Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة القلم - الآية 4

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) (القلم) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَإِنَّك لَعَلَى خُلُق عَظِيم " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : عَلَى خُلُق , عَلَى دِين عَظِيم مِنْ الْأَدْيَان , لَيْسَ دِين أَحَبّ إِلَى اللَّه تَعَالَى وَلَا أَرْضَى عِنْده مِنْهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة أَنَّ خُلُقه كَانَ الْقُرْآن . وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَعَطِيَّة : هُوَ أَدَب الْقُرْآن . وَقِيلَ : هُوَ رِفْقه بِأُمَّتِهِ وَإِكْرَامه إِيَّاهُمْ . وَقَالَ قَتَادَة : هُوَ مَا كَانَ يَأْتَمِر بِهِ مِنْ أَمْر اللَّه وَيَنْتَهِي عَنْهُ مِمَّا نَهَى اللَّه عَنْهُ . وَقِيلَ : أَيْ إِنَّك عَلَى طَبْع كَرِيم . الْمَاوَرْدِيّ : وَهُوَ الظَّاهِر . وَحَقِيقَة الْخُلُق فِي اللُّغَة : هُوَ مَا يَأْخُذ بِهِ الْإِنْسَان نَفْسه مِنْ الْأَدَبِ يُسَمَّى خُلُقًا ; لِأَنَّهُ يَصِير كَالْخِلْقَةِ فِيهِ . وَأَمَّا مَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَدَب فَهُوَ الْخِيم ( بِالْكَسْرِ ) : السَّجِيَّة وَالطَّبِيعَة , لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه . وَخِيم : اِسْم جَبَل . فَيَكُون الْخُلُق الطَّبْع الْمُتَكَلَّف . وَالْخِيم الطَّبْع الْغَرِيزِيّ . وَقَدْ أَوْضَحَ الْأَعْشَى ذَلِكَ فِي شِعْره فَقَالَ : وَإِذَا ذُو الْفُضُول ضَنَّ عَلَى الْمَوْلَى وَعَادَتْ لِخِيمِهَا الْأَخْلَاق أَيْ رَجَعَتْ الْأَخْلَاق إِلَى طَبَائِعهَا . قُلْت : مَا ذَكَرْته عَنْ عَائِشَة فِي صَحِيح مُسْلِم أَصَحّ الْأَقْوَال . وَسُئِلْت أَيْضًا عَنْ خُلُقه عَلَيْهِ السَّلَام ; فَقَرَأَتْ " قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ " [ الْمُؤْمِنُونَ : 1 ] إِلَى عَشْر آيَات , وَقَالَتْ : مَا كَانَ أَحَد أَحْسَنَ خُلُقًا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَا دَعَاهُ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة وَلَا مِنْ أَهْل بَيْته إِلَّا قَالَ لَبَّيْكَ , وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَإِنَّك لَعَلَى خُلُق عَظِيم " . وَلَمْ يُذْكَر خُلُق مَحْمُود إِلَّا وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ الْحَظّ الْأَوْفَر . وَقَالَ الْجُنَيْد : سُمِّيَ خُلُقه عَظِيمًا لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ هِمَّة سِوَى اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ سُمِّيَ خُلُقه عَظِيمًا لِاجْتِمَاعِ مَكَارِم الْأَخْلَاق فِيهِ ; يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ اللَّه بَعَثَنِي لِأُتِمّ مَكَارِم الْأَخْلَاق ) . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ اِمْتَثَلَ تَأْدِيب اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " خُذْ الْعَفْو وَأَمْر بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " [ الْأَعْرَاف : 199 ] . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ : ( أَدَّبَنِي رَبِّي تَأْدِيبًا حَسَنًا إِذْ قَالَ : " خُذْ الْعَفْو وَأْمُر بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " [الْأَعْرَاف : 199 ] فَلَمَّا قَبِلْت ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ : " إِنَّك لَعَلَى خُلُق عَظِيم " .

الثَّانِيَة : رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِتَّقِ اللَّه حَيْثُمَا كُنْت وَأَتْبِعْ السَّيِّئَة الْحَسَنَة تَمْحُهَا وَخَالِق النَّاس بِخُلُقِ حَسَنٍ ) . قَالَ حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا شَيْء أَثْقَل فِي مِيزَان الْمُؤْمِن يَوْم الْقِيَامَة مِنْ خُلُق حَسَن وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَيُبْغِض الْفَاحِش الْبَذِيء ) . قَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَعَنْهُ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا مِنْ شَيْء يُوضَع فِي الْمِيزَان أَثْقَل مِنْ حُسْن الْخُلُق وَإِنَّ صَاحِب حُسْن الْخُلُق لَيَبْلُغ بِهِ دَرَجَة صَاحِب الصَّلَاة وَالصَّوْم ) . قَالَ : حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَر مَا يُدْخِل النَّاس الْجَنَّة ؟ فَقَالَ : ( تَقْوَى اللَّه وَحُسْن الْخُلُق ) . وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَر مَا يُدْخِل النَّاس النَّار ؟ فَقَالَ : ( الْفَم وَالْفَرْج ) قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح غَرِيب . وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك أَنَّهُ وَصَفَ حُسْن الْخُلُق فَقَالَ : هُوَ بَسْط الْوَجْه , وَبَذْل الْمَعْرُوف , وَكَفّ الْأَذَى . وَعَنْ جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ مِنْ أَحَبّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْم الْقِيَامَة أَحْسَنكُمْ أَخْلَاقًا - قَالَ - وَإِنَّ أَبْغَضكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْم الْقِيَامَة الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ ) . قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ , فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ ؟ قَالَ : ( الْمُتَكَبِّرُونَ ) . قَالَ : وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَهَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • آية الكرسي وبراهين التوحيد

    آية الكرسي وبراهين التوحيد: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالةٌ مختصرةٌ وكلماتٌ وجيزةٌ في بيان أعظم آية في كتاب الله - عز وجل - «آية الكرسي»، وإيضاح ما اشتملت عليه من البراهين العظيمة والدلائل الواضحة والحُجَج الساطعة على تفرُّد الله - عز وجل - بالجلال والكمال والعظمة، وأنه - سبحانه - لا ربَّ سواه ولا معبود بحقٍّ إلا هو - تبارك اسمه وتعالى جدُّه - ولا إله غيره».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344674

    التحميل:

  • أحكام الطهارة والصلاة في ضوء الكتاب والسنة

    أحكام الطهارة والصلاة في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد رأيتُ أن أضعَ كتابًا خاصًّا بأحكامِ الطهارة، والصلاةِ؛ سهلاً في عبارتِهِ، مُدعَّمًا بالأدلة الشرعية من الكتابِ والسنةِ، بعيدًا عن الخِلافاتِ المذهبيَّةِ، كي يستعينَ به المُسلِمون في تصحيحِ صلواتِهم التي هي أهمُّ أركانِ الإسلام بعد الشهادتين».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384383

    التحميل:

  • أنهلك وفينا الصالحون

    أنهلك وفينا الصالحون : فإن من تأمل في حياة المسلمين اليوم وجد أن البعض منهم قد أهمل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد لبس الشيطان في ترك هذه الشعيرة العظيمة بأعذار واهية، وفي هذه الرسالة بيان بواعث الأمر بالمعروف، مع ذكر بعض ثمراته، ثم بيان خطوات الإنكار، وحالات الإعفاء من الإنكار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208936

    التحميل:

  • الحكمة من إرسال الرسل

    بين المؤلف - رحمه الله - بعض الدواعي التي تقتضي إرسال الرسل، والحكمة في اختيار الرسل إلى البشر من جنسهم وبلسان أممهم، كما بين منهج الرسل في الدعوة إلى الله، والطريقة المثلى في الدعوة إلى الله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2429

    التحميل:

  • صحيح السيرة النبوية

    صحيح السيرة النبوية: كتابٌ فيه ما صحّ من سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر أيامه وغزواته وسراياه والوفود إليه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2076

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة