Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 155

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) (الأعراف) mp3
مَفْعُولَانِ , أَحَدهمَا حُذِفَتْ مِنْهُ مِنْ ; وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : مِنَّا الَّذِي اُخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً وَبِرًّا إِذَا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ وَقَالَ الرَّاعِي يَمْدَح رَجُلًا : اِخْتَرْتُك النَّاسَ إِذْ رَثَّتْ خَلَائِقُهُمْ وَاخْتَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عِنْده السُّولُ يُرِيد : اِخْتَرْتُك مِنْ النَّاس . وَأَصْل اِخْتَارَ اُخْتِيرَ ; فَلَمَّا تَحَرَّكَتْ الْيَاء وَقَبْلهَا فَتْحَة قُلِبَتْ أَلِفًا , نَحْو قَالَ وَبَاعَ .


أَيْ مَاتُوا . وَالرَّجْفَة فِي اللُّغَة الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة . وَيُرْوَى أَنَّهُمْ زُلْزِلُوا حَتَّى مَاتُوا .


أَيْ أَمَتَّهُمْ ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " إِنْ اِمْرُؤٌ هَلَكَ " [ النِّسَاء : 176 ] . " وَإِيَّايَ " عَطْف . وَالْمَعْنَى : لَوْ شِئْت أَمَتَّنَا مِنْ قَبْل أَنْ نَخْرُج إِلَى الْمِيقَات بِمَحْضَرِ بَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى لَا يَتَّهِمُونِي . أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان عَنْ سُفْيَان عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عُمَارَة بْن عَبْد عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : اِنْطَلَقَ مُوسَى وَهَارُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا وَانْطَلَقَ شَبَّر وَشَبِّير - هُمَا اِبْنَا هَارُون - فَانْتَهَوْا إِلَى جَبَل فِيهِ سَرِير , فَقَامَ عَلَيْهِ هَارُون فَقُبِضَ رُوحه . فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمه , فَقَالُوا : أَنْتَ قَتَلْته , حَسَدْتنَا عَلَى لِينِهِ وَعَلَى خُلُقِهِ , أَوْ كَلِمَة نَحْوهَا , الشَّكّ مِنْ سُفْيَان , فَقَالَ : كَيْفَ أَقْتُلهُ وَمَعِيَ اِبْنَاهُ ! قَالَ : فَاخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ ; فَاخْتَارُوا مِنْ كُلّ سِبْط عَشَرَة . قَالَ : فَذَلِكَ قَوْله : " وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمه سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا " فَانْتَهَوْا إِلَيْهِ ; فَقَالُوا : مَنْ قَتَلَك يَا هَارُون ؟ قَالَ : مَا قَتَلَنِي أَحَد وَلَكِنَّ اللَّه تَوَفَّانِي . قَالُوا : يَا مُوسَى , مَا تُعْصَى .


فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة , فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا , وَيَقُول : " أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُك " قَالَ : فَدَعَا اللَّه فَأَحْيَاهُمْ وَجَعَلَهُمْ أَنْبِيَاء كُلَّهُمْ . وَقِيلَ : أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة لِقَوْلِهِمْ : أَرِنَا اللَّه جَهْرَة كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى نَرَى اللَّه جَهْرَة فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَة " [ الْبَقَرَة : 55 ] . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّمَا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْهَوْا مَنْ عَبَدَ الْعِجْل , وَلَمْ يَرْضَوْا عِبَادَته . وَقِيلَ : هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ غَيْر مَنْ قَالُوا أَرِنَا اللَّه جَهْرَة . وَقَالَ وَهْب : مَا مَاتُوا , وَلَكِنْ أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة مِنْ الْهَيْبَة حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَبِينَ مَفَاصِلهمْ , وَخَافَ مُوسَى عَلَيْهِمْ الْمَوْت . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " عَنْ وَهْب أَنَّهُمْ مَاتُوا يَوْمًا وَلَيْلَة . وَقِيلَ غَيْر هَذَا فِي مَعْنَى سَبَب أَخْذِهِمْ بِالرَّجْفَةِ . وَاَللَّه أَعْلَم بِصِحَّةِ ذَلِكَ . وَمَقْصُود الِاسْتِفْهَام فِي قَوْله : " أَتُهْلِكُنَا " الْجَحْد ; أَيْ لَسْت تَفْعَل ذَلِكَ . وَهُوَ كَثِير فِي كَلَام الْعَرَب . وَإِذَا كَانَ نَفْيًا كَانَ بِمَعْنَى الْإِيجَاب ; كَمَا قَالَ : أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاح وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الدُّعَاء وَالطَّلَب , أَيْ لَا تُهْلِكنَا ; وَأَضَافَ إِلَى نَفْسه . وَالْمُرَاد الْقَوْم الَّذِينَ مَاتُوا مِنْ الرَّجْفَة . وَقَالَ الْمُبَرِّد : الْمُرَاد بِالِاسْتِفْهَامِ اِسْتِفْهَام اِسْتِعْظَام ; كَأَنَّهُ يَقُول : لَا تُهْلِكْنَا , وَقَدْ عَلِمَ مُوسَى أَنَّ اللَّه لَا يُهْلِك أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْره ; وَلَكِنَّهُ كَقَوْلِ عِيسَى : " إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك " [ الْمَائِدَة : 118 ] . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالسُّفَهَاءِ السَّبْعُونَ . وَالْمَعْنَى : أَتُهْلِكُ بَنِي إِسْرَائِيل بِمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ السُّفَهَاء فِي قَوْلِهِمْ " أَرِنَا اللَّه جَهْرَة " .



أَيْ مَا هَذَا إِلَّا اِخْتِبَارُك وَامْتِحَانُك . وَأَضَافَ الْفِتْنَة إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَلَمْ يُضِفْهَا إِلَى نَفْسِهِ ; كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم : " وَإِذَا مَرِضْت فَهُوَ يَشْفِينِ " [ الشُّعَرَاء : 80 ] فَأَضَافَ الْمَرَض إِلَى نَفْسه وَالشِّفَاء إِلَى اللَّه تَعَالَى : وَقَالَ يُوشَع : " وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَان " [ الْكَهْف : 63 ] . وَإِنَّمَا اِسْتَفَادَ ذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لَهُ : " فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَك مِنْ بَعْدِك " [ طَه : 85 ] . فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمه وَرَأَى الْعِجْل مَنْصُوبًا لِلْعِبَادَةِ وَلَهُ خُوَار قَالَ " إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا " أَيْ بِالْفِتْنَةِ .


وَهَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • رسائل دعوية إلى العاملين في مجال الصحة والطب

    رسائل دعوية إلى العاملين في مجال الصحة والطب: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن من أعظم محاضن الدعوة اليوم: التعليم والتطبيب، وقد أجلب أصحاب الملل الباطلة في هذين المجالين بخيلهم ورجلهم، فانتشرت المدارس النصرانية وكثرت المراكز الطبية التي تقف من خلفها الكنائس والبعثات التنصيرية. وإسهامًا في الدعوة إلى الله- عز وجل- في هذا المجال الهام أدليت بدلوي رغبة في المشاركة ولو بالقليل».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229630

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ عبد العزيز الراجحي ]

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان مقاصدها، وفي هذه الصفحة تفريغ لدروس فضيلة الشيخ عبد العزيز الراجحي - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/305090

    التحميل:

  • مختصر تفسير سورة الأنفال

    رسالة مختصرة تحتوي على خلاصة تفسير سورة الأنفال.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264185

    التحميل:

  • العلمانية.. وثمارها الخبيثة

    العلمانية: هذا الكتاب يخبرك بالخطر القادم والخطر الدفين، في أسلوب سهل قريب يفهمه المبتدئ، وينتفع به المنتهي.. إنه كتاب يُعرفك بعدوك القائم، حيث تبين الرسالة حقيقة العلمانية، ومصادرها، وخطرها على ديننا، وآثارها المميتة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340493

    التحميل:

  • صلاة الاستسقاء في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة الاستسقاء في ضوء الكتاب والسنة: قال المؤلف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة الاستسقاء وما يتعلق بها من أحكام، بيَّنت فيها بفضل الله تعالى: مفهوم الاستسقاء، وحكمه، وأسباب القحط وحبس المطر، وأنواع الاستسقاء، وآدابه التي ينبغي للمسلمين أن يلتزموا بها في الاستسقاء، وبيّنت كيفية صلاة الاستسقاء، وموضع خطبة الاستسقاء، وأن السنة في الدعاء المبالغة في رفع اليدين، ثم ذكرت أدعية نبوية ثبتت في الاستسقاء، وأن السنة تحويل الرداء في آخر خطبة الاستسقاء واستقبال القبلة، وبيَّنت أن الاستسقاء بالكواكب والأنواء من أمور الجاهلية، ثم ذكرت الآداب المختصة بالمطر، وختمت بذكر آيات من آيات الله تعالى: الرعد، والبرق، والصواعق، والزلازل فذكرت كلام أهل العلم على ذلك، وقد استفدت كثيرًا من تقريرات، وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله تعالى -».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1938

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة