Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة القلم - الآية 17

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) (القلم) mp3
" إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ " يُرِيد أَهْل مَكَّة . وَالِابْتِلَاء الِاخْتِبَار . وَالْمَعْنَى أَعْطَيْنَاهُمْ أَمْوَالًا لِيَشْكُرُوا لَا لِيَبْطَرُوا ; فَلَمَّا بَطِرُوا وَعَادَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْتَلَيْنَاهُمْ بِالْجُوعِ وَالْقَحْط كَمَا بَلَوْنَا أَهْل الْجَنَّة الْمَعْرُوف خَبَرهَا عِنْدهمْ . وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ بِأَرْضِ الْيَمَن بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ عَلَى فَرَاسِخ مِنْ صَنْعَاء - وَيُقَال بِفَرْسَخَيْنِ - وَكَانَتْ لِرَجُلٍ يُؤَدِّي حَقّ اللَّه تَعَالَى مِنْهَا ; فَلَمَّا مَاتَ صَارَتْ إِلَى وَلَده , فَمَنَعُوا النَّاس خَيْرهَا وَبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّه فِيهَا ; فَأَهْلَكَهَا اللَّه مِنْ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنهُمْ دَفْع مَا حَلَّ بِهَا . قَالَ الْكَلْبِيّ : كَانَ بَيْنهمْ وَبَيْنَ صَنْعَاء فَرْسَخَانِ ; اِبْتَلَاهُمْ اللَّه بِأَنْ أَحْرَقَ جَنَّتهمْ . وَقِيلَ : هِيَ جَنَّة بِضَوْرَانَ , وَضَوْرَانُ عَلَى فَرْسَخ مِنْ صَنْعَاء , وَكَانَ أَصْحَاب هَذِهِ الْجَنَّة بَعْد رَفْع عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِيَسِيرٍ - وَكَانُوا بُخَلَاء - فَكَانُوا يَجُدُّونَ التَّمْر لَيْلًا مِنْ أَجْل الْمَسَاكِين , وَكَانُوا أَرَادُوا حَصَاد زَرْعهَا وَقَالُوا : لَا يَدْخُلهَا الْيَوْم عَلَيْكُمْ مِسْكِين , فَغَدَوْا عَلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ اُقْتُلِعَتْ مِنْ أَصْلهَا فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ; أَيْ كَاللَّيْلِ . وَيُقَال أَيْضًا لِلنَّهَارِ صَرِيم . فَإِنْ كَانَ أَرَادَ اللَّيْل فَلَا سَوَاد مَوْضِعهَا . وَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا مَوْضِعهَا حَمْأَة . وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِالصَّرِيمِ النَّهَار فَلِذَهَابِ الشَّجَر وَالزَّرْع وَنَقَاء الْأَرْض مِنْهُ . وَكَانَ الطَّائِف الَّذِي طَافَ عَلَيْهَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَاقْتَلَعَهَا . فَيُقَال : إِنَّهُ طَافَ بِهَا حَوْل الْبَيْت ثُمَّ وَضَعَهَا حَيْثُ مَدِينَة الطَّائِف الْيَوْم ; وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الطَّائِف . وَلَيْسَ فِي أَرْض الْحِجَاز بَلْدَة فِيهَا الشَّجَر وَالْأَعْنَاب وَالْمَاء غَيْرهَا . وَقَالَ الْبَكْرِيّ فِي الْمُعْجَم : سُمِّيَتْ الطَّائِف لِأَنَّ رَجُلًا مِنْ الصَّدِف يُقَال لَهُ الدَّمُون , بَنَى حَائِطًا وَقَالَ : قَدْ بَنَيْت لَكُمْ طَائِفًا حَوْل بَلَدكُمْ ; فَسُمِّيَتْ الطَّائِف . وَاَللَّه أَعْلَم .

قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : عَلَى مَنْ حَصَدَ زَرْعًا أَوْ جَدّ ثَمَرَة أَنْ يُوَاسِيَ مِنْهَا مَنْ حَضَرَهُ ; وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : " وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَاده " [ الْأَنْعَام : 141 ] وَأَنَّهُ غَيْر الزَّكَاة عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " الْأَنْعَام " بَيَانه . وَقَالَ بَعْضهمْ : وَعَلَيْهِ تَرَكَ مَا أَخْطَأَهُ الْحَاصِدُونَ . وَكَانَ بَعْض الْعِبَاد يَتَحَرَّوْنَ أَقْوَاتَهُمْ مِنْ هَذَا . وَرُوِيَ أَنَّهُ نُهِيَ عَنْ الْحَصَاد بِاللَّيْلِ . فَقِيلَ : إِنَّهُ لِمَا يَنْقَطِع عَنْ الْمَسَاكِين فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّفْق . وَتَأَوَّلَ مَنْ قَالَ هَذَا الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة " ن وَالْقَلَم " . قِيلَ : إِنَّمَا نَهِيَ عَنْ ذَلِكَ خَشْيَة الْحَيَّات وَهَوَامّ الْأَرْض . قُلْت : الْأَوَّل أَصَحّ ; وَالثَّانِي حَسَن . وَإِنَّمَا قُلْنَا الْأَوَّل أَصَحّ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ كَانَتْ بِسَبَبِ مَا أَرَادُوهُ مِنْ مَنْع الْمَسَاكِين كَمَا ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى . رَوَى أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ قَالَ : كَانَ قَوْم بِالْيَمَنِ وَكَانَ أَبُوهُمْ رَجُلًا صَالِحًا , وَكَانَ إِذَا بَلَغَ ثِمَارَهُ أَتَاهُ الْمَسَاكِين فَمَا يَمْنَعهُمْ مِنْ دُخُولهَا وَأَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا وَيَتَزَوَّدُوا ; فَلَمَّا مَاتَ قَالَ بَنُوهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : عَلَامَ نُعْطِي أَمْوَالَنَا هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين ! تَعَالَوْا فَلْنُدْلِجْ فَنَصْرِمنَّهَا قَبْل أَنْ يَعْلَمَ الْمَسَاكِين ; وَلَمْ يَسْتَثْنُوا ; فَانْطَلَقُوا وَبَعْضهمْ يَقُول لِبَعْضٍ خَفْتًا : لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " إِذْ أَقْسَمُوا " يَعْنِي حَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ " لِيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ " يَعْنِي لَنَجُذَّنَّهَا وَقْت الصُّبْح قَبْل أَنْ تَخْرُجَ الْمَسَاكِين ; وَلَا يَسْتَثْنُونَ ; يَعْنِي لَمْ يَقُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّه . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَتْ تِلْكَ الْجَنَّة دُون صَنْعَاء بِفَرْسَخَيْنِ , غَرَسَهَا رَجُل مِنْ أَهْل الصَّلَاح وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة بَنِينَ , وَكَانَ لِلْمَسَاكِينِ كُلّ مَا تَعَدَّاهُ الْمِنْجَل فَلَمْ يَجُذّهُ مِنْ الْكَرْم , فَإِذَا طُرِحَ عَلَى الْبِسَاط فَكُلّ شَيْء سَقَطَ عَنْ الْبِسَاط فَهُوَ أَيْضًا لِلْمَسَاكِينِ , فَإِذَا حَصَدُوا زَرْعَهُمْ فَكُلّ شَيْء تَعَدَّاهُ الْمِنْجَل فَهُوَ لِلْمَسَاكِينِ , فَإِذَا دَرَسُوا كَانَ لَهُمْ كُلّ شَيْء اِنْتَثَرَ ; فَكَانَ أَبُوهُمْ يَتَصَدَّق مِنْهَا عَلَى الْمَسَاكِين , وَكَانَ يَعِيش فِي ذَلِكَ فِي حَيَاة أَبِيهِمْ الْيَتَامَى وَالْأَرَامِل وَالْمَسَاكِين , فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُمْ فَعَلُوا مَا ذَكَرَ اللَّه عَنْهُمْ . فَقَالُوا : قَلَّ الْمَال وَكَثُرَ الْعِيَال ; فَتَحَالَفُوا بَيْنَهُمْ لَيَغْدُوُنَّ غَدْوَة قَبْل خُرُوج النَّاس ثُمَّ لَيَصْرِمُنَّهَا وَلَا تَعْرِف الْمَسَاكِين . وَهُوَ قَوْله : " إِذْ أَقْسَمُوا " أَيْ حَلَفُوا " لِيَصْرِمُنَّهَا " لَيَقْطَعُنَّ ثَمَر نَخِيلهمْ إِذَا أَصْبَحُوا بِسُدْفَةٍ مِنْ اللَّيْل لِئَلَّا يَنْتَبِه الْمَسَاكِين لَهُمْ . وَالصَّرْم الْقَطْع . يُقَال : صَرَمَ الْعِذْق عَنْ النَّخْلَة . وَأَصْرَمَ النَّخْلَ أَيْ حَانَ وَقْت صِرَامه . مِثْل أَرْكَبَ الْمُهْر وَأَحْصَدَ الزَّرْع , أَيْ حَانَ رُكُوبه وَحَصَاده .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فتاوى ومسائل

    هذا الملف يحتوي على مجموعة من مسائل وفتاوى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264160

    التحميل:

  • البيت السعيد وخلاف الزوجين

    « البيت السعيد وخلاف الزوجين » رسالة تحتوي على بيان بعض الأمور التي تقوم عليها الأسرة المسلمة وتتوطَّد بها العلاقة الزوجية، وتبعد عنها رياح التفكك، وأعاصير الانفصام والتصرم، ثم بيان بعض وسائل العلاج عند الاختلاف بين الزوجين.

    الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2437

    التحميل:

  • الصحيح المسند من أسباب النزول

    الصحيح المسند من أسباب النزول: بحثٌ مُقدَّم للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد نفع الله به وأصبحَ مرجعًا في علم أسباب النزول، قال الشيخ - رحمه الله -: «وكنتُ في حالة تأليفه قد ذكرتُ بعضَ الأحاديث التابعة لحديث الباب بدون سندٍ، فأحببتُ في هذه الطبعة أن أذكر أسانيد ما تيسَّر لي، وكان هناك أحاديث ربما ذكرتُ الشاهدَ منها، فعزمتُ على ذكر الحديث بتمامه. أما ذكرُ الحديث بتمامه فلما فيه من الفوائد، وأما ذكرُ السند فإن علماءَنا - رحمهم الله تعالى - كانوا لا يقبَلون الحديثَ إلا بسنده ...».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380507

    التحميل:

  • مقاصد دراسة التوحيد وأسسها

    مقاصد دراسة التوحيد وأسسها: قال المؤلف - حفظه الله -: «فهذا بحثٌ نُقرِّر فيه مقاصد دراسة التوحيد، وهي مقاصد تقوم على أسس علمية لا تتحقق إلا بها، وسنذكر لكل مقصد أسسه، مُبيِّنين وجه كون كلٍّ منها أساسًا; وأدلة كونه كذلك».

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333190

    التحميل:

  • هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا

    هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا : عرض المؤلف في هذا الكتاب أكثر من خمسين خلقاً، وقد تميز الكتاب بالإيجاز والبساطة والوضوح، مع استقاء المواضيع من تجربة عملية.

    الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/353703

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة