Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 143

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) (الأعراف) mp3
أَيْ فِي الْوَقْت الْمَوْعُود .



أَيْ أَسْمَعَهُ كَلَامه مِنْ غَيْر وَاسِطَة .


سَأَلَ النَّظَرَ إِلَيْهِ ; وَاشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ لَمَّا أَسْمَعَهُ كَلَامه .


أَيْ فِي الدُّنْيَا . وَلَا يَجُوز الْحَمْل عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ : أَرِنِي آيَة عَظِيمَة لِأَنْظُرَ إِلَى قُدْرَتك ; لِأَنَّهُ قَالَ " إِلَيْك " وَ " قَالَ لَنْ تَرَانِي " . وَلَوْ سَأَلَ آيَة لَأَعْطَاهُ اللَّه مَا سَأَلَ , كَمَا أَعْطَاهُ سَائِر الْآيَات . وَقَدْ كَانَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِيهَا مَقْنَع عَنْ طَلَب آيَة أُخْرَى ; فَبَطَلَ هَذَا التَّأْوِيل .


ضَرَبَ لَهُ مِثَالًا مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْ بِنْيَتِهِ وَأَثْبَتُ . أَيْ فَإِنْ ثَبَتَ الْجَبَل وَسَكَنَ فَسَوْفَ تَرَانِي , وَإِنْ لَمْ يَسْكُن فَإِنَّك لَا تُطِيق رُؤْيَتِي , كَمَا أَنَّ الْجَبَل لَا يُطِيق رُؤْيَتِي . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الطَّيِّب مَا مَعْنَاهُ : أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام رَأَى اللَّه فَلِذَلِكَ خَرَّ صَعِقًا , وَأَنَّ الْجَبَل رَأَى رَبّه فَصَارَ دَكًّا بِإِدْرَاكِ خَلْقه اللَّه لَهُ . وَاسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله : " وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي " . ثُمَّ قَالَ


وَتَجَلَّى مَعْنَاهُ ظَهَرَ ; مِنْ قَوْلك : جَلَوْت الْعَرُوس أَيْ أَبْرَزْتهَا . وَجَلَوْت السَّيْف أَبْرَزْته مِنْ الصَّدَإِ ; جِلَاء فِيهِمَا . وَتَجَلَّى الشَّيْء اِنْكَشَفَ . وَقِيلَ : تَجَلَّى أَمْره وَقُدْرَته ; قَالَهُ قُطْرُب وَغَيْره . وَقِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَأَهْل الْبَصْرَة " دَكًّا " ; يَدُلّ عَلَى صِحَّتِهَا " دُكَّتْ الْأَرْض دَكًّا " [ الْفَجْر : 21 ] وَأَنَّ الْجَبَل مُذَكَّر . وَقَرَأَ أَهْل الْكُوفَة " دَكَّاء " أَيْ جَعَلَهُ مِثْل أَرْض دَكَّاء , وَهِيَ النَّاتِئَة لَا تَبْلُغ أَنْ تَكُون جَبَلًا . وَالْمُذَكَّر أَدَكّ , وَجَمْع دَكَّاء دَكَّاوَات وَدُكٌّ ; مِثْل حَمْرَاوَات وَحُمْر . قَالَ الْكِسَائِيّ : الدُّكّ مِنْ الْجِبَال : الْعِرَاض , وَاحِدهَا أَدَكّ . غَيْره : وَالدَّكَّاوَات جَمْع دَكَّاء : رَوَابٍ مِنْ طِين لَيْسَتْ بِالْغِلَاظِ . وَالدِّكْدَاك كَذَلِكَ مِنْ الرَّمْل : مَا اِلْتَبَدَ بِالْأَرْضِ فَلَمْ يَرْتَفِع . وَنَاقَة دَكَّاء لَا سَنَام لَهَا . وَفِي التَّفْسِير : فَسَاخَ الْجَبَل فِي الْأَرْض ; فَهُوَ يَذْهَب فِيهَا حَتَّى الْآن . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : جَعَلَهُ تُرَابًا . عَطِيَّة الْعَوْفِيّ : رَمْلًا هَائِلًا . " وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا " أَيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة . وَقِيلَ : مَيِّتًا ; يُقَال : صَعِقَ الرَّجُل فَهُوَ صَعِق . وَصُعِقَ فَهُوَ مَصْعُوق . وَقَالَ قَتَادَة وَالْكَلْبِيّ : خَرَّ مُوسَى صَعِقًا يَوْم الْخَمِيس يَوْم عَرَفَة , وَأُعْطِيَ التَّوْرَاة يَوْم الْجُمْعَة يَوْم النَّحْر .


قَالَ مُجَاهِد : مِنْ مَسْأَلَة الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : سَأَلَ مِنْ غَيْر اِسْتِئْذَان ; فَلِذَلِكَ تَابَ . وَقِيلَ : قَالَهُ عَلَى جِهَة الْإِنَابَة إِلَى اللَّه وَالْخُشُوع لَهُ عِنْد ظُهُور الْآيَات . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَة مَا كَانَتْ عَنْ مَعْصِيَة ; فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ . وَأَيْضًا عِنْد أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة الرُّؤْيَة جَائِزَة . وَعِنْد الْمُبْتَدِعَة سَأَلَ لِأَجْلِ الْقَوْم لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهَا غَيْر جَائِزَة , وَهَذَا لَا يَقْتَضِي التَّوْبَة . فَقِيلَ : أَيْ تُبْت إِلَيْك مِنْ قَتْل الْقِبْطِيّ ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَنْعَام " بَيَان أَنَّ الرُّؤْيَة جَائِزَة . قَالَ عَلِيّ بْن مَهْدِيّ الطَّبَرِيّ : لَوْ كَانَ سُؤَال مُوسَى مُسْتَحِيلًا مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مَعَ مَعْرِفَته بِاَللَّهِ ; كَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُول لَهُ يَا رَبّ أَلَكَ صَاحِبَة وَوَلَد . وَسَيَأْتِي فِي " الْقِيَامَة " مَذْهَب الْمُعْتَزِلَة وَالرَّدّ عَلَيْهِمْ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .



قِيلَ : مِنْ قَوْمِي . وَقِيلَ : مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فِي هَذَا الْعَصْر . وَقِيلَ : بِأَنَّك لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا لِوَعْدِك السَّابِق , فِي ذَلِكَ . وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تُخَيِّرُوا بَيْن الْأَنْبِيَاء فَإِنَّ النَّاس يُصْعَقُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِم الْعَرْش فَلَا أَدْرِي أَصَعِقَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ حُوسِبَ بِصِفَتِهِ الْأُولَى ) . أَوْ قَالَ ( كَفَتْهُ صَعْقَته الْأُولَى ) . وَذَكَرَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ كَعْب قَالَ : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَسَمَ كَلَامه وَرُؤْيَته بَيْن مُحَمَّد وَمُوسَى صَلَّى اللَّه وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا ; فَكَلَّمَهُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ , وَرَآهُ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • منزلة العلماء

    منزلة العلماء: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن مما لا شك فيه أن منزلة العلماء بين الناس من ارفع المنازل قدرًا وأشرفها فضلاً، فقد ذكرهم الله تعالى في كثير من الآيات، وذكرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة، وقد صنف أهل العلم في هذا المبحث كثيرًا من المصنفات ما بين مختصر ومطوّل، فأحببت أن أجمع شيئًا مما تفرق من شتات كلماتهم لتقريب الفائدة».

    الناشر: دار المسلم للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345929

    التحميل:

  • إفادة المسئول عن ثلاثة الأصول

    ثلاثة الأصول وأدلتها : رسالة مختصرة ونفيسة تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله، وقد قام بشرحها فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح القصير - أثابه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/285588

    التحميل:

  • من محاسن الدين الإسلامي

    من محاسن الدين الإسلامي: بين الشيخ - رحمه الله - بعض محاسن الدين الإسلامي، وهذا الكتاب جزء من كتاب موارد الظمآن لدروس الزمان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2559

    التحميل:

  • ثلاثون سببًا للسعادة

    ثلاثون سببًا للسعادة: فهذه رسالة مختصرة سَطَّرَ بنات أفكارها القلم، وقضاهن في يومين بجوار بيت الله الحرام في مهبط الوحي، عصرت فيها عشرات الكتب في باب البحث عن السعادة، ولم أثقل عليك بالأسماء والأرقام والمراجع والنقولات؛ بل شذَّبتها وهذَّبتها جهدي، عسى الله أن ينفعني وإياك بها في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324356

    التحميل:

  • الفوز العظيم والخسران المبين في ضوء الكتاب والسنة

    الفوز العظيم والخسران المبين في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في بيان الفوز العظيم والخسران المبين، وهي مقارنة بين نعيم الجنة الذي من حصل عليه فقد فاز فوزًا عظيمًا، وعذاب النار الذي من عُذِّبَ به فقد خَسِرَ خسرانًا مبينًا. ذكرت فيها بإيجاز خمسة وعشرين مبحثًا للترغيب في دار السلام ونعيمها، والطريق الموصل إليها، جعلنا الله من أهلها، والترهيب والتخويف والإنذار من دار البوار وعذابها والطرق الموصلة إليها نعوذ بالله منها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193647

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة