Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 150

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) (الأعراف) mp3
لَمْ يَنْصَرِف " غَضْبَان " لِأَنَّ مُؤَنَّثه غَضْبَى , وَلِأَنَّ الْأَلِف وَالنُّون فِيهِ بِمَنْزِلَةِ أَلِفَيْ التَّأْنِيث فِي قَوْلِك حَمْرَاء . وَهُوَ نَصْب عَلَى الْحَال . وَ " أَسِفًا " شَدِيد الْغَضَب . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : الْأَسَف مَنْزِلَة وَرَاء الْغَضَب أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ . وَهُوَ أَسِف وَأَسِيف وَأَسْفَان وَأَسُوف . وَالْأَسِيف أَيْضًا الْحَزِين . اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : رَجَعَ حَزِينًا مِنْ صَنِيع قَوْمه . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : أَخْبَرَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَبْل رُجُوعه أَنَّهُمْ قَدْ فُتِنُوا بِالْعِجْلِ ; فَلِذَلِكَ رَجَعَ وَهُوَ غَضْبَان . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَعْظَم النَّاس غَضَبًا , لَكِنَّهُ كَانَ سَرِيع الْفَيْئَة ; فَتِلْكَ بِتِلْكَ . قَالَ اِبْن الْقَاسِم : سَمِعْت مَالِكًا يَقُول : كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا غَضِبَ طَلَعَ الدُّخَان مِنْ قَلَنْسُوَتِهِ , وَرَفَعَ شَعْر بَدَنه جُبَّتَهُ . وَذَلِكَ أَنَّ الْغَضَب جَمْرَة تَتَوَقَّد فِي الْقَلْب . وَلِأَجْلِهِ أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَضِبَ أَنْ يَضْطَجِع . فَإِنْ لَمْ يَذْهَب غَضَبه اِغْتَسَلَ ; فَيُخْمِدهَا اِضْطِجَاعه وَيُطْفِئهَا اِغْتِسَاله . وَسُرْعَة غَضَبه كَانَ سَبَبًا لِصَكِّهِ مَلَك الْمَوْت فَفَقَأَ عَيْنَهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْمَائِدَة " مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم : وَإِنَّمَا اِسْتَجَازَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَلِيم اللَّه ; كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ مَنْ اِجْتَرَأَ عَلَيْهِ أَوْ مَدَّ إِلَيْهِ يَدًا بِأَذًى فَقَدْ عَظُمَ الْخَطْب فِيهِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ اِحْتَجَّ عَلَيْهِ فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ تَنْزِع رُوحِي ؟ أَمِنْ فَمِي وَقَدْ نَاجَيْت بِهِ رَبِّي ! أَمْ مِنْ سَمْعِي وَقَدْ سَمِعْت بِهِ كَلَام رَبِّي ! أَمْ مِنْ يَدِي وَقَدْ قَبَضْت مِنْهُ الْأَلْوَاح ! أَمْ مِنْ قَدَمِي وَقَدْ قُمْت بَيْن يَدَيْهِ أُكَلِّمهُ بِالطُّورِ ! أَمْ مِنْ عَيْنِي وَقَدْ أَشْرَقَ وَجْهِي لِنُورِهِ . فَرَجَعَ إِلَى رَبّه مُفْحَمًا . وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا : ( إِذَا غَضِبَ أَحَدكُمْ وَهُوَ قَائِم فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَب وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ ) . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي وَائِل الْقَاصّ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى عُرْوَة بْن مُحَمَّد السَّعْدِيّ فَكَلَّمَهُ رَجُل فَأَغْضَبَهُ ; فَقَامَ ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ تَوَضَّأَ , فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَطِيَّة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْغَضَب مِنْ الشَّيْطَان وَإِنَّ الشَّيْطَان خُلِقَ مِنْ النَّار وَإِنَّمَا تُطْفَأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ ) .



ذَمٌّ مِنْهُ لَهُمْ ; أَيْ بِئْسَ الْعَمَل عَمِلْتُمْ بَعْدِي . يُقَال : خَلَفَهُ ; بِمَا يَكْرَه . وَيُقَال فِي الْخَيْر أَيْضًا . يُقَال مِنْهُ : خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ فِي أَهْله وَقَوْمه بَعْد شُخُوصه .


أَيْ سَبَقْتُمُوهُ . وَالْعَجَلَة : التَّقَدُّم بِالشَّيْءِ قَبْل وَقْته , وَهِيَ مَذْمُومَة . وَالسُّرْعَة : عَمَل الشَّيْء فِي أَوَّل أَوْقَاته , وَهِيَ مَحْمُودَة . قَالَ يَعْقُوب : يُقَال عَجِلْت الشَّيْء سَبَقْته . وَأَعْجَلْت الرَّجُل اِسْتَعْجَلْته , أَيْ حَمَلْته عَلَى الْعَجَلَة . وَمَعْنَى " أَمْر رَبّكُمْ " أَيْ مِيعَاد رَبّكُمْ , أَيْ وَعْد أَرْبَعِينَ لَيْلَة . وَقِيلَ : أَيْ تَعَجَّلْتُمْ سَخَط رَبّكُمْ . وَقِيلَ : أَعَجِلْتُمْ بِعِبَادَةِ الْعِجْل قَبْل أَنْ يَأْتِيَكُمْ أَمْر مِنْ رَبّكُمْ .



فِيهِ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَأَلْقَى الْأَلْوَاح " أَيْ مِمَّا اِعْتَرَاهُ مِنْ الْغَضَب وَالْأَسَف حِين أَشْرَفَ عَلَى قَوْمه وَهُمْ عَاكِفُونَ عَلَى عِبَادَة الْعِجْل , وَعَلَى أَخِيهِ فِي إِهْمَال أَمْرِهِمْ ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر . وَلِهَذَا قِيلَ : لَيْسَ الْخَبَر كَالْمُعَايَنَةِ . وَلَا اِلْتِفَات لِمَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَة إِنْ صَحَّ عَنْهُ , وَلَا يَصِحّ أَنَّ إِلْقَاءَهُ الْأَلْوَاح إِنَّمَا كَانَ لِمَا رَأَى فِيهَا مِنْ فَضِيلَة أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ . وَهَذَا قَوْل رَدِيء لَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَاف إِلَى مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ الْأَلْوَاح تَكَسَّرَتْ , وَأَنَّهُ رُفِعَ مِنْهَا التَّفْصِيل وَبَقِيَ فِيهَا الْهُدَى وَالرَّحْمَة . الثَّانِيَة : وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض جُهَّال الْمُتَصَوِّفَة بِهَذَا عَلَى جَوَاز رَمْي الثِّيَاب إِذَا اِشْتَدَّ طَرَبُهُمْ عَلَى الْمَغْنَى . ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَرْمِي بِهَا صِحَاحًا , وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْرِقهَا ثُمَّ يَرْمِي بِهَا . قَالَ : هَؤُلَاءِ فِي غَيْبَة فَلَا يُلَامُونَ ; فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَمُّ بِعِبَادَةِ قَوْمه الْعِجْل , رَمَى الْأَلْوَاح فَكَسَّرَهَا , وَلَمْ يَدْرِ مَا صَنَعَ . قَالَ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ : مَنْ يُصَحِّح عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ رَمَاهَا رَمْي كَاسِر ؟ وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِي الْقُرْآن أَلْقَاهَا , فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّهَا تَكَسَّرَتْ ؟ ثُمَّ لَوْ قِيلَ : تَكَسَّرَتْ فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّهُ قَصَدَ كَسْرَهَا ؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّحْنَا ذَلِكَ عَنْهُ قُلْنَا كَانَ فِي غَيْبَة , حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْن يَدَيْهِ بَحْر مِنْ نَار لَخَاضَهُ . وَمَنْ يُصَحِّح لِهَؤُلَاءِ غَيْبَتهمْ وَهُمْ يَعْرِفُونَ الْمَغْنَى مِنْ غَيْره , وَيَحْذَرُونَ مِنْ بِئْر لَوْ كَانَتْ عِنْدهمْ . ثُمَّ كَيْفَ تُقَاسَ أَحْوَال الْأَنْبِيَاء عَلَى أَحْوَال هَؤُلَاءِ السُّفَهَاء . وَقَدْ سُئِلَ اِبْن عُقَيْل عَنْ تَوَاجُدهمْ وَتَخْرِيق ثِيَابهمْ فَقَالَ : خَطَأ وَحَرَام ; وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَة الْمَال . فَقَالَ لَهُ قَائِل : فَإِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ مَا يَفْعَلُونَ . فَقَالَ : إِنْ حَضَرُوا هَذِهِ الْأَمْكِنَة مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ الطَّرَب يَغْلِب عَلَيْهِمْ فَيُزِيل عُقُولهمْ أَثِمُوا بِمَا أَدْخَلُوهُ عَلَى أَنْفُسهمْ مِنْ التَّخْرِيق وَغَيْره مِمَّا أَفْسَدُوا , وَلَا يَسْقُط عَنْهُمْ خِطَاب الشَّرْع ; لِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ قَبْل الْحُضُور بِتَجَنُّبِ هَذَا الْمَوْضِع الَّذِي يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ . كَمَا هُمْ مَنْهِيُّونَ عَنْ شُرْب الْمُسْكِر , كَذَلِكَ هَذَا الطَّرَب الَّذِي يُسَمِّيه أَهْل التَّصَوُّف وَجْدًا إِنْ صَدَقُوا أَنَّ فِيهِ سُكْر طَبْع , وَإِنْ كَذَبُوا أَفْسَدُوا مَعَ الصَّحْو , فَلَا سَلَامَة فِيهِ مَعَ الْحَالَيْنِ , وَتَجَنُّب مَوَاضِع الرِّيَب وَاجِب .


أَيْ بِلِحْيَتِهِ وَذُؤَابَته . وَكَانَ هَارُون أَكْبَر مِنْ مُوسَى - صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمَا - بِثَلَاثِ سِنِينَ , وَأَحَبّ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ مُوسَى ; لِأَنَّهُ كَانَ لَيِّن الْغَضَب . ع لِلْعُلَمَاءِ فِي أَخْذ مُوسَى بِرَأْسِ أَخِيهِ أَرْبَع تَأْوِيلَات ع الْأَوَّل : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَعَارَفًا عِنْدهمْ ; كَمَا كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَلهُ مِنْ قَبْض الرَّجُل عَلَى لِحْيَة أَخِيهِ وَصَاحِبه إِكْرَامًا وَتَعْظِيمًا , فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيق الْإِذْلَال . الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِيُسِرّ إِلَيْهِ نُزُول الْأَلْوَاح عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمُنَاجَاة وَأَرَادَ أَنْ يُخْفِيهَا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل قَبْل التَّوْرَاة . فَقَالَ لَهُ هَارُون : لَا تَأْخُذ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ; لِئَلَّا يُشْتَبَه سِرَاره عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِإِذْلَالِهِ . الثَّالِث : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْسه أَنَّ هَارُون مَائِل مَعَ بَنِي إِسْرَائِيل فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ أَمْر الْعِجْل . وَمِثْل هَذَا لَا يَجُوز عَلَى الْأَنْبِيَاء . الرَّابِع : ضَمَّ إِلَيْهِ أَخَاهُ لِيَعْلَم مَا لَدَيْهِ ; فَكَرِهَ ذَلِكَ هَارُون لِئَلَّا يَظُنّ بَنُو إِسْرَائِيل أَنَّهُ أَهَانَهُ ; فَبَيَّنَ لَهُ أَخُوهُ أَنَّهُمْ اِسْتَضْعَفُوهُ , يَعْنِي عَبَدَة الْعِجْل , وَكَادُوا يَقْتُلُونَهُ أَيْ قَارَبُوا . فَلَمَّا سَمِعَ عُذْره قَالَ : رَبّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ; أَيْ اِغْفِرْ لِي مَا كَانَ مِنْ الْغَضَب الَّذِي أَلْقَيْت مِنْ أَجْله الْأَلْوَاح , وَلِأَخِي لِأَنَّهُ ظَنَّهُ مُقَصِّرًا فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَقَع مِنْهُ تَقْصِير ; أَيْ اِغْفِرْ لِأَخِي إِنْ قَصَّرَ . قَالَ الْحَسَن : عَبَدَ كُلُّهُمْ الْعِجْل غَيْر هَارُون , إِذْ لَوْ كَانَ ثَمَّ مُؤْمِن غَيْر مُوسَى وَهَارُون لَمَا اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله : رَبّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي , وَلَدَعَا لِذَلِكَ الْمُؤْمِن أَيْضًا . وَقِيلَ : اِسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ مِنْ فِعْله بِأَخِيهِ , فَعَلَ ذَلِكَ لِمَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِ ; إِذْ لَمْ يَلْحَق بِهِ فَيُعَرِّفهُ مَا جَرَى لِيَرْجِع فَيَتَلَافَاهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : " يَا هَارُون مَا مَنَعَك إِذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْت أَمْرِي " [ طَه : 92 - 93 ] الْآيَة . فَبَيَّنَ هَارُون أَنَّهُ إِنَّمَا أَقَامَ خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْ الْقَتْل . فَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ لِمَنْ خَشِيَ الْقَتْل عَلَى نَفْسه عِنْد تَغْيِير الْمُنْكَر أَنْ يَسْكُت . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان هَذَا فِي " آل عِمْرَان " اِبْن الْعَرَبِيّ وَفِيهَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْغَضَب لَا يُغَيِّر الْأَحْكَام كَمَا زَعَمَ بَعْض النَّاس ; فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يُغَيِّر غَضَبه شَيْئًا مِنْ أَفْعَاله , بَلْ اِطَّرَدَتْ عَلَى مَجْرَاهَا مِنْ إِلْقَاء لَوْح وَعِتَاب أَخ وَصَكّ مَلَك . الْمَهْدَوِيّ : لِأَنَّ غَضَبه كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَسُكُوته عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل خَوْفًا أَنْ يَتَحَارَبُوا أَوْ يَتَفَرَّقُوا .



وَكَانَ اِبْن أُمّه وَأَبِيهِ . وَلَكِنَّهَا كَلِمَة لِين وَعَطْف . قَالَ الزَّجَّاج : قِيلَ كَانَ هَارُون أَخَا مُوسَى لِأُمِّهِ لَا لِأَبِيهِ . وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْرهَا ; فَمَنْ فَتَحَ جَعَلَ " اِبْن أُمَّ " اِسْمًا وَاحِدًا كَخَمْسَةَ عَشَرَ ; فَصَارَ كَقَوْلِك : يَا خَمْسَةَ عَشَرَ أَقْبِلُوا . وَمَنْ كَسَرَ الْمِيم جَعَلَهُ مُضَافًا إِلَى ضَمِير الْمُتَكَلِّم ثُمَّ حَذَفَ يَاء الْإِضَافَة ; لِأَنَّ مَبْنَى النِّدَاء عَلَى الْحَذْف , وَأَبْقَى الْكَسْرَة فِي الْمِيم لِتَدُلّ عَلَى الْإِضَافَة ; كَقَوْلِهِ : " يَا عِبَاد " [ الزُّمَر : 10 ] . يَدُلّ عَلَيْهِ قِرَاءَة اِبْن السَّمَيْقَع " يَا ابْن أُمِّي " بِإِثْبَاتِ الْيَاء عَلَى الْأَصْل . وَقَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء وَأَبُو عُبَيْد : " يَا ابْن أُمَّ " بِالْفَتْحِ , تَقْدِيره يَا ابْن أُمَّاهُ . وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : هَذَا الْقَوْل خَطَأ ; لِأَنَّ الْأَلِف خَفِيفَة لَا تُحْذَف , وَلَكِنْ جَعَلَ الِاسْمَيْنِ اِسْمًا وَاحِدًا . وَقَالَ الْأَخْفَش وَأَبُو حَاتِم : " يَا ابْن أُمِّ " بِالْكَسْرِ كَمَا تَقُول : يَا غُلَام غُلَامِ أَقْبِلْ , وَهِيَ لُغَة شَاذَّة وَالْقِرَاءَة بِهَا بَعِيدَة . وَإِنَّمَا هَذَا فِيمَا يَكُون مُضَافًا إِلَيْك ; فَأَمَّا الْمُضَاف إِلَى مُضَاف إِلَيْك فَالْوَجْه أَنْ تَقُول : يَا غُلَام غُلَامِي , وَيَا ابْن أَخِي . وَجَوَّزُوا يَا ابْن أُمّ , يَا بْن عَمّ , لِكَثْرَتِهَا فِي الْكَلَام . قَالَ الزَّجَّاج وَالنَّحَّاس : وَلَكِنْ لَهَا وَجْه حَسَن جَيِّد , يُجْعَل الِابْن مَعَ الْأُمّ وَمَعَ الْعَمّ اِسْمًا وَاحِدًا ; بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك : يَا خَمْسَةَ عَشَرَ أَقْبِلُوا , فَحُذِفَتْ الْيَاء كَمَا حُذِفَتْ مِنْ يَا غُلَام



اِسْتَذَلُّونِي وَعَدُّونِي ضَعِيفًا .



أَيْ قَارَبُوا .



بِنُونَيْنِ ; لِأَنَّهُ فِعْل مُسْتَقْبَل . وَيَجُوز الْإِدْغَام فِي غَيْر الْقُرْآن .




أَيْ لَا تَسُرّهُمْ . وَالشَّمَاتَة : السُّرُور بِمَا يُصِيب أَخَاك مِنْ الْمَصَائِب فِي الدِّين وَالدُّنْيَا . وَهِيَ مُحَرَّمَة مَنْهِيّ عَنْهَا . وَفِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُظْهِرْ الشَّمَاتَة بِأَخِيك فَيُعَافِيه اللَّه وَيَبْتَلِيك ) . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذ مِنْهَا وَيَقُول : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ سُوء الْقَضَاء وَدَرْك الشَّقَاء وَشَمَاتَة الْأَعْدَاء ) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَغَيْره . وَقَالَ الشَّاعِر : إِذَا مَا الدَّهْر جَرَّ عَلَى أُنَاسٍ كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا وَقَرَأَ مُجَاهِد وَمَالِك بْن دِينَار " تَشْمَت " بِالنَّصْبِ فِي التَّاء وَفَتْح الْمِيم , " الْأَعْدَاءُ " بِالرَّفْعِ . وَالْمَعْنَى : لَا تَفْعَل بِي مَا تَشْمَت مِنْ أَجْله الْأَعْدَاء , أَيْ لَا يَكُون ذَلِكَ مِنْهُمْ لِفِعْلٍ تَفْعَلهُ أَنْتَ بِي . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا " تَشْمَت " بِالْفَتْحِ فِيهِمَا " الْأَعْدَاء " بِالنَّصْبِ . قَالَ اِبْن جِنِّي : الْمَعْنَى فَلَا تَشْمَت بِي أَنْتَ يَا رَبّ . وَجَازَ هَذَا كَمَا قَالَ : " اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ " [ الْبَقَرَة : 15 ] وَنَحْوه . ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمُرَاد فَأَضْمَرَ فِعْلًا نَصَبَ بِهِ الْأَعْدَاء ; كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَا تُشْمِت بِيَ الْأَعْدَاء . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَحَكَيْت عَنْ حُمَيْد : " فَلَا تَشْمِت " بِكَسْرِ الْمِيم . قَالَ النَّحَّاس : وَلَا وَجْه لِهَذِهِ الْقِرَاءَة ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ شَمِتَ وَجَبَ أَنْ يَقُول تَشْمَت . وَإِنْ كَانَ مِنْ أَشْمَتَ وَجَبَ أَنْ يَقُول تُشْمِت . وَقَوْله



قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْل .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فضل قراءة بعض آيات وسور من القرآن الكريم مُؤيَّدًا بسنة النبي عليه الصلاة والسلام

    فضل قراءة بعض آيات وسور من القرآن الكريم مُؤيَّدًا بسنة النبي عليه الصلاة والسلام: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد تاقَت نفسي أن أُصنِّف كتابًا أُضمِّنه: فضل قراءة بعض آيات، وسُور من القرآن الكريم مُعتمِدًا في ذلك على ما يلي: أولاً: على الأحاديث الصحيحة الواردة عن نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -. ثانيًا: على الأخبار الموثوق بها الواردة عن خِيرةِ الصحابةِ والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين -. رجاءَ أن يكون ذلك مُشجِّعًا على قراءةِ القرآن الكريم؛ لما في ذلك من الأجرِ العظيمِ، والثوابِ الجزيلِ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384412

    التحميل:

  • رسالة إلى القضاة

    رسالة تحتوي على بعض النصائح والتوجيهات للقضاة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334998

    التحميل:

  • شرح العقيدة الواسطية [ محمد خليل هراس ]

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحه بعض أهل العلم، منهم الشيخ محمد خليل هراس - رحمه الله - الذ يعد من أنسب الشروح لمتن الواسطية حيث تعرض فيه للموضوعات العقدية تبعاً للمتن فجاءت موضوعاته: أركان الإيمان، آيات الصفات وأحاديثها، فتنة القبر، القيامة، الشفاعة، القضاء والقدر، الإيمان والإسلام، الصحابة والخلافة، وأضاف بيان أبرز المخالفين لعقيدة السلف في هذه القضايا مع الرد الموجز عليهم.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق عفيفي - إسماعيل بن محمد الأنصاري

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107373

    التحميل:

  • قضايا المرأة في المؤتمرات الدولية دراسة نقدية في ضوء الإسلام

    قضايا المرأة في المؤتمرات الدولية دراسة نقدية في ضوء الإسلام : إن للمرأة في الإسلام مكانة كريمة فقد كفل لها جميع حقوقها، ورعاها في جميع أطوار حياتها موصيا بها الأب في حال كونها ابنة – والزوج في حال كونها زوجة – والابن في حال كونها أما. وإن المتتبع لأحداث المرحلة الزمنية الراهنة التي تعيشها مجتمعاتنا الإسلامية وما يشن من غارات فكرية وهجمات شرسة لنشر المفاهيم الغربية الفاسدة لاسيما ما يتعلق بالمرأة - ليدرك خطورة الوضع الراهن، خاصة مع هيمنة الحضارات الغربية، وتعلق دعاة التغريب بها. وقد اضطلع الدكتور فؤاد بن عبد الكريم بكشف أحد جوانب هذه المؤامرات التي تحاك من خلال المؤتمرات التي تقوم عليها الأمم المتحدة وأجهزتها مع وكالات دولية أخرى انطلاقا من بعض المفاهيم والمبادئ والأفكار كالعلمانية والحرية والعالمية والعولمة. - ملحوظة: قام المؤلف باختصار الرسالة في مُؤَلَّف من إصدار مجلة البيان بعنوان : العدوان على المرأة في المؤتمرات الدولية؛ فجاء في مقدمة الكتاب: " وقد استقر الرأي على اختصارها وتهذيبها لتناسب القراء عامة، ومن أراد المزيد من التفصيل فليرجع إلى أصل الرسالة التي تزيد صفحتها عن 1300 صفحة "، وقد نشرنا المختصر على هذا الرابط: http://www.islamhouse.com/p/205659

    الناشر: موقع الدرر السنية http://www.dorar.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205805

    التحميل:

  • وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود

    وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري : الرحلة في طلب العلم رحلة مليئة بالذكريات والمواقف، تبتدئ من المحبرة وتنتهي في المقبرة، يُستقى فيها من معين الكتاب والسنة علوم شتى، ولما كان طلاب العلم يتشوقون إلى معرفة سير علمائهم؛ فقد حرصنا على توفير بعض المواد التي ترجمت لهم، ومنها كتاب وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري، للشيخ عبد العزيز السدحان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307940

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة