Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الملك - الآية 2

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) (الملك) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : قِيلَ : الْمَعْنَى خَلَقَكُمْ لِلْمَوْتِ وَالْحَيَاة ; يَعْنِي لِلْمَوْتِ فِي الدُّنْيَا وَالْحَيَاة فِي الْآخِرَة وَقَدَّمَ الْمَوْت عَلَى الْحَيَاة ; لِأَنَّ الْمَوْت إِلَى الْقَهْر أَقْرَب ; كَمَا قَدَّمَ الْبَنَات عَلَى الْبَنِينَ فَقَالَ : " يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا " [ الشُّورَى : 49 ] . وَقِيلَ : قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَقْدَم ; لِأَنَّ الْأَشْيَاء فِي الِابْتِدَاء كَانَتْ فِي حُكْم الْمَوْت كَالنُّطْفَةِ وَالتُّرَاب وَنَحْوه . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَذَلَّ بَنِي آدَم بِالْمَوْتِ وَجَعَلَ الدُّنْيَا دَار حَيَاة ثُمَّ دَار مَوْت وَجَعَلَ الْآخِرَة دَار جَزَاء ثُمَّ دَار بَقَاء ) . وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَوْلَا ثَلَاث مَا طَأْطَأَ اِبْن آدَم رَأْسه الْفَقْر وَالْمَرَض وَالْمَوْت وَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَوَثَّاب ) .

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة : " الْمَوْت وَالْحَيَاة " قَدَّمَ الْمَوْت عَلَى الْحَيَاة , لِأَنَّ أَقْوَى النَّاس دَاعِيًا إِلَى الْعَمَل مَنْ نَصَبَ مَوْته بَيْنَ عَيْنَيْهِ ; فَقُدِّمَ لِأَنَّهُ فِيمَا يَرْجِع إِلَى الْغَرَض الْمَسُوق لَهُ الْآيَة أَهَمّ قَالَ الْعُلَمَاء : الْمَوْت لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْض وَلَا فِنَاء صِرْف , وَإِنَّمَا هُوَ اِنْقِطَاع تَعَلُّق الرُّوح بِالْبَدَنِ وَمُفَارَقَته , وَحَيْلُولَة بَيْنهمَا , وَتَبَدُّل حَال وَانْتِقَال مِنْ دَار إِلَى دَار . وَالْحَيَاة عَكْس ذَلِكَ . وَحُكِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل أَنَّ الْمَوْت وَالْحَيَاة جِسْمَانِ , فَجُعِلَ الْمَوْت فِي هَيْئَة كَبْش لَا يَمُرّ بِشَيْءٍ وَلَا يَجِد رِيحه إِلَّا مَاتَ , وَخَلَقَ الْحَيَاة عَلَى صُورَة فَرَس أُنْثَى بَلْقَاء - وَهِيَ الَّتِي كَانَ جِبْرِيل وَالْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام يَرْكَبُونَهَا - خُطْوَتهَا مَدّ الْبَصَر , فَوْق الْحِمَار وَدُون الْبَغْل , لَا تَمُرّ بِشَيْءٍ يَجِد رِيحهَا إِلَّا حَيِيَ , وَلَا تَطَأ عَلَى شَيْء إِلَّا حَيِيَ . وَهِيَ الَّتِي أَخَذَ السَّامِرِيّ مِنْ أَثَرهَا فَأَلْقَاهُ عَلَى الْعِجْل فَحَيِيَ . حَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ وَالْقُشَيْرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَالْمَاوَرْدِيّ مَعْنَاهُ عَنْ مُقَاتِل وَالْكَلْبِيّ . قُلْت : وَفِي التَّنْزِيل " قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَك الْمَوْت الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ " , [ السَّجْدَة : 11 ] , " وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَة " [ الْأَنْفَال : 50 ] ثُمَّ " تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا " [ الْأَنْعَام : 61 ] , ثُمَّ قَالَ : " اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُس حِينَ مَوْتهَا " [ الزُّمَر : 42 ] . فَالْوَسَائِط مَلَائِكَة مُكْرَمُونَ صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ . وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُمِيت عَلَى الْحَقِيقَة , وَإِنَّمَا يُمَثَّل الْمَوْت بِالْكَبْشِ فِي الْآخِرَة وَيُذْبَح عَلَى الصِّرَاط ; حَسْب مَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَر الصَّحِيح . وَمَا ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس يَحْتَاج إِلَى خَبَر صَحِيح يَقْطَع الْعُذْر . وَاَللَّه أَعْلَم . وَعَنْ مُقَاتِل أَيْضًا : خَلَقَ الْمَوْت ; يَعْنِي النُّطْفَة وَالْعَلَقَة وَالْمُضْغَة , وَخَلَقَ الْحَيَاة ; يَعْنِي خَلَقَ إِنْسَانًا وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوح فَصَارَ إِنْسَانًا . قُلْت : وَهَذَا قَوْل حَسَن ; يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى " لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا "

وَتَقَدَّمَ الْكَلَام فِيهِ فِي سُورَة " الْكَهْف " . وَقَالَ السُّدِّيّ فِي قَوْله تَعَالَى : " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاة لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا " أَيْ أَكْثَركُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَن اِسْتِعْدَادًا , وَمِنْهُ أَشَدّ خَوْفًا وَحَذَرًا . وَقَالَ اِبْن عُمَر : تَلَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك - حَتَّى بَلَغَ - أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا " فَقَالَ : ( أَوْرَع عَنْ مَحَارِم اللَّه وَأَسْرَع فِي طَاعَة اللَّه ) . وَقِيلَ : مَعْنَى " لِيَبْلُوَكُمْ " لِيُعَامِلكُمْ مُعَامَلَة الْمُخْتَبِر ; أَيْ لِيَبْلُوَ الْعَبْد بِمَوْتِ مَنْ يَعِزّ عَلَيْهِ لِيُبَيِّن صَبْره , وَبِالْحَيَاةِ لِيُبَيِّن شُكْره . وَقِيلَ : خَلَقَ اللَّه الْمَوْت لِلْبَعْثِ وَالْجَزَاء , وَخَلَقَ الْحَيَاة لِلِابْتِلَاءِ . فَاللَّام فِي " لِيَبْلُوَكُمْ " تَتَعَلَّق بِخَلْقِ الْحَيَاة لَا بِخَلْقِ الْمَوْت ; ذَكَرَهُ الزَّجَّاج . وَقَالَ الْفَرَّاء وَالزَّجَّاج أَيْضًا : لَمْ تَقَع الْبَلْوَى عَلَى " أَيّ " لِأَنَّ فِيمَا بَيْنَ الْبَلْوَى و " أَيّ " إِضْمَار فِعْل ; كَمَا تَقُول : بَلَوْتُكُمْ لِأَنْظُر أَيّكُمْ أَطْوَع . وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : " سَلْهُمْ أَيّهمْ بِذَلِكَ زَعِيم " [ الْقَلَم : 40 ] أَيْ سَلْهُمْ ثُمَّ اُنْظُرْ أَيّهمْ . فَ " أَيّكُمْ " رَفْع بِالِابْتِدَاءِ وَ " أَحْسَن " خَبَره . وَالْمَعْنَى : لِيَبْلُوَكُمْ فَيَعْلَم أَوْ فَيَنْظُر أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا .

فِي اِنْتِقَامه مِمَّنْ عَصَاهُ .

لِمَنْ تَابَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية

    التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية : أصل هذا الكتاب كان رسالة تقدم بها المؤلف لنيل درجة التخصص - الماجستير - من كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بإشراف فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله -.

    الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314801

    التحميل:

  • صحيح البخاري

    صحيح البخاري: تحتوي هذه الصفحة على نسخة وورد، و pdf، والكترونية مفهرسة من كتاب صحيح البخاري، مع ترجمته إلى عدة لغات عالمية، فصحيح البخاري كتاب نفيس روى فيه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسماه « الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ». • قال ابن كثير في البداية والنهاية: « وأجمع العلماء على قبوله - يعنى صحيح البخاري - وصحة ما فيه، وكذلك سائر أهل الإسلام ». • وقال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: « اتفق العلماء - رحمهم الله - على أن أصح الكتب بعد الكتاب العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث ».

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net - موقع الموسوعة الشاملة www.islamport.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/72992

    التحميل:

  • أحكام ترجمة القرآن الكريم

    أحكام ترجمة القرآن الكريم: في هذه الرسالة يعرِض المؤلف لذكر مسرَد بدء ترجمة القرآن والسنة النبوية وعلومهما، والمراحل التي مرَّت بها تلك التراجم على مر العصور، وذكر التراجم المخالفة التي ترجمها أصحابُها كيدًا وحقدًا على الإسلام وأهله، وتشويهًا لصورته أمام العالم أجمع. وفي هذه الرسالة قام بتحديد ماهيَّته وحدوده، وذلك بتحديد خصائص الكلام الذي يُراد ترجمته وتحديد معنى كلمة الترجمة. - والرسالة من نشر دار ابن حزم - بيروت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371122

    التحميل:

  • توضيح المقصود في نظم ابن أبي داود

    المنظومة الحائية : هي قصيدة في العقيدة وأصول الدين، نظمها الإمام المحقق والحافظ المتقن شيخ بغداد أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن الإمام المعروف - رحمهما الله -. وهي منظومة شائعة الذكر، رفيعة الشأن، عذبة الألفاظ، سهلة الحفظ، لها مكانة عالية ومنزلة رفيعة عند أهل العلم في قديم الزمان وحديثه. وقد تواتر نقلها عن ابن أبي داود - رحمة الله - فقد رواها عنه غير واحد من أهل العلم كالآجري، وابن بطة، وابن شاهين وغيرهم، وثلاثتهم من تلاميذ الناظم، وتناولها غير واحد من أهل العلم بالشرح. والمنظومة تحتوي على بضع وثلاثين أو أربعين بيتاً، ينتهي كل بيت منها بحرف الحاء. - قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في النونية: وكذا الإمام ابن الإمام المرتضى ..... حقا أبي داود ذي العرفان تصنيفه نظماً ونثراً واضح ..... في السنة المثلى هما نجمان

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314832

    التحميل:

  • توفيق الرحمن في دروس القرآن

    تفسير للقرآن الكريم مرتب على هيئة دروس، وأكثره مستمد من تفسير ابن جرير، وابن كثير، والبغوي - رحمهم الله تعالى -. قال عنه فضيلة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير - حفظه الله -: « تفسير الشيخ فيصل بن مبارك: توفيق الرحمن لدروس القرآن, هذا الكتاب مطبوع قديما وطبع حديثا. وقد طبع في أربعة أجزاء وهو مستمد ومختصر من الطبري والبغوي وابن كثير، وهذا كتاب رغم اختصاره نافع في بابه لمن لا يسعفه الوقت للرجوع إلى الأصول القديمة لاسيما الثلاثة المذكورة ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2714

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة