Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الأعراف - الآية 57

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) (الأعراف) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح بُشْرًا بَيْن يَدَيْ رَحْمَته حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّت فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلّ الثَّمَرَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ " هُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح نَشْرًا بَيْن يَدَيْ رَحْمَته " . وَالنَّشْر بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الشِّين فِي كَلَام الْعَرَب مِنْ الرِّيَاح الطَّيِّبَة اللَّيِّنَة الْهُبُوب الَّتِي تُنْشِئ السَّحَاب , وَكَذَلِكَ كُلّ رِيح طَيِّبَة عِنْدهمْ فَهِيَ نَشْر ; وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيس : كَأَنَّ الْمُدَام وَصَوْب الْغَمَام وَرِيح الْخُزَامَى وَنَشْر الْقُطُر وَبِهَذِهِ الْقِرَاءَة قَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ خَلَا عَاصِم بْن أَبِي النَّجُود , فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : { بُشْرًا } عَلَى اِخْتِلَاف عَنْهُ فِيهِ , فَرَوَى ذَلِكَ بَعْضهمْ عَنْهُ : { بُشْرًا } بِالْبَاءِ وَضَمّهَا وَسُكُون الشِّين , وَبَعْضهمْ بِالْبَاءِ وَضَمّهَا وَضَمّ الشِّين , وَكَانَ يَتَأَوَّل فِي قِرَاءَته ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْله : { وَمِنْ آيَاته أَنْ يُرْسِل الرِّيَاح مُبَشِّرَات } 30 46 تُبَشِّر بِالْمَطَرِ , وَأَنَّهُ جُمِعَ بَشِير بُشُرًا , كَمَا يُجْمَع النَّذِير نُذُرًا . وَأَمَّا قُرَّاء الْمَدِينَة وَعَامَّة الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ , فَإِنَّهُمْ قَرَءُوا ذَلِكَ : " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح نُشُرًا " بِضَمِّ النُّون وَالشِّين , بِمَعْنَى جَمْع نَشُور جَمْع نُشُرًا , كَمَا يُجْمَع الصَّبُور صُبُرًا , وَالشَّكُور شُكُرًا. وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب يَقُول : مَعْنَاهَا إِذَا قُرِئَتْ كَذَلِكَ أَنَّهَا الرِّيح الَّتِي تَهُبّ مِنْ كُلّ نَاحِيَة وَتَجِيء مِنْ كُلّ وَجْه. وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : إِذَا قُرِئَتْ بِضَمِّ النُّون فَيَنْبَغِي أَنْ تُسَكَّن شِينُهَا , لِأَنَّ ذَلِكَ لُغَة بِمَعْنَى النَّشْر بِالْفَتْحِ ; وَقَالَ : الْعَرَب تَضُمّ النُّون مِنْ النَّشْر أَحْيَانًا , وَتَفْتَح أَحْيَانًا بِمَعْنًى وَاحِد . قَالَ : فَاخْتِلَاف الْقُرَّاء فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْر اِخْتِلَافهَا فِي لُغَتهَا فِيهِ . وَكَانَ يَقُول : هُوَ نَظِير الْخَسْف وَالْخُسْف بِفَتْحِ الْخَاء وَضَمّهَا. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ " نَشْرًا " و " نُشُرًا " بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الشِّين وَبِضَمِّ النُّون وَالشِّين قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , فَلَا أُحِبّ الْقِرَاءَة بِهَا , وَإِنْ كَانَ لَهَا مَعْنًى صَحِيح وَوَجْه مَفْهُوم فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَاب كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَّة. وَأَمَّا قَوْله : { بَيْن يَدَيْ رَحْمَته } فَإِنَّهُ يَقُول : قُدَّام رَحْمَته وَأَمَامهَا ; وَالْعَرَب كَذَلِكَ تَقُول لِكُلِّ شَيْء حَدَثَ قُدَّام شَيْء وَأَمَامه جَاءَ بَيْن يَدَيْهِ , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامهمْ جَرَى فِي أَخْبَارهمْ عَنْ بَنِي آدَم , وَكَثُرَ اِسْتِعْمَاله فِيهِمْ حَتَّى قَالُوا ذَلِكَ فِي غَيْر اِبْن آدَم وَمَا لَا يَد لَهُ . وَالرَّحْمَة الَّتِي ذَكَرَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع الْمَطَر . فَمَعْنَى الْكَلَام إِذَنْ : وَاَللَّه الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح لَيِّنًا هُبُوبهَا , طَيِّبًا نَسِيمهَا , أَمَام غَيْثه الَّذِي يَسُوقهُ بِهَا إِلَى خَلْقه , فَيُنْشِئ بِهَا سَحَابًا ثِقَالًا , حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْهَا , وَالْإِقْلَال بِهَا : حَمْلهَا , كَمَا يُقَال : اِسْتَقَلَّ الْبَعِير بِحِمْلِهِ وَأَقَلَّهُ : إِذَا حَمَلَهُ فَقَامَ بِهِ . سَاقَهُ اللَّه لِإِحْيَاءِ بَلَد مَيِّت قَدْ تَعَفَّتْ مَزَارِعه وَدَرَسَتْ مَشَارِبه وَأَجْدَبَ أَهْله , فَأَنْزَلَ بِهِ الْمَطَر وَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ كُلّ الثَّمَرَات . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11473 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح نُشْرًا بَيْن يَدَيْ رَحْمَته " إِلَى قَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } قَالَ : إِنَّ اللَّه يُرْسِل الرِّيح , فَتَأْتِي بِالسَّحَابِ مِنْ بَيْن الْخَافِقَيْنِ طَرَف السَّمَاء وَالْأَرْض مِنْ حَيْثُ يَلْتَقِيَانِ , فَيُخْرِجهُ مِنْ ثَمَّ , ثُمَّ يَنْشُرهُ فَيَبْسُطهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء , ثُمَّ يَفْتَح أَبْوَاب السَّمَاء , فَيَسِيل الْمَاء عَلَى السَّحَاب , ثُمَّ يُمْطِر السَّحَاب بَعْد ذَلِكَ . وَأَمَّا رَحْمَته : فَهُوَ الْمَطَر .

وَأَمَّا قَوْله : { كَذَلِكَ نُخْرِج الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فَإِنَّهُ يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا نُحْيِي هَذَا الْبَلَد الْمَيِّت بِمَا نُنَزِّل بِهِ مِنْ الْمَاء الَّذِي نُنَزِّلهُ مِنْ السَّحَاب , فَنُخْرِج بِهِ مِنْ الثَّمَرَات بَعْد مَوْته وَجُدُوبَته وَقُحُوط أَهْله , كَذَلِكَ نُخْرِج الْمَوْتَى مِنْ قُبُورهمْ أَحْيَاء بَعْد فَنَائِهِمْ وَدُرُوس آثَارهمْ . { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ عَبَدَة الْأَصْنَام , الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات , الْمُنْكِرِينَ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَاب : ضَرَبْت لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم هَذَا الْمَثَل الَّذِي ذَكَرْت لَكُمْ مِنْ إِحْيَاء الْبَلَد الْمَيِّت بِقَطْرِ الْمَطَر الَّذِي يَأْتِي بِهِ السَّحَاب , الَّذِي تَنْشُرهُ الرِّيَاح الَّتِي وَصَفْت صِفَتهَا ; لِتَعْتَبِرُوا فَتَذَّكَّرُوا وَتَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قُدْرَته فَيَسِير فِي إِحْيَاء الْمَوْتَى بَعْد فَنَائِهَا وَإِعَادَتهَا خَلْقًا سَوِيًّا بَعْد دُرُوسهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11474 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { كَذَلِكَ نُخْرِج الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ , وَكَذَلِكَ النُّشُور , كَمَا نُخْرِج الزَّرْع بِالْمَاءِ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : " إِنَّ النَّاس إِذَا مَاتُوا فِي النَّفْخَة الْأُولَى أُمْطِر عَلَيْهِمْ مِنْ مَاء تَحْت الْعَرْش يُدْعَى مَاء الْحَيَوَان أَرْبَعِينَ سَنَة فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُت الزَّرْع مِنْ الْمَاء , حَتَّى إِذَا اِسْتَكْمَلَتْ أَجْسَامهمْ نُفِخَ فِيهِمْ الرُّوح , ثُمَّ يُلْقَى عَلَيْهِمْ نَوْمَة , فَيَنَامُونَ فِي قُبُورهمْ , فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّور الثَّانِيَة , عَاشُوا وَهُمْ يَجِدُونَ طَعْم النَّوْم فِي رُءُوسهمْ وَأَعْيُنهمْ , كَمَا يَجِد النَّائِم حِين يَسْتَيْقِظ مِنْ نَوْمه , فَعِنْد ذَلِكَ يَقُولُونَ : { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } فَنَادَاهُمْ الْمُنَادِي { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } 36 52 " 11475 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { كَذَلِكَ نُخْرِج الْمَوْتَى } قَالَ : إِذَا أَرَادَ اللَّه أَنْ يُخْرِج الْمَوْتَى أَمْطَرَ السَّمَاء حَتَّى تَتَشَقَّق عَنْهُمْ الْأَرْض , ثُمَّ يُرْسِل الْأَرْوَاح فَتَعُود كُلّ رُوح إِلَى جَسَدهَا , فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّه الْمَوْتَى بِالْعِطْرِ كَإِحْيَائِهِ الْأَرْض .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • معرفة الله

    معرفة الله: من هو الله؟ أصل الكلمة: لفظ اسم [الله] - جل جلاله - أصلها عربي، استعملها العرب قبل الإسلام والله جل جلاله الإله الأعلى لا شريك له الذي آمن به العرب في فترة الجاهلية قبل الإسلام لكن بعضهم عبد معه آلهة أخرى وآخرون أشركوا الأصنام في عبادته.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/370722

    التحميل:

  • نبذة نفيسة عن حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    نبذة نفيسة عن حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: بناءً على النصيحة للمسلمين، وحباً في شريعة سيد المرسلين وصيانة لتوحيد رب العالمين، ودفاعاً عن شيخ الإسلام أخرجت هذه الرسالة رجاء أن تكون أداة إنقاذ من ظلمات الجهالة، وأن تنور بصائر وأبصار القارئين ليعرفوا حقيقة دعوة الإمام، ولا تروج عليهم دعاية أهل الضلال.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2086

    التحميل:

  • الطريق إلى الإمتياز

    الطريق إلى الإمتياز : فإن الطريق إلى الامتياز في النجاح الدراسي هو منهج له أسس وقواعد قاسمها المشترك دائمًا هو الجد والاجتهاد والطموح والمثابرة. وبقليل من التنظيم الحازم، وكثير من الجد المتواصل يستطيع الطالب – أي طالب – أن ينال مراده ويظفر بمبتغاه. فما هو الطريق إلى نيل الامتياز؟ ....

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265569

    التحميل:

  • الضلالة بعد الهدى أسبابها وعلاجها

    هذا الكتاب الذي بين يديك عبارة عن مجموعة كلمات جامعة ومواعظ نافعة تتعلق بأسباب الضلالة وموجباتها، ويتخلل ذلك أحيانا نوع من التوسع قليلا في بعض مستلزمات الموضوع كأضرار المعاصي ثم يعقب ذلك فصل مستقل عن أسباب المغفرة وقد أطال المؤلف رحمه الله تعالى النفس فيه، لأهميته وقبل الخاتمة أورد رحمه الله تعالى كلاما لأحد أهل العلم عن حلاوة الإيمان نظرا لأهمية هذا الجانب في الكلام عن مسألة الضلالة والهدى.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335006

    التحميل:

  • الرحمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

    الرحمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: هذا البحث الذي بين أيدينا يتناول موضوعًا من أهم الموضوعات التي نحتاج إليها في زماننا هذا، بل وفي كل الأزمنة، فالرحمة خُلُق أساس في سعادة الأمم، وفي استقرار النفوس، وفي أمان الدنيا، فإذا كان الموضوع خاصًا بالرحمة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يكتسب أهمية خاصة، وذلك لكون البحث يناقش أرقى وأعلى مستوى في الرحمة عرفته البشرية، وهي الرحمة التي جعلها الله - عز وجل - مقياسًا للناس.

    الناشر: موقع البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة http://www.mercyprophet.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346603

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة