Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الأعراف - الآية 143

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) (الأعراف) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْل تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبّه قَالَ رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِلْوَقْتِ الَّذِي وَعَدْنَا أَنْ يَلْقَانَا فِيهِ , وَكَلَّمَهُ رَبّه وَنَاجَاهُ , قَالَ مُوسَى لِرَبِّهِ : { أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك } قَالَ اللَّه لَهُ مُجِيبًا : { لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل } وَكَانَ سَبَب مَسْأَلَة مُوسَى رَبّه النَّظَر إِلَيْهِ , مَا : 11704 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا كَلَّمَهُ رَبّه أَحَبَّ أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِ , { قَالَ رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي } فَحُفَّ حَوْل الْجَبَل , وَحُفَّ حَوْل الْمَلَائِكَة بِنَارٍ , وَحُفَّ حَوْل النَّار بِمَلَائِكَةٍ , وَحُفَّ حَوْل الْمَلَائِكَة بِنَارٍ , ثُمَّ تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ . 11705 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } 19 52 قَالَ : ثني مَنْ لَقِيَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَّبَهُ الرَّبّ حَتَّى سَمِعَ صَرِيف الْقَلَم , فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ مِنْ الشَّوْق إِلَيْهِ : { رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل } 11706 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثني الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ , قَالَ : لَمَّا تَخَلَّفَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بَعْد الثَّلَاثِينَ , حَتَّى سَمِعَ كَلَام اللَّه اِشْتَاقَ إِلَى النَّظَر إِلَيْهِ , فَقَالَ : { رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي } وَلَيْسَ لِبَشَرٍ أَنْ يُطِيق أَنْ يَنْظُر إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا , مَنْ نَظَرَ إِلَيَّ مَاتَ . قَالَ : إِلَهِي سَمِعْت مَنْطِقك وَاشْتَقْت إِلَى النَّظَر إِلَيْك , وَلَأَنْ أَنْظُر إِلَيْك ثُمَّ أَمُوت أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعِيش وَلَا أَرَاك ! قَالَ : فَانْظُرْ إِلَى الْجَبَل , فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي . 11707 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك } قَالَ : أَعْطِنِي . 11708 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : اِسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُون عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل , وَقَالَ : إِنِّي مُتَعَجِّل إِلَى رَبِّي , فَاخْلُفْنِي فِي قَوْمِي , وَلَا تَتَّبِع سَبِيل الْمُفْسِدِينَ ! فَخَرَجَ مُوسَى إِلَى رَبّه مُتَعَجِّلًا لِلُقِيِّهِ شَوْقًا إِلَيْهِ , وَأَقَامَ هَارُون فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَمَعَهُ السَّامِرِيّ يَسِير بِهِمْ عَلَى أَثَر مُوسَى لِيَلْحَقهُمْ بِهِ . فَلَمَّا كَلَّمَ اللَّه مُوسَى , طَمِعَ فِي رُؤْيَته , فَسَأَلَ رَبّه أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِ , فَقَالَ اللَّه لِمُوسَى : { إِنَّك لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي } الْآيَة : قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَهَذَا مَا وَصَلَ إِلَيْنَا فِي كِتَاب اللَّه عَنْ خَبَر مُوسَى لَمَّا طَلَب النَّظَر إِلَى رَبّه . وَأَهْل الْكِتَاب يَزْعُمُونَ وَأَهْل التَّوْرَاة , أَنْ قَدْ كَانَ لِذَلِكَ تَفْسِير وَقِصَّة وَأُمُور كَثِيرَة وَمُرَاجَعَة لَمْ تَأْتِنَا فِي كِتَاب اللَّه , وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم الْأُوَل بِأَحَادِيث أَهْل الْكِتَاب : إِنَّهُمْ يَجِدُونَ فِي تَفْسِير مَا عِنْدهمْ مِنْ خَبَر مُوسَى حِين طَلَبَ ذَلِكَ إِلَى رَبّه أَنَّهُ كَانَ مِنْ كَلَامه إِيَّاهُ حِين طَمِعَ فِي رُؤْيَته , وَطَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ , وَرَدَّ عَلَيْهِ بِهِ مِنْهُ مَا رَدَّ , أَنَّ مُوسَى كَانَ تَطَهَّرَ وَطَهَّرَ ثِيَابه وَصَامَ لِلِقَاءِ رَبّه ; فَلَمَّا أَتَى طُور سِينَا , وَدَنَا اللَّه لَهُ فِي الْغَمَام فَكَلَّمَهُ , سَبَّحَهُ وَحَمِدَهُ وَكَبَّرَهُ وَقَدَّسَهُ , مَعَ تَضَرُّع وَبُكَاء حَزِين , ثُمَّ أَخَذَ فِي مِدْحَته , فَقَالَ : رَبّ مَا أَعْظَمك وَأَعْظَم شَأْنك كُلّه , مِنْ عَظَمَتك أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْء مِنْ قَبْلك , فَأَنْتَ الْوَاحِد الْقَهَّار , كَانَ عَرْشك تَحْت عَظَمَتك نَار تُوقَد لَك , وَجَعَلْت سُرَادِق مِنْ دُونه سُرَادِق مِنْ نُور , فَمَا أَعْظَمك رَبّ , وَأَعْظَم مُلْكك , جَعَلْت بَيْنك وَبَيْن مَلَائِكَتك مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , فَمَا أَعْظَمك رَبّ وَأَعْظَم مُلْكك فِي سُلْطَانك , فَإِذَا أَرَدْت شَيْئًا تَقْضِيه فِي جُنُودك الَّذِينَ فِي السَّمَاء , أَوْ الَّذِينَ فِي الْأَرْض , وَجُنُودك الَّذِينَ فِي الْبَحْر , بَعَثْت الرِّيح مِنْ عِنْدك لَا يَرَاهَا شَيْء مِنْ خَلْقك إِلَّا أَنْتَ إِنْ شِئْت , فَدَخَلَتْ فِي جَوْف مَنْ شِئْت مِنْ أَنْبِيَائِك , فَبَلَّغُوا لِمَا أَرَدْت مِنْ عِبَادك , وَلَيْسَ أَحَد مِنْ مَلَائِكَتك يَسْتَطِيع شَيْئًا مِنْ عَظَمَتك , وَلَا مِنْ عَرْشك , وَلَا يَسْمَع صَوْتك , فَقَدْ أَنْعَمْت عَلَيَّ , وَأَعْظَمْت عَلَيَّ فِي الْفَضْل , وَأَحْسَنْت إِلَيَّ كُلّ الْإِحْسَان , عَظَّمْتنِي فِي أُمَم الْأَرْض , وَعَظَّمْتنِي عِنْد مَلَائِكَتك , وَأَسْمَعْتنِي صَوْتك , وَبَذَلْت لِي كَلَامك , وَآتَيْتنِي حِكْمَتك , فَإِنْ أَعُدّ نَعمَاك لَا أُحْصِيهَا , وَإِنْ أَرَدْت شُكْرك لَا أَسْتَطِيعهَا . دَعَوْتُك رَبّ عَلَى فِرْعَوْن بِالْآيَاتِ الْعِظَام , وَالْعُقُوبَة الشَّدِيدَة , فَضَرَبْت بِعَصَايَ الَّتِي فِي يَدِي الْبَحْر , فَانْفَلَقَ لِي وَلِمَنْ مَعِي , وَدَعَوْتُك حِين جُزْت الْبَحْر , فَأَغْرَقْت عَدُوّك وَعَدُوِّي , وَسَأَلْتُك الْمَاء لِي وَلِأُمَّتِي , فَضَرَبْت بِعَصَايَ الَّتِي فِي يَدِي الْحَجَر , فَمِنْهُ أَرْوَيْتنِي وَأُمَّتِي , وَسَأَلْتُك لِأُمَّتِي طَعَامًا لَمْ يَأْكُلهُ أَحَد كَانَ قَبْلهمْ , فَأَمَرْتنِي أَنْ أَدْعُوك مِنْ قِبَل الْمَشْرِق , وَمِنْ قِبَل الْمَغْرِب . فَنَادَيْتُك مِنْ شَرْقِيّ أُمَّتِي , فَأَعْطَيْتهمْ الْمَنّ مِنْ مَشْرِقِي لِنَفْسِي , وَآتَيْتهمْ السَّلْوَى مِنْ غَرْبِيّهمْ مِنْ قِبَل الْبَحْر , وَاشْتَكَيْت الْحَرّ فَنَادَيْتُك , فَظَلَّلْت عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ , فَمَا أُطِيق نَعْمَاك عَلَيَّ أَنْ أَعُدّهَا وَلَا أُحْصِيهَا , وَإِنْ أَرَدْت شُكْرهَا لَا أَسْتَطِيعهَا . فَجِئْتُك الْيَوْم رَاغِبًا طَالِبًا سَائِلًا مُتَضَرِّعًا , لِتُعْطِيَنِي مَا مَنَعْت غَيْرِي , أَطْلُب إِلَيْك وَأَسَالك يَا ذَا الْعَظَمَة وَالْعِزَّة وَالسُّلْطَان أَنْ تُرِينِي أَنْظُر إِلَيْك , فَإِنِّي قَدْ أَحْبَبْت أَنْ أَرَى وَجْهك الَّذِي لَمْ يَرَهُ شَيْء مِنْ خَلْقك . قَالَ لَهُ رَبّ الْعِزَّة : فَلَا تَرَى يَا اِبْن عِمْرَان مَا تَقُول ؟ تَكَلَّمْت بِكَلَامٍ هُوَ أَعْظَم مِنْ سَائِر الْخَلْق , لَا يَرَانِي أَحَد فَيَحْيَا , أَلَيْسَ فِي السَّمَاوَات مَعْمَرِي , فَإِنَّهُنَّ قَدْ ضَعُفْنَ أَنْ يَحْمِلْنَ عَظَمَتِي , وَلَيْسَ فِي الْأَرْض مَعْمَرِي , فَإِنَّهَا قَدْ ضَعُفَتْ أَنْ تَسَع بِجُنْدِي , فَلَسْت فِي مَكَان وَاحِد فَأَتَجَلَّى لِعَيْنٍ تَنْظُر إِلَيَّ . قَالَ مُوسَى : يَا رَبّ أَنْ أَرَاك وَأَمُوت , أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ لَا أَرَاك وَلَا أَحْيَا , قَالَ لَهُ رَبّ الْعِزَّة : يَا اِبْن عِمْرَان تَكَلَّمْت بِكَلَامٍ هُوَ أَعْظَم مِنْ سَائِر الْخَلْق , لَا يَرَانِي أَحَد فَيَحْيَا . قَالَ : رَبّ تَمِّمْ عَلَيَّ نَعْمَاك , وَتَمِّمْ عَلَيَّ فَضْلك , وَتَمِّمْ عَلَيَّ إِحْسَانك هَذَا الَّذِي سَأَلْتُك ! لَيْسَ لِي أَنْ أَرَاك فَأُقْبَض , وَلَكِنْ أُحِبّ أَنْ أَرَاك فَيَطْمَئِنّ قَلْبِي. قَالَ لَهُ : يَا اِبْن عِمْرَان لَنْ يَرَانِي أَحَد فَيَحْيَا . قَالَ : مُوسَى رَبّ تَمِّمْ عَلَيَّ نَعْمَاك وَفَضْلك , وَتَمِّمْ عَلَيَّ إِحْسَانك هَذَا الَّذِي سَأَلْتُك ! لَيْسَ لِي أَنْ أَرَاك فَأَمُوت عَلَى أَثَر ذَلِكَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الْحَيَاة , فَقَالَ الرَّحْمَن الْمُتَرَحِّم عَلَى خَلْقه : قَدْ طَلَبْت يَا مُوسَى , وَأَعْطَيْتُك سُؤْلك إِنْ اِسْتَطَعْت أَنْ تَنْظُر إِلَيَّ , فَاذْهَبْ فَاتَّخِذْ لَوْحَيْنِ , ثُمَّ اُنْظُرْ إِلَى الْحَجَر الْأَكْبَر فِي رَأْس الْجَبَل , فَإِنَّ مَا وَرَاءَهُ وَمَا دُونه مَضِيق لَا يَسَع إِلَّا مَجْلِسك يَا اِبْن عِمْرَان , ثُمَّ اُنْظُرْ فَإِنِّي أَهْبِط إِلَيْك وَجُنُودِي مِنْ قَلِيل وَكَثِير . فَفَعَلَ مُوسَى كَمَا أَمَرَهُ رَبّه , نَحَتَ لَوْحَيْنِ ثُمَّ صَعِدَ بِهِمَا إِلَى الْجَبَل , فَجَلَسَ عَلَى الْحَجَر : فَلَمَّا اِسْتَوَى عَلَيْهِ , أَمَرَ اللَّه جُنُوده الَّذِينَ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا , فَقَالَ : ضَعِي أَكْنَافك حَوْل الْجَبَل , فَسَمِعَتْ مَا قَالَ الرَّبّ فَفَعَلَتْ أَمْره , ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّه الصَّوَاعِق وَالظُّلْمَة وَالضَّبَاب عَلَى مَا كَانَ يَلِي الْجَبَل الَّذِي يَلِي مُوسَى أَرْبَعَة فَرَاسِخ مِنْ كُلّ نَاحِيَة , ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة الدُّنْيَا أَنْ يَمُرُّوا بِمُوسَى , فَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ , فَمَرُّوا بِهِ طَيَرَان النُّغَر تَنْبُع أَفْوَاههمْ بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيح بِأَصْوَاتِ عَظِيمَة كَصَوْتِ الرَّعْد الشَّدِيد , فَقَالَ مُوسَى بْن عِمْرَان عَلَيْهِ السَّلَام : رَبّ إِنِّي كُنْت عَنْ هَذَا غَنِيًّا , مَا تَرَى عَيْنَايَ شَيْئًا قَدْ ذَهَبَ بَصَرهمَا مِنْ شُعَاع النُّور الْمُتَصَفِّف عَلَى مَلَائِكَة رَبِّي . ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة السَّمَاء الثَّانِيَة أَنْ اِهْبِطُوا عَلَى مُوسَى , فَاعْتَرِضُوا عَلَيْهِ , فَهَبَطُوا أَمْثَال الْأُسْد , لَهُمْ لَجَب بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيس , فَفَزِعَ الْعَبْد الضَّعِيف اِبْن عِمْرَان مِمَّا رَأَى وَمِمَّا سَمِعَ , فَاقْشَعَرَّتْ كُلّ شَعْرَة فِي رَأْسه وَجِلْده , ثُمَّ قَالَ : نَدِمْت عَلَى مَسْأَلَتِي إِيَّاكَ , فَهَلْ يُنْجِينِي مِنْ مَكَانِي الَّذِي أَنَا فِيهِ شَيْء ؟ فَقَالَ لَهُ خَيْر الْمَلَائِكَة وَرَأْسهمْ : يَا مُوسَى اِصْبِرْ لِمَا سَأَلْت , فَقَلِيل مِنْ كَثِير مَا رَأَيْت ! ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة السَّمَاء الثَّالِثَة أَنْ اِهْبِطُوا عَلَى مُوسَى , فَاعْتَرِضُوا عَلَيْهِ , فَأَقْبَلُوا أَمْثَال النُّسُور لَهُمْ قَصْف وَرَجْف وَلَجَب شَدِيد , وَأَفْوَاههمْ تَنْبُع بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيس كَلَجَبِ الْجَيْش الْعَظِيم أَوْ كَلَهَبِ النَّار , فَفَزِعَ مُوسَى , وَأَيِسَتْ نَفْسه , وَأَسَاءَ ظَنَّهُ , وَأَيِسَ مِنْ الْحَيَاة , فَقَالَ لَهُ خَيْر الْمَلَائِكَة وَرَأْسهمْ : مَكَانك يَا اِبْن عِمْرَان , حَتَّى تَرَى مَا لَا تَصْبِر عَلَيْهِ ؟ ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة السَّمَاء الرَّابِعَة أَنْ اِهْبِطُوا فَاعْتَرِضُوا عَلَى مُوسَى بْن عِمْرَان . فَأَقْبَلُوا وَهَبَطُوا عَلَيْهِ لَا يُشْبِههُمْ شَيْء مِنْ الَّذِينَ مَرُّوا بِهِ قَبْلهمْ , أَلْوَانهمْ كَلَهَبِ النَّار , وَسَائِر خَلْقهمْ كَالثَّلْجِ الْأَبْيَض , أَصْوَاتهمْ عَالِيَة بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيس , لَا يُقَارِبهُمْ شَيْء مِنْ أَصْوَات الَّذِينَ مَرُّوا بِهِ قَبْلهمْ . فَاصْطَكَّتْ رُكْبَتَاهُ , وَأَرْعَدَ قَلْبه , وَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ , فَقَالَ خَيْر الْمَلَائِكَة وَرَأْسهمْ : يَا اِبْن عِمْرَان اِصْبِرْ لِمَا سَأَلْت , فَقَلِيل مِنْ كَثِير مَا رَأَيْت ! ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة السَّمَاء الْخَامِسَة أَنْ اِهْبِطُوا فَاعْتَرِضُوا عَلَى مُوسَى , فَهَبَطُوا عَلَيْهِ سَبْعَة أَلْوَان , فَلَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى أَنْ يُتْبِعهُمْ طَرْفه , وَلَمْ يَرَ مِثْلهمْ وَلَمْ يَسْمَع مِثْل أَصْوَاتهمْ , وَامْتَلَأَ جَوْفه خَوْفًا , وَاشْتَدَّ حُزْنه , وَكَثُرَ بُكَاؤُهُ , فَقَالَ لَهُ خَيْر الْمَلَائِكَة وَرَأْسهمْ : يَا اِبْن عِمْرَان مَكَانك حَتَّى تَرَى مَا لَا تَصْبِر عَلَيْهِ ! ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة السَّمَاء السَّادِسَة أَنْ اِهْبِطُوا عَلَى عَبْدِي الَّذِي طَلَبَ أَنْ يَرَانِي مُوسَى بْن عِمْرَان وَاعْتَرِضُوا عَلَيْهِ . فَهَبَطُوا عَلَيْهِ فِي يَد كُلّ مَلَك مِثْل النَّخْلَة الطَّوِيلَة نَارًا أَشَدّ ضَوْءًا مِنْ الشَّمْس , وَلِبَاسهمْ كَلَهَبِ النَّار , إِذَا سَبَّحُوا وَقَدَّسُوا جَاوَبَهُمْ مَنْ كَانَ قِبَلهمْ مِنْ مَلَائِكَة السَّمَاوَات كُلّهمْ , يَقُولُونَ بِشِدَّةِ أَصْوَاتهمْ : سُبُّوح قُدُّوس رَبّ الْعِزَّة أَبَدًا لَا يَمُوت , فِي رَأْس كُلّ مَلَك مِنْهُمْ أَرْبَعَة أَوْجُه. فَلَمَّا رَآهُمْ مُوسَى رَفَعَ صَوْته يُسَبِّح مَعَهُمْ حِين سَبَّحُوا , وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُول : رَبّ اُذْكُرْنِي , وَلَا تَنْسَ عَبْدك ! لَا أَدْرِي أَنْقَلِب مِمَّا أَنَا فِيهِ أَمْ لَا ؟ إِنْ خَرَجْت أُحْرِقْت , وَإِنْ مَكَثْت مُتّ . فَقَالَ لَهُ كَبِير الْمَلَائِكَة وَرَئِيسهمْ : قَدْ أَوْشَكْت يَا اِبْن عِمْرَان أَنْ يَمْتَلِئ جَوْفك , وَيَنْخَلِع قَلْبك , وَيَشْتَدّ بُكَاؤُك فَاصْبِرْ لِلَّذِي جَلَسْت لِتَنْظُر إِلَيْهِ يَا اِبْن عِمْرَان وَكَانَ جَبَل مُوسَى جَبَلًا عَظِيمًا , فَأَمَرَ اللَّه أَنْ يُحْمَل عَرْشه , ثُمَّ قَالَ : مُرُّوا بِي عَلَى عَبْدِي لِيَرَانِي , فَقَلِيل مِنْ كَثِير مَا رَأَى ! فَانْفَرَجَ الْجَبَل مِنْ عَظَمَة الرَّبّ , وَغَشِيَ ضَوْء عَرْش الرَّحْمَن جَبَل مُوسَى , وَرَفَعَتْ مَلَائِكَة السَّمَاوَات أَصْوَاتهَا جَمِيعًا , فَارْتَجَّ الْجَبَل فَانْدَكَّ , وَكُلّ شَجَرَة كَانَتْ فِيهِ , وَخَرَّ الْعَبْد الضَّعِيف مُوسَى بْن عِمْرَان صَعِقًا عَلَى وَجْهه لَيْسَ مَعَهُ رُوحه , فَأَرْسَلَ اللَّه الْحَيَاة بِرَحْمَتِهِ , فَتَغَشَّاهُ بِرَحْمَتِهِ وَقَلَبَ الْحَجَر الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ كَالْمَعِدَةِ , كَهَيْئَةِ الْقُبَّة لِئَلَّا يَحْتَرِق مُوسَى , فَأَقَامَهُ الرُّوح مِثْل الْأُمّ أَقَامَتْ جَنِينهَا حِين يُصْرَع , قَالَ : فَقَامَ مُوسَى يُسَبِّح اللَّه وَيَقُول : آمَنْت أَنَّك رَبِّي , وَصَدَّقْت أَنَّهُ لَا يَرَاك أَحَد فَيَحْيَا , وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مَلَائِكَتك اِنْخَلَعَ قَلْبه , فَمَا أَعْظَمك رَبّ وَأَعْظَم مَلَائِكَتك , أَنْتَ رَبّ الْأَرْبَاب وَإِلَه الْآلِهَة وَمَلِك الْمُلُوك , تَأْمُر الْجُنُود الَّذِينَ عِنْدك فَيُطِيعُونَك , وَتَأْمُر السَّمَاء وَمَا فِيهَا فَتُطِيعك , لَا تَسْتَنْكِف مِنْ ذَلِكَ , وَلَا يَعْدِلك شَيْء وَلَا يَقُوم لَك شَيْء , رَبّ تُبْت إِلَيْك , الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي لَا شَرِيك لَهُ , مَا أَعْظَمك وَأَجَلّك رَبّ الْعَالَمِينَ !

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا اِطَّلَعَ الرَّبّ لِلْجَبَلِ جَعَلَ اللَّه الْجَبَل دَكًّا : أَيْ مُسْتَوِيًا بِالْأَرْضِ . { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } أَيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 11709 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْل اللَّه : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } قَالَ : مَا تَجَلَّى مِنْهُ إِلَّا قَدْر الْخِنْصَر . { جَعَلَهُ دَكًّا } قَالَ : تُرَابًا . { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } قَالَ : مَغْشِيًّا عَلَيْهِ . 11710 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : تَجَلَّى مِنْهُ مِثْل الْخِنْصَر , فَجَعَلَ الْجَبَل دَكًّا , وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا , فَلَمْ يَزَلْ صَعِقًا مَا شَاءَ اللَّه . 11711 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } قَالَ : مَغْشِيًّا عَلَيْهِ . 11712 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } : أَيْ مَيِّتًا . 11713 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } : أَيْ مَيِّتًا . 11714 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { دَكًّا } قَالَ : دَكَّ بَعْضه بَعْضًا . 11715 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : سَمِعْت سُفْيَان يَقُول فِي قَوْله : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } قَالَ : سَاخَ الْجَبَل فِي الْأَرْض حَتَّى وَقَعَ فِي الْبَحْر , فَهُوَ يَذْهَب مَعَهُ . 11716 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } : اِنْقَعَرَ فَدَخَلَ تَحْت الْأَرْض فَلَا يَظْهَر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . 11717 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سُهَيْل الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثنا قُرَّة بْن عِيسَى , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ رَجُل , عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " لَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ أَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ فَجَعَلَهُ دَكًّا " . وَأَرَانَا أَبُو إِسْمَاعِيل بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَة . 11718 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ ثَابِت , عَنْ أَنَس : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } قَالَ : " هَكَذَا " بِأُصْبُعِهِ ; وَوَضَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِبْهَام عَلَى الْمُفَصَّل الْأَعْلَى مِنْ الْخِنْصَر , " فَسَاخَ الْجَبَل ". 11719 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا هُدْبَة بْن خَالِد , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ ثَابِت , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , قَالَ : قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } قَالَ : وَضَعَ الْإِبْهَام قَرِيبًا مِنْ طَرَف خِنْصَره , قَالَ : " فَسَاخَ الْجَبَل " فَقَالَ حُمَيْد لِثَابِتٍ : تَقُول هَذَا ؟ قَالَ : فَرَفَعَ ثَابِت يَده فَضَرَبَ صَدْر حُمَيْد , وَقَالَ : يَقُولهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولهُ أَنَس وَأَنَا أَكْتُمهُ ! 11720 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } وَذَلِكَ أَنَّ الْجَبَل حِين كُشِفَ الْغِطَاء وَرَأَى النُّور صَارَ مِثْل دَكّ مِنْ الدَّكَّات . 11721 - حَدَّثَنَا الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبّه قَالَ رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه } فَإِنَّهُ أَكْبَر مِنْك وَأَشَدّ خَلْقًا. { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ } فَنَظَرَ إِلَى الْجَبَل لَا يَتَمَالَك , وَأَقْبَلَ الْجَبَل يَنْدَكّ عَلَى أَوَّله ; فَلَمَّا رَأَى مُوسَى مَا يَصْنَع الْجَبَل خَرَّ صَعِقًا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { دَكًّا } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة : { دَكًّا } مَقْصُورًا بِالتَّنْوِينِ , بِمَعْنَى : دَكّ اللَّه الْجَبَل دَكًّا ; أَيْ فَتَّتَهُ , وَاعْتِبَارًا بِقَوْلِ اللَّه : { كَلَّا إِذَا دُكَّتْ الْأَرْض } , وَقَوْله : { وَحُمِلَتْ الْأَرْض وَالْجِبَال فَدُكَّتَا دَكَّة وَاحِدَة } وَاسْتَشْهَدَ بَعْضهمْ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ حُمَيْد : يَدُكّ أَرْكَان الْجِبَال هَزَمُهْ تَخْطِر بِالْبِيضِ الرِّقَاق بُهَمُهْ وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " جَعَلَهُ دَكَّاء " بِالْمَدِّ وَتَرْك الْجَرّ وَالتَّنْوِين , مِثْل حَمْرَاء وَسَوْدَاء. وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ عِكْرِمَة , وَيَقُول فِيهِ مَا : 11722 - حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن عَبَّاد , عَنْ يَزِيد بْن حَازِم , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : دَكَّاء مِنْ الدَّكَّاوَات . وَقَالَ : لَمَّا نَظَرَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى الْجَبَل صَارَ صَخْره تُرَابًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ. فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : الْعَرَب تَقُول : نَاقَة دَكَّاء : لَيْسَ لَهَا سَنَام , وَقَالَ : الْجَبَل مُذَكَّر , فَلَا يُشْبِه أَنْ يَكُون مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُون جَعَلَهُ مِثْل دَكَّاء حَذَفَ مِثْل وَأَجْرَاهُ مَجْرَى : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَة } 12 82 وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ : جَعَلَ الْجَبَل أَرْضًا دَكَّاء , ثُمَّ حُذِفَتْ الْأَرْض وَأُقِيمَتْ الدَّكَّاء مُقَامهَا إِذْ أَدَّتْ عَنْهَا . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " جَعَلَهُ دَكَّاء " بِالْمَدِّ , وَتُرِكَ الْجَرّ لِدَلَالَةِ الْخَبَر الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِحَّته ; وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " فَسَاخَ الْجَبَل " وَلَمْ يَقُلْ : فَتَفَتَّتَ , وَلَا تَحَوَّلَ تُرَابًا . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إِذَا سَاخَ فَذَهَبَ ظَهَرَ وَجْه الْأَرْض , فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ النَّاقَة الَّتِي قَدْ ذَهَبَ سَنَامهَا , وَصَارَتْ دَكَّاء بِلَا سَنَام . وَأَمَّا إِذَا دُكَّ بَعْضه فَإِنَّمَا يَكْسِر بَعْضه بَعْضًا وَيَتَفَتَّت وَلَا يَسُوخ . وَأَمَّا الدَّكَّاء فَإِنَّهَا خَلَف مِنْ الْأَرْض , فَلِذَلِكَ أُنِّثَتْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْت . فَمَعْنَى الْكَلَام إِذَنْ : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ سَاخَ , فَجَعَلَ مَكَانه أَرْضًا دَكَّاء . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّعْق بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا ثَابَ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَهْمه مِنْ غَشْيَته , وَذَلِكَ هُوَ الْإِفَاقَة مِنْ الصَّعْقَة الَّتِي خَرَّ لَهَا مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : { سُبْحَانك } تَنْزِيهًا لَك يَا رَبّ وَتَبْرِئَة أَنْ يَرَاك أَحَد فِي الدُّنْيَا ثُمَّ يَعِيش . { تُبْت إِلَيْك } مِنْ مَسْأَلَتِي إِيَّاكَ مَا سَأَلْتُك مِنْ الرُّؤْيَة . { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } بِك مِنْ قَوْمِي أَنْ لَا يَرَاك فِي الدُّنْيَا أَحَد إِلَّا هَلَكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11723 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , فِي قَوْله : { تُبْت إِلَيْك وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : كَانَ قَبْله مُؤْمِنُونَ , وَلَكِنْ يَقُول : أَنَا أَوَّل مَنْ آمَنَ بِأَنَّهُ لَا يَرَاك أَحَد مِنْ خَلْقك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . 11724 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : لَمَّا رَأَى مُوسَى ذَلِكَ وَأَفَاقَ , عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَأَلَ أَمْرًا لَا يَنْبَغِي لَهُ , فَقَالَ : { سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : عَنَى إنِّي أَوَّل مَنْ آمَنَ بِك أَنَّهُ لَنْ يَرَاك أَحَد قَبْل يَوْم الْقِيَامَة. 11725 - حَدَّثَنِي عَبْد الْكَرِيم بْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن بَشَّار , قَالَ : قَالَ سُفْيَان : قَالَ أَبُو سَعْد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } فَمَرَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَة وَقَدْ صَعِقَ , فَقَالَتْ : يَا اِبْن النِّسَاء الْحُيَّض لَقَدْ سَأَلْت رَبّك أَمْرًا عَظِيمًا . فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : سُبْحَانك لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ , تُبْت إِلَيْك , وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ ! قَالَ : أَنَا أَوَّل مَنْ آمَنَ أَنَّهُ لَا يَرَاك أَحَد مِنْ خَلْقك , يَعْنِي فِي الدُّنْيَا . 11726 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { قَالَ سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : أَنَا أَوَّل مَنْ يُؤْمِن أَنَّهُ لَا يَرَاك شَيْء مِنْ خَلْقك . 11727 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك } قَالَ : مِنْ مَسْأَلَتِي الرُّؤْيَة . * حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , عَنْ مُجَاهِد : { قَالَ سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك } أَنْ أَسْأَلك الرُّؤْيَة . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو نَعِيم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك } أَنْ أَسْأَلك الرُّؤْيَة . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك } قَالَ : تُبْت إِلَيْك مِنْ أَنْ أَسْأَلك الرُّؤْيَة. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ قَوْله : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } بِك مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11728 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو بْن مُحَمَّد الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : أَوَّل مَنْ آمَنَ بِك مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل. * حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي : أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . 11729 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } أَنَا أَوَّل قَوْمِي إِيمَانًا . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَالْمُثَنَّى , قَالَا : ثنا أَبُو نَعِيم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : أَوَّل قَوْمِي إِيمَانًا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : أَنَا أَوَّل قَوْمِي إِيمَانًا . * حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , قَالَ : سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُول فِي قَوْله : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : أَوَّل قَوْمِي آمَن. وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا الْقَوْل الَّذِي اِخْتَرْنَاهُ فِي قَوْله : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : أَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْله فِي بَنِي إِسْرَائِيل مُؤْمِنُونَ وَأَنْبِيَاء , مِنْهُمْ وَلَد إِسْرَائِيل لِصُلْبِهِ , وَكَانُوا مُؤْمِنِينَ وَأَنْبِيَاء , فَلِذَلِكَ اِخْتَرْنَا الْقَوْل الَّذِي قُلْنَاهُ قَبْل .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح العقيدة الواسطية [ محمد خليل هراس ]

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحه بعض أهل العلم، منهم الشيخ محمد خليل هراس - رحمه الله - الذ يعد من أنسب الشروح لمتن الواسطية حيث تعرض فيه للموضوعات العقدية تبعاً للمتن فجاءت موضوعاته: أركان الإيمان، آيات الصفات وأحاديثها، فتنة القبر، القيامة، الشفاعة، القضاء والقدر، الإيمان والإسلام، الصحابة والخلافة، وأضاف بيان أبرز المخالفين لعقيدة السلف في هذه القضايا مع الرد الموجز عليهم.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق عفيفي - إسماعيل بن محمد الأنصاري

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107373

    التحميل:

  • الأخلاق والسير في مداواة النفوس

    الأخلاق والسير في مداواة النفوس : بيان بعض المعاني مثل: العلم، المحبة وأونواعها، مداواة النفوس، العقل والراحة ... إلخ

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141366

    التحميل:

  • الرحمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

    الرحمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: هذا البحث الذي بين أيدينا يتناول موضوعًا من أهم الموضوعات التي نحتاج إليها في زماننا هذا، بل وفي كل الأزمنة، فالرحمة خُلُق أساس في سعادة الأمم، وفي استقرار النفوس، وفي أمان الدنيا، فإذا كان الموضوع خاصًا بالرحمة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يكتسب أهمية خاصة، وذلك لكون البحث يناقش أرقى وأعلى مستوى في الرحمة عرفته البشرية، وهي الرحمة التي جعلها الله - عز وجل - مقياسًا للناس.

    الناشر: موقع البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة http://www.mercyprophet.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346603

    التحميل:

  • مسائل في الأضحية وصلاة التراويح ودعاء ختم القرآن

    مسائل في الأضحية وصلاة التراويح ودعاء ختم القرآن: قال المؤلف - حفظه الله -: «فقد جمعت ما سُئلت عنه سابقًا في مشروعية الأضحية عن الحي والميت، وفي صلاة التراويح ثلاثًا وعشرين ركعة، وفي بيان استحباب دعاء ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح».

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341900

    التحميل:

  • من أحكام المريض وآدابه

    في هذه الرسالة بين بعض أحكام المريض وآدابه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209196

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة