Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 16

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) (الأعراف) mp3
الْإِغْوَاء إِيقَاع الْغَيّ فِي الْقَلْب ; أَيْ فَبِمَا أَوْقَعْت فِي قَلْبِي مِنْ الْغَيّ وَالْعِنَاد وَالِاسْتِكْبَار . وَهَذَا لِأَنَّ كُفْر إِبْلِيس لَيْسَ كُفْر جَهْل ; بَلْ هُوَ كُفْر عِنَاد وَاسْتِكْبَار . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . قِيلَ : مَعْنَى الْكَلَام الْقَسَم , أَيْ فَبِإِغْوَائِك إِيَّايَ لَأَقْعُدَن لَهُمْ عَلَى صِرَاطِك , أَوْ فِي صِرَاطِك ; فَحُذِفَ . دَلِيل عَلَى هَذَا الْقَوْل قَوْله فِي ( ص ) : " فَبِعِزَّتِك لَأُغْوِيَنهمْ أَجْمَعِينَ " [ ص : 82 ] فَكَأَنَّ إِبْلِيس أَعْظَمَ قَدْرَ إِغْوَاء اللَّه إِيَّاهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْلِيط عَلَى الْعِبَاد , فَأَقْسَمَ بِهِ إِعْظَامًا لِقَدْرِهِ عِنْده . وَقِيلَ : الْبَاء بِمَعْنَى اللَّام , كَأَنَّهُ قَالَ : فَلِإِغْوَائِك إِيَّايَ . وَقِيلَ : هِيَ بِمَعْنَى مَعَ , وَالْمَعْنَى فَمَعَ إِغْوَائِك إِيَّايَ . وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِفْهَام , كَأَنَّهُ سَأَلَ بِأَيِّ شَيْء أَغْوَاهُ ؟ . وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُون : فَبِمَ أَغْوَيْتنِي ؟ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَبِمَا أَهْلَكْتنِي بِلَعْنِك إِيَّايَ . وَالْإِغْوَاء الْإِهْلَاك , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا " [ مَرْيَم : 59 ] أَيْ هَلَاكًا . وَقِيلَ : فَبِمَا أَضْلَلْتنِي . وَالْإِغْوَاء : الْإِضْلَال وَالْإِبْعَاد ; قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : خَيَّبْتنِي مِنْ رَحْمَتك ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَمَنْ يَغْوِ لَا يَعْدَم عَلَى الْغَيِّ لَائِمَا أَيْ مَنْ يَخِبْ . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : يُقَال غَوَى الرَّجُل يَغْوِي غَيًّا إِذَا فَسَدَ عَلَيْهِ أَمْره , أَوْ فَسَدَ هُوَ فِي نَفْسه . وَهُوَ أَحَد مَعَانِي قَوْله تَعَالَى : " وَعَصَى آدَم رَبّه فَغَوَى " [ طَه : 121 ] أَيْ فَسَدَ عَيْشه فِي الْجَنَّة . وَيُقَال : غَوَى الْفَصِيل إِذَا لَمْ يَدْرِ لَبَن أُمّه . مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَضَلَّهُ وَخَلَقَ فِيهِ الْكُفْر ; وَلِذَلِكَ نَسَبَ الْإِغْوَاء فِي هَذَا إِلَى اللَّه تَعَالَى . وَهُوَ الْحَقِيقَة , فَلَا شَيْء فِي الْوُجُود إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوق لَهُ , صَادِر عَنْ إِرَادَته تَعَالَى . وَخَالَفَ الْإِمَامِيَّة وَالْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمَا شَيْخَهُمْ إِبْلِيس الَّذِي طَاوَعُوهُ فِي كُلّ مَا زَيَّنَهُ لَهُمْ , وَلَمْ يُطَاوِعُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَيَقُولُونَ : أَخْطَأَ إِبْلِيس , وَهُوَ أَهْل لِلْخَطَأِ حَيْثُ نَسَبَ الْغَوَايَة إِلَى رَبّه , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ . فَيُقَال لَهُمْ : وَإِبْلِيس وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْخَطَأِ فَمَا تَصْنَعُونَ فِي نَبِيّ مُكَرَّم مَعْصُوم , وَهُوَ وَنُوح عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ قَالَ لِقَوْمِهِ : " وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّه يُرِيد أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " [ هُود : 34 ] وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ طَاوُسًا جَاءَهُ رَجُل فِي الْمَسْجِد الْحَرَام , وَكَانَ مُتَّهَمًا بِالْقَدَرِ , وَكَانَ مِنْ الْفُقَهَاء الْكِبَار ; فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ طَاوُس : تَقُوم أَوْ تُقَام ؟ فَقِيلَ لِطَاوُس : تَقُول هَذَا لِرَجُلٍ فَقِيه ! فَقَالَ : إِبْلِيس أَفْقَه مِنْهُ , يَقُول إِبْلِيس : رَبّ بِمَا أَغْوَيْتنِي . وَيَقُول هَذَا : أَنَا أَغْوِي نَفْسِي .


أَيْ بِالصَّدِّ عَنْهُ , وَتَزْيِين الْبَاطِل حَتَّى يَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ , أَوْ يَضِلُّوا كَمَا ضَلَّ , أَوْ يَخِيبُوا كَمَا خُيِّبَ ; حَسَب مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَعَانِي الثَّلَاثَة فِي " أَغْوَيْتنِي " . وَالصِّرَاط الْمُسْتَقِيم هُوَ الطَّرِيق الْمُوَصِّل إِلَى الْجَنَّة . وَ " صِرَاطك " مَنْصُوب عَلَى حَذْف " عَلَى " أَوْ " فِي " مِنْ قَوْله : " صِرَاطك الْمُسْتَقِيم " ; كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ " ضَرَبَ زَيْد الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ " . وَأَنْشَدَ : لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • دليل المراسلة الإسلامي

    دليل المراسلة الإسلامي : فإن من نعم الله علينا أن يسر أمر الدعوة ولم يجعله مقتصرًا على العلماء والدعاة وطلبة العلم فحسب، بل جعل نصيبًا لكل من أراد ذلك بحسب جهده ومقدرته.. ومن أسهل وسائل الدعوة وأكثرها تأثيرًا وانتشارًا شراء وإرسال ونشر الكتب الشرعية. وهذه الطريقة التي يستفاد فيها من الموارد المتاحة والظروف المتيسرة ليست بدعًا ولا اختراعًا فقد بدأت مع فجر الإسلام إذ أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - رسائل إلى كسرى وقيصر والمقوقس وغيرهم. وهاهم ولله الحمد -أبناء الإسلام- يقتفون الأثر ويسيرون على الخطى لنشر هذا الدين عن طريق إرسال الكتب ويخصون بذلك فئة من شباب الإسلام يضعون أسمائهم وعناوينهم في المجلات طمعًا في المراسلة الفارغة فيصلون إليهم قبل أن تصلهم رسائل النصارى والفساق وغيرهم.. فأحببت أن أدل على هذه الطريقة وأوضح أسلوب عملها وأبرز أثرها حتى يهب الأحبة إلى القيام بهذا العمل لما فيه من الأجر العظيم والمثوبة الكبيرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/218468

    التحميل:

  • الفوائد السنية على العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، ومن هذه الشروح شرح الشيخ عبد الله القصير - أثابه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/311365

    التحميل:

  • بدائع الفوائد

    بدائع الفوائد : من جملة أغراض التأليف وألوانه التي أَلِفَ العلماء الكتابة فيها: تقييدُ ما يمرُّ بهم من الفوائد، والشوارد، والبدائع؛ من نصٍّ عزيز، أو نقلٍ غريب، أو استدلال محرَّر، أو ترتيب مُبتكر، أو استنباط دقيق، أو إشارةٍ لطيفة = يُقيِّدون تلك الفوائد وقت ارتياضهم في خزائن العلم ودواوين الإسلام، أو مما سمعوه من أفواه الشيوخ أو عند مناظرة الأقران، أو بما تُمليه خواطرهم وينقدح في الأذهان. يجمعون تلك المقيَّدات في دواوين، لهم في تسميتها مسالك، فتُسَمَّى بـ "الفوائد" أو"التذكرة" أو "الزنبيل" أو"الكنَّاش" أو "المخلاَة" أو"الفنون" أو"السفينة" أو"الكشكول" وغيرها. وهم في تلك الضمائم والمقيَّدات يتفاوتون في جَوْدة الاختيار، وطرافة الترتيب، وعُمْق الفكرة = تفاوتَ علومهم وقرائحهم، وفهومهم ومشاربهم، فاختيار المرء – كما قيل وما أصدق ماقيل ! – قطعةٌ من عقله ، ويدلُّ على المرء حسنُ اختياره ونقله. إلا أن تلك الكتب تجمعها - في الجملة - أمور مشتركة؛ كغلبة النقل، وعزة الفوائد، وعدم الترتيب، وتنوُّع المعارف. ومن أحسن الكتب المؤلَّفة في هذا المضمار كتاب "بدائع الفوائد" للإمام العلامة شمس الدين أبي عبدالله محمد بن أبي بكر ، المعروف بابن قيِّم الجوزية، المتوفي سنة (751) رحمة الله عليه. وهو كتابٌ مشحونٌ بالفوائد النادرة، والقواعد الضابطة ، والتحقيقات المحرَّرة، والنقول العزيزة، والنِّكات الطريفة المُعْجِبَة؛ في التفسير، والحديث، والأصلين، والفقه، وعلوم العربية. إضافة إلى أنواع من المعارف، من المناظرات، والفروق، والمواعظ والرِّقاق وغيرها، مقلِّداً أعناق هذه المعارف سِمطاً من لآلئ تعليقاته المبتكرة.

    المدقق/المراجع: علي بن محمد العمران

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265598

    التحميل:

  • الأنفاس الأخيرة

    الأنفاس الأخيرة: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الله - عز وجل - جعل هذه الدنيا دار ممر لا دار مقر وجعل بعدها الحساب والجزاء، ولما كان آخر أنفاسنا من هذه الدنيا هي ساعة الاحتضار وما يلاقيه المحتضر من شدة وكرب فإن الكيس الفطن هو من يرى كيف مر الموقف بغيره؟ وكيف تغشى أحبته؟ وماذا جرى لهم لكي يستعد ويتجهز ويكون على أُهبة لملاقاة الموت؟ وقد انتقيت للأخ الحبيب مجموعة من تلك المواقف المختلفة ابتداءً بنبي الأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومرورًا بالصحابة والسلف ليكون على بصيرة فينظر موضع قدمه ونهاية أنفاسه .. وهي صور فيها خوف ووجل ولكنها عبرة لمن اعتبر وإيقاظ لمن غفل. وهذا الكتاب هو «الثاني عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» أخذت أصله من كتابي «لحظات ساكنة» بناءً على طلب بعض الإخوة».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208940

    التحميل:

  • القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة

    القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة : ذكر فيها - رحمه الله - جملة من القواعد الفقهية المهمة ثم قام بشرحها وتبين أدلتها وأمثلتها بأسلوب سهل ميسر، ثم أتبعه بجملة من الفروق الفقهية يبين فيها الفروق الصحيحة من الضعيفة. اعتنى بتحقيقه : الشيخ خالد بن علي بن محمد المشيقح - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205540

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة