حقوق الإنسان في الإسلام : في هذا البحث بيان حقيقة حقوق الإنسان كما تثار في عالمنا المعاصر، مع وضع شعاراتها، ومفاهيمها، ونتائجها، في ميزان الإسلام.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144878

    التحميل:

  • أريد أن أتوب .. ولكن!

    أريد أن أتوب ولكن!: تحتوي هذه الرسالة على مقدمة عن خطورة الاستهانة بالذنوب فشرحاً لشروط التوبة، ثم علاجات نفسية، وفتاوى للتائبين مدعمة بالأدلة من القرآن الكريم والسنة، وكلام أهل العلم وخاتمة.

    الناشر: موقع الإسلام سؤال وجواب http://www.islamqa.info

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/63354

    التحميل:

  • من أسباب السعادة

    ابتدأ المؤلف الكتاب ببيان أن السعادة مطلب للجميع، وذكر تنوع مشارب الناس في فهم السعادة وطرقهم في محاولة التوصل إليها، وفندها طريقا ً طريقا ً، إلى أن أوقف القارئ على الطريق الحقيقي لتحصيل السعادة، وبعد ذلك ذكر جملة من الأسباب المعينة على الوصول إليها، وزين ذلك كله بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وكذلك بأمثلة حسية واقعية، حتى ظهرت بحمد الله رسالة نافعة على صغر حجمها، سهلة التناوب سلسة الأسلوب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/261584

    التحميل:

  • الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة

    الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة : كتاب مختصر نافع في رجال الكتب الستة: الصحيحين، والسنن الأربعة، مقتضب من كتاب تهذيب الكمال للشيخ الحافظ ابي الحجاج المزي، اقتصر فيه المؤلف على ذكر من له رواية في الكتب الستة، دون باقي التواليف التي في التهذيب أو من ذكر للتمييز، أو كرر للتنبيه.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141379

    التحميل:

  • خير الزاد إلى يوم المعاد من غير الفريضة على هدي خير العباد

    خير الزاد إلى يوم المعاد من غير الفريضة على هدي خير العباد : تحتوي هذه الرسالة على: أولاً: بيان بعض الأعمال التي يعود نفعها على فاعلها وحده في الدنيا والآخرة. ثانيا: بيان بعض الأعمال التي يعود نفعها على فاعلها وغيره في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209455

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة