Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة القلم - الآية 16

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) (القلم) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " سَنَسِمُهُ " قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَعْنَى " سَنَسِمُهُ " سَنَخْطِمُهُ بِالسَّيْفِ . قَالَ : وَقَدْ خُطِمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ يَوْم بَدْر بِالسَّيْفِ ; فَلَمْ يَزَلْ مَخْطُومًا إِلَى أَنْ مَاتَ . وَقَالَ قَتَادَة : سَنَسِمُهُ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى أَنْفه سِمَة يُعْرَف بِهَا ; يُقَال : وَسَمْته وَسْمًا وَسِمَة إِذَا أَثَّرْت فِيهِ بِسِمَةٍ وَكَيّ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه " [ آل عِمْرَان : 106 ] فَهَذِهِ عَلَامَة ظَاهِرَة . وَقَالَ تَعَالَى : " وَنَحْشُر الْمُجْرِمِينَ يَوْمئِذٍ زُرْقًا " [ طَه : 102 ] وَهَذِهِ عَلَامَة أُخْرَى ظَاهِرَة . فَأَفَادَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَامَة ثَالِثَة وَهِيَ الْوَسْم عَلَى الْأَنْف بِالنَّارِ ; وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " يُعْرَف الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ " [ الرَّحْمَن : 41 ] قَالَهُ الْكَلْبِيّ وَغَيْره . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَمُجَاهِد : " سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُوم " أَيْ عَلَى أَنْفه , وَنُسَوِّد وَجْهه فِي الْآخِرَة فَيُعْرَف بِسَوَادِ وَجْهه . وَالْخُرْطُوم : الْأَنْف مِنْ الْإِنْسَان . وَمِنْ السِّبَاع : مَوْضِع الشَّفَة . وَخَرَاطِيم الْقَوْم : سَادَاتهمْ . قَالَ الْفَرَّاء : وَإِنْ كَانَ الْخُرْطُوم قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَجْه ; لِأَنَّ بَعْض الشَّيْء يُعَبَّر بِهِ عَنْ الْكُلّ . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : نُبَيِّن أَمْره تِبْيَانًا وَاضِحًا حَتَّى يَعْرِفُوهُ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ كَمَا لَا تَخْفَى السِّمَة عَلَى الْخَرَاطِيم . وَقِيلَ : الْمَعْنَى سَنُلْحِقُ بِهِ عَارًا وَسُبَّة حَتَّى يَكُون كَمَنْ وُسِمَ عَلَى أَنْفه . قَالَ الْقُتَبِيّ : تَقُول الْعَرَب لِلرَّجُلِ يُسَبّ سُبَّة سُوء قَبِيحَة بَاقِيَة : قَدْ وُسِمَ مِيسَم سُوء ; أَيْ أُلْصِقَ بِهِ عَار لَا يُفَارِقهُ ; كَمَا أَنَّ السِّمَة لَا يُمْحَى أَثَرهَا . قَالَ جَرِير : لَمَّا وَضَعْت عَلَى الْفَرَزْدَق مِيسَمِي وَعَلَى الْبَعِيثِ جَدَعْت أَنْف الْأَخْطَل أَرَادَ بِهِ الْهِجَاء . قَالَ : وَهَذَا كُلّه نَزَلَ فِي الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة . وَلَا نَعْلَم أَنَّ اللَّه تَعَالَى بَلَغَ مِنْ ذِكْر عُيُوب أَحَد مَا بَلَغَهُ مِنْهُ ; فَأَلْحَقَهُ بِهِ عَارًا لَا يُفَارِقهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ; كَالْوَسْمِ عَلَى الْخُرْطُوم . وَقِيلَ : هُوَ مَا اِبْتَلَاهُ اللَّه بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي نَفْسه وَمَاله وَأَهْله مِنْ سُوء وَذُلّ وَصَغَار ; قَالَهُ اِبْن بَحْر . وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى : فَدَعْهَا وَمَا يُغْنِيك وَاعْمِدْ لِغَيْرِهَا بِشَعْرِك وَاعْلُبْ أَنْف مَنْ أَنْتَ وَاسِم وَقَالَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ : الْمَعْنَى سَنَحُدُّهُ عَلَى شُرْب الْخَمْر , وَالْخُرْطُوم : الْخَمْر , وَجَمْعه خَرَاطِيم , قَالَ الشَّاعِر : تَظَلّ يَوْمك فِي لَهْو وَفِي طَرَب وَأَنْتَ بِاللَّيْلِ شَرَّاب الْخَرَاطِيم قَالَ الرَّاجِز : صَهْبَاء خُرْطُومًا عَقَارًا قَرْقَفَا وَقَالَ آخَر : أَبَا حَاضِر مَنْ يَزْنِ يُعْرَف زِنَاؤُهُ وَمَنْ يَشْرَب الْخُرْطُوم يُصْبِح مُسْكَرًا الثَّانِيَة : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : " كَانَ الْوَسْم فِي الْوَجْه لِذِي الْمَعْصِيَة قَدِيمًا عِنْد النَّاس , حَتَّى أَنَّهُ رُوِيَ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّ الْيَهُود لَمَّا أَهْمَلُوا رَجْم الزَّانِي اعْتَاضُوا مِنْهُ بِالضَّرْبِ وَتَحْمِيم الْوَجْه ; وَهَذَا وَضْع بَاطِل . وَمِنْ الْوَسْم الصَّحِيح فِي الْوَجْه : مَا رَأَى الْعُلَمَاء مِنْ تَسْوِيد وَجْه شَاهِد الزُّور , عَلَامَة عَلَى قُبْح الْمَعْصِيَة وَتَشْدِيدًا لِمَنْ يَتَعَاطَاهَا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُرْجَى تَجَنُّبه بِمَا يُرْجَى مِنْ عُقُوبَة شَاهِد الزُّور وَشُهْرَته ; فَقَدْ كَانَ عَزِيزًا بِقَوْلِ الْحَقّ وَقَدْ صَارَ مَهِينًا بِالْمَعْصِيَةِ . وَأَعْظَم الْإِهَانَة إِهَانَة الْوَجْه . وَكَذَلِكَ كَانَتْ الِاسْتِهَانَة بِهِ فِي طَاعَة اللَّه سَبَبًا لِخِيرَةِ الْأَبَد وَالتَّحْرِيم لَهُ عَلَى النَّار ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّار أَنْ تَأْكُل مِنْ اِبْن آدَم أَثَر السُّجُود ; حَسْب مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • دروس في شرح نواقض الإسلام

    اعلم أيها المسلم أن الله - سبحانه وتعالى - أوجب على جميع العباد الدخول في الإسلام والتمسك به والحذر مما يخالفه، وبعث نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - للدعوة إلى ذلك، وأخبر - عز وجل - أن من اتبعه فقد اهتدى، ومن أعرض عنه فقد ضل، وحذر في آيات كثيرات من أسباب الردة، وسائر أنواع الشرك والكفر، وذكر العلماء رحمهم الله في باب حكم المرتد أن المسلم قد يرتد عن دينه بأنواع كثيرة من النواقض التي تحل دمه وماله، ويكون بها خارجا من الإسلام، وقد قام فضيلة الشيخ الفوزان - حفظه الله - بشرح رسالة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - والتي بين فيها بعض هذه النواقض.

    الناشر: مكتبة الرشد بالمملكة العربية السعودية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314803

    التحميل:

  • تعظيم التوحيد في نفوس الصغار

    في هذه الرسالة بيان أهمية تعظيم التوحيد في نفوس الصغار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233607

    التحميل:

  • سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين

    قال المؤلف - وفقه الله -: إن بعض الناس الذين لا يعرفون حقيقة هذا الدين يظن أن الإسلام لا يعرف العفو والصفح والسماحة، وإنما جاء بالعنف والتطرف والسماجة، لأنهم لم يتحروا الحقائق من مصادرها الأصلية، وإنما اكتفوا بسماع الشائعات والافتراءات من أرباب الإلحاد والإفساد الذين عبدوا الشهوات ونهجوا مسلك الشبهات بما لديهم من أنواع وسائـــل الإعلام المتطورة، من أجل ذلك أكتب هذا البحث لبيان الحق ودمغ الباطل بالأدلة الساطعة والحقائق الناطقة من القرآن والسنة القولية والفعلية والتاريخ الأصيل.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191053

    التحميل:

  • الكذب والكاذبون

    الكذب آفة تفتك بالمجتمع، تتسلل إلى نقلة الأخبار، وحملة الأفكار، فتؤدي إلى إشكالات كثيرة؛ فالكذب يبدي الفضائح، ويكتم المحاسن، ويشيع قالة السوء في كل مكان عن صاحبه، ويدل على طريق الشيطان. من أجل ذلك ذمه الله - عز وجل - في كتابه الكريم، وذمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة المطهرة، وذمه سلفنا الصالح، وفي هذا الكتاب توضيح لهذا الأمر.

    الناشر: دار الصحابة للتراث بطنطا

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/76421

    التحميل:

  • قم فأنذِر [ أم لم يعرِفوا رسولَهم؟ ]

    قم فأنذِر [ أم لم يعرِفوا رسولَهم؟ ]: طرح جديد في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلما يُطرق، أراد الشيخ فيه عرضَ السيرة العطِرة لسيد البشر - عليه الصلاة والسلام - بأسلوبٍ مُشوِّق جذَّاب، وهو يتأسَّف على جهل كثيرٍ من المسلمين بسيرة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/336096

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة