Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 163

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) (الأعراف) mp3
أَيْ عَنْ أَهْل الْقَرْيَة ; فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِهَا لَمَّا كَانَتْ مُسْتَقَرًّا لَهُمْ أَوْ سَبَب اِجْتِمَاعهمْ . نَظِيره " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا " [ يُوسُف : 82 ] . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( اِهْتَزَّ الْعَرْش لِمَوْتِ سَعْد بْن مُعَاذ ) يَعْنِي أَهْل الْعَرْش مِنْ الْمَلَائِكَة , فَرَحًا وَاسْتِبْشَارًا بِقُدُومِهِ , رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . أَيْ وَاسْأَلْ الْيَهُود الَّذِينَ هُمْ جِيرَانُك عَنْ أَخْبَار أَسْلَافِهِمْ وَمَا مَسَخَ اللَّه مِنْهُمْ قِرَدَة وَخَنَازِير . وَهَذَا سُؤَال تَقْرِير وَتَوْبِيخ . وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَة لِصِدْقِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; إِذْ أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَى تِلْكَ الْأُمُور مِنْ غَيْر تَعَلُّم . وَكَانُوا يَقُولُونَ : نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ , لِأَنَّا مِنْ سِبْط خَلِيله إِبْرَاهِيم , وَمِنْ سِبْط إِسْرَائِيل وَهُمْ بَكْر اللَّه , وَمِنْ سِبْط مُوسَى كَلِيم اللَّه ; وَمِنْ سِبْط وَلَده عُزَيْر , فَنَحْنُ مِنْ أَوْلَادهمْ . فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ : سَلْهُمْ يَا مُحَمَّد عَنْ الْقَرْيَة , أَمَا عَذَّبْتهمْ بِذُنُوبِهِمْ ; وَذَلِكَ بِتَغْيِيرِ فَرْع مِنْ فُرُوع الشَّرِيعَة . وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين هَذِهِ الْقَرْيَة ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ : هِيَ أَيْلَة . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهَا مَدْيَن بَيْن أَيْلَة وَالطُّور . الزُّهْرِيّ : طَبَرِيَّة . قَتَادَة وَزَيْد بْن أَسْلَم : هِيَ سَاحِل مِنْ سَوَاحِل الشَّأْم , بَيْن مَدْيَن وَعَيْنُون , يُقَال لَهَا : مَقْنَاة . وَكَانَ الْيَهُود يَكْتُمُونَ هَذِهِ الْقِصَّة لِمَا فِيهَا مِنْ السُّبَّة عَلَيْهِمْ .


أَيْ كَانَتْ بِقُرْبِ الْبَحْر ; تَقُول : كُنْت بِحَضْرَةِ الدَّار أَيْ بِقُرْبِهَا .


أَيْ يَصِيدُونَ الْحِيتَان , وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ; يُقَال : سَبَتَ الْيَهُود ; تَرَكُوا الْعَمَل فِي سَبْتِهِمْ . وَسَبَتَ الرَّجُل لِلْمَفْعُولِ سُبَاتًا أَخَذَهُ ذَلِكَ , مِثْل الْخَرَس . وَأَسْبَتَ سَكَنَ فَلَمْ يَتَحَرَّك . وَالْقَوْم صَارُوا فِي السَّبْت . وَالْيَهُود دَخَلُوا فِي السَّبْت , وَهُوَ الْيَوْم الْمَعْرُوف . وَهُوَ مِنْ الرَّاحَة وَالْقَطْع . وَيُجْمَع أَسْبُت وَسُبُوت وَأَسْبَات . وَفِي الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ اِحْتَجَمَ يَوْم السَّبْت فَأَصَابَهُ بَرَص فَلَا يَلُومَن إِلَّا نَفْسه ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّم يَجْمُد يَوْم السَّبْت , فَإِذَا مَدَدْته لِتَسْتَخْرِجَهُ لَمْ يَجْرِ وَعَادَ بَرَصًا . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة " يَعْدُونَ " . وَقَرَأَ أَبُو نَهِيك " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْعَيْن وَشَدّ الدَّال . الْأُولَى مِنْ الِاعْتِدَاء وَالثَّانِيَة مِنْ الْإِعْدَاد ; أَيْ يُهَيِّئُونَ الْآلَة لِأَخْذِهَا . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " فِي الْأَسْبَات " عَلَى جَمْع السَّبْت .


وَقُرِئَ " أَسْبَاتِهِمْ " .



أَيْ شَوَارِع ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء كَثِيرَة . وَقَالَ اللَّيْث : حِيتَان شُرَّع رَافِعَة رُءُوسهَا . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ حِيتَان الْبَحْر كَانَتْ تَرِد يَوْم السَّبْت عُنُقًا مِنْ الْبَحْر فَتُزَاحِم أَيْلَة . أَلْهَمَهَا اللَّه تَعَالَى أَنَّهَا لَا تُصَاد يَوْم السَّبْت ; لِنَهْيِهِ تَعَالَى الْيَهُود عَنْ صَيْدِهَا . وَقِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ تَشْرَع عَلَى أَبْوَابِهِمْ ; كَالْكِبَاشِ الْبِيض رَافِعَة رُءُوسَهَا . حَكَاهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ ; فَتَعْدُو فَأَخَذُوهَا فِي السَّبْت ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : يَوْم الْأَحَد , وَهُوَ الْأَصَحّ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه .


أَيْ لَا يَفْعَلُونَ السَّبْت ; يُقَال : سَبَتَ يَسْبِت إِذَا عَظَّمَ السَّبْت . وَقَرَأَ الْحَسَن " يُسْبِتُونَ " بِضَمِّ الْيَاء , أَيْ يَدْخُلُونَ فِي السَّبْت ; كَمَا يُقَال : أَجْمَعْنَا وَأَظْهَرْنَا وَأَشْهَرْنَا , أَيْ دَخَلْنَا فِي الْجُمُعَة وَالظُّهْر وَالشَّهْر .


أَيْ حِيتَانهمْ .



أَيْ نُشَدِّدُ عَلَيْهِمْ فِي الْعِبَادَة وَنَخْتَبِرهُمْ . وَالْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب .


أَيْ بِفِسْقِهِمْ . وَسُئِلَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : هَلْ تَجِد فِي كِتَاب اللَّه الْحَلَال لَا يَأْتِيك إِلَّا قُوتًا , وَالْحَرَام يَأْتِيك جَزْفًا جَزْفًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , فِي قِصَّة دَاوُد وَأَيْلَة " إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ " . وَرُوِيَ فِي قَصَص هَذِهِ الْآيَة أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام , وَأَنَّ إِبْلِيس أَوْحَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَخْذِهَا يَوْم السَّبْت , فَاتَّخِذُوا الْحِيَاض ; فَكَانُوا يَسُوقُونَ الْحِيتَان إِلَيْهَا يَوْم الْجُمْعَة فَتَبْقَى فِيهَا , فَلَا يُمْكِنهَا الْخُرُوج مِنْهَا لِقِلَّةِ الْمَاء , فَيَأْخُذُونَهَا يَوْم الْأَحَد . وَرَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : زَعَمَ اِبْن رُومَان أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذ الرَّجُل خَيْطًا وَيَضَع فِيهِ وَهَقَة , وَأَلْقَاهَا فِي ذَنَب الْحُوت , وَفِي الطَّرَف الْآخَر مِنْ الْخَيْط وَتِد وَتَرَكَهُ كَذَلِكَ إِلَى الْأَحَد , ثُمَّ تَطَرَّقَ النَّاس حِين رَأَوْا مَنْ صَنَعَ هَذَا لَا يُبْتَلَى حَتَّى كَثُرَ صَيْد الْحُوت , وَمُشِيَ بِهِ فِي الْأَسْوَاق , وَأَعْلَنَ الْفَسَقَة بِصَيْدِهِ ; فَقَامَتْ فِرْقَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَنَهَتْ , وَجَاهَرَتْ بِالنَّهْيِ وَاعْتَزَلَتْ . وَقِيلَ : إِنَّ النَّاهِينَ قَالُوا : لَا نُسَاكِنُكُمْ ; فَقَسَمُوا الْقَرْيَة بِجِدَارٍ . فَأَصْبَحَ النَّاهُونَ ذَات يَوْم فِي مَجَالِسِهِمْ وَلَمْ يَخْرُج مِنْ الْمُعْتَدِينَ أَحَد , فَقَالُوا : إِنَّ لِلنَّاسِ لَشَأْنًا ; فَعَلَوْا عَلَى الْجِدَار فَنَظَرُوا فَإِذَا هُمْ قِرَدَة ; فَفَتَحُوا الْبَاب وَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ , فَعَرَفَتْ الْقِرَدَة أَنْسَابهَا مِنْ الْإِنْس , وَلَمْ تَعْرِف الْإِنْس أَنْسَابَهُمْ مِنْ الْقِرَدَة ; فَجَعَلَتْ الْقِرَدَة تَأْتِي نَسِيبَهَا مِنْ الْإِنْس فَتَشُمُّ ثِيَابَهُ وَتَبْكِي ; فَيَقُول : أَلَمْ نَنْهَكُمْ ! فَتَقُول بِرَأْسِهَا نَعَمْ . قَالَ قَتَادَة : صَارَ الشُّبَّان قِرَدَة وَالشُّيُوخ خَنَازِير , فَمَا نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا وَهَلَكَ سَائِرهمْ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْل إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ تَفْتَرِق إِلَّا فِرْقَتَيْنِ . وَيَكُون الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الشامل في فقه الخطيب والخطبة

    الشامل في فقه الخطيب والخطبة : هذا الكتاب خاص بفقه الخطيب والخطبة، فلا يدخل في ذلك ما يتعلق بالمأمومين كمسألة الإنصات للخطبة، أو تنفلهم قبل الخطبة، أو تبكيرهم لحضور الجمعة، أو نحو ذلك. ثانياً: أن هذا الكتاب جمع ما يزيد على مائة وثنتين وعشرين مسألة، كلها تخصُّ الخطيب والخطبة، مما قد لا يوجد مجتمعاً بهذه الصورة في غير هذا الكتاب حسب ما ظهر لي. ثالثاً: أن هذا الكتاب جمع أكبر قدر ممكن من أقوال أهل العلم في هذا الشأن، من أئمة المذاهب الأربعة، وأصحابهم، وغيرهم من فقهاء السلف، وذلك دون إطناب ممل، ولا إسهاب مخل.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142648

    التحميل:

  • الإرشاد إلى توحيد رب العباد

    الإرشاد إلى توحيد رب العباد : رسالة مختصرة في علم التوحيد، وتحتوي على مقتطفات مهمة من رسائل الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265560

    التحميل:

  • رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الشباب

    رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الشباب: لقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في تعامله مع الناس عامة، ومع الشباب خاصة قبل البعثة وبعدها، مما حبَّب الناس إليه وألفهم عليه، فكان يثق في شباب الصحابة، ويستأمنهم على أمورٍ خاصة، وقد كانوا - رضوان الله عليهم - على مستوى المسئولية في ذلك، وفي هذا الكتاب مختصر بعض النماذج لهؤلاء الشباب الذين اعتنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتربيتهم وتعليمهم.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323296

    التحميل:

  • الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم

    الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم: كتب الشيخ - حفظه الله - هذه الرسالة ردَّاً على من أجاز الغناء وأباحه، وقد بيّن فيها بالأدلّة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وأعلام التابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم من أهل العلم المحققين تحريم الأغاني والمعازف، كما بيّن ما يجوز من الغناء المباح، وقد قسم هذه الرسالة إلى المباحث الآتية: المبحث الأول: مفهوم الغناء والمعازف. المبحث الثاني: تحريم القول على اللَّه بغير علم. المبحث الثالث: تحريم الغناء بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة. المبحث الرابع: الوعيد الشديد لأهل الغناء والمعازف. المبحث الخامس: أسماء الغناء والمعازف وآلات اللهو. المبحث السادس: مسائل مهمة في الغناء والمعازف والمزامير. المبحث السابع: أضرار الغناء ومفاسده. المبحث الثامن: ما يباح من الغناء. المبحث التاسع: الردُّ على من ضعّف أحاديث الغناء. المبحث العاشر: الفتاوى المحققة في الأغاني والمعازف، وآلات اللهو.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320108

    التحميل:

  • نور الإسلام وظلمات الكفر في ضوء الكتاب والسنة

    نور الإسلام وظلمات الكفر في ضوء الكتاب والسنة: رسالة في بيان مفهوم الإسلام ومراتبه وثمراته ومحاسنه ونواقضه، وبيان معنى الكفر ومفهومه وأنواعه، وخطورة التكفير وأصول المكفرات، وآثار الكفر وأضراره.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1944

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة