Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التحريم - الآية 8

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) (التحريم) mp3
هِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّه " أَمْر بِالتَّوْبَةِ وَهِيَ فَرْض عَلَى الْأَعْيَان فِي كُلّ الْأَحْوَال وَكُلّ الْأَزْمَان . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا وَالْقَوْل فِيهَا فِي " النِّسَاء " وَغَيْرهَا . " تَوْبَة نَصُوحًا " اِخْتَلَفَتْ عِبَارَة الْعُلَمَاء وَأَرْبَاب الْقُلُوب فِي التَّوْبَة النَّصُوح عَلَى ثَلَاثَة وَعِشْرِينَ قَوْلًا ; فَقِيلَ : هِيَ الَّتِي لَا عَوْدَة بَعْدهَا كَمَا لَا يَعُود اللَّبَن إِلَى الضَّرْع ; وَرُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْن مَسْعُود وَأُبَيّ بْن كَعْب وَمُعَاذ بْن جَبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَرَفَعَهُ مُعَاذ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ قَتَادَة : النَّصُوح الصَّادِقَة النَّاصِحَة . وَقِيلَ الْخَالِصَة ; يُقَال : نَصَحَ أَيْ أَخْلَصَ لَهُ الْقَوْل . وَقَالَ الْحَسَن : النَّصُوح أَنْ يُبْغِض الذَّنْب الَّذِي أَحَبَّهُ وَيَسْتَغْفِر مِنْهُ إِذَا ذَكَرَهُ . وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي لَا يَثِق بِقَبُولِهَا وَيَكُون عَلَى وَجَل مِنْهَا . وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي لَا يُحْتَاج مَعَهَا إِلَى تَوْبَة . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : التَّوْبَة النَّصُوح النَّدَم بِالْقَلْبِ , وَالِاسْتِغْفَار بِاللِّسَانِ , وَالْإِقْلَاع عَنْ الذَّنْب , وَالِاطْمِئْنَان عَلَى أَنَّهُ لَا يَعُود . . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : هِيَ التَّوْبَة الْمَقْبُولَة ; وَلَا تُقْبَل مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَلَاثَة شُرُوط : خَوْف أَلَّا تُقْبَل , وَرَجَاء أَنْ تُقْبَل , وَإِدْمَان الطَّاعَات . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : تَوْبَة تَنْصَحُونَ بِهَا أَنْفُسكُمْ . وَقَالَ الْقُرَظِيّ : يَجْمَعهَا أَرْبَعَة أَشْيَاء : الِاسْتِغْفَار بِاللِّسَانِ , وَإِقْلَاع بِالْأَبْدَانِ , وَإِضْمَار تَرْك الْعَوْد بِالْجِنَانِ , وَمُهَاجَرَة سَيِّئ الْخِلَّانِ . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : عَلَامَة التَّوْبَة النَّصُوح أَرْبَعَة : الْقِلَّة وَالْعِلَّة وَالذِّلَّة وَالْغُرْبَة . وَقَالَ الْفُضَيْل بْن عِيَاض : هُوَ أَنْ يَكُون الذَّنْب بَيْنَ عَيْنَيْهِ , فَلَا يَزَال كَأَنَّهُ يَنْظُر إِلَيْهِ . وَنَحْوه عَنْ اِبْن السِّمَاك : أَنْ تَنْصِب الذَّنْب الَّذِي أَقْلَلْت فِيهِ الْحَيَاء مِنْ اللَّه أَمَام عَيْنك وَتَسْتَعِدّ لِمُنْتَظِرِك . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : هُوَ أَنْ تَضِيق عَلَيْك الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ , وَتَضِيق عَلَيْك نَفْسك ; كَالثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَاسِطِيّ : هِيَ تَوْبَة لَا لِفَقْدِ عِوَض ; لِأَنَّ مَنْ أَذْنَبَ فِي الدُّنْيَا لِرَفَاهِيَةِ نَفْسه ثُمَّ تَابَ طَلَبًا لِرَفَاهِيَتِهَا فِي الْآخِرَة ; فَتَوْبَته عَلَى حِفْظ نَفْسه لَا لِلَّهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْر الدَّقَّاق الْمِصْرِيّ : التَّوْبَة النَّصُوح هِيَ رَدّ الْمَظَالِم , وَاسْتِحْلَال الْخُصُوم , وَإِدْمَان الطَّاعَات . وَقَالَ رُوَيْم : هُوَ أَنْ تَكُون لِلَّهِ وَجْهًا بِلَا قَفًا , كَمَا كُنْت لَهُ عِنْد الْمَعْصِيَة قَفًا بِلَا وَجْه . وَقَالَ ذُو النُّون : عَلَامَة التَّوْبَة النَّصُوح ثَلَاث : قِلَّة الْكَلَام , وَقِلَّة الطَّعَام , وَقِلَّة الْمَنَام . وَقَالَ شَقِيق : هُوَ أَنْ يُكْثِر صَاحِبهَا لِنَفْسِهِ الْمَلَامَة , وَلَا يَنْفَكّ مِنْ النَّدَامَة ; لِيَنْجُوَ مِنْ آفَاتهَا بِالسَّلَامَةِ . وَقَالَ سَرِيّ السَّقَطِيّ : لَا تَصْلُح التَّوْبَة النَّصُوح إِلَّا بِنَصِيحَةِ النَّفْس وَالْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّتْ تَوْبَته أَحَبَّ أَنْ يَكُون النَّاس مِثْله . وَقَالَ الْجُنَيْد : التَّوْبَة النَّصُوح هُوَ أَنْ يَنْسَى الذَّنْب فَلَا يَذْكُرهُ أَبَدًا ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّتْ تَوْبَته صَارَ مُحِبًّا لِلَّهِ , وَمَنْ أَحَبَّ اللَّه نَسِيَ مَا دُون اللَّه . وَقَالَ ذُو الْأُذُنَيْنِ : هُوَ أَنْ يَكُون لِصَاحِبِهَا دَمْع مَسْفُوح , وَقَلْب عَنْ الْمَعَاصِي جَمُوح . وَقَالَ فَتْح الْمَوْصِلِيّ : عَلَامَتهَا ثَلَاث : مُخَالَفَة الْهَوَى , وَكَثْرَة الْبُكَاء , وَمُكَابَدَة الْجُوع وَالظَّمَأ . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ : هِيَ التَّوْبَة لِأَهْلِ السُّنَّة وَالْجَمَاعَة ; لِأَنَّ الْمُبْتَدِع لَا تَوْبَة لَهُ ; بِدَلِيلِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَجَبَ اللَّه عَلَى كُلّ صَاحِب بِدْعَة أَنْ يَتُوب ) . وَعَنْ حُذَيْفَة : بِحَسْب الرَّجُل مِنْ الشَّرّ أَنْ يَتُوب مِنْ الذَّنْب ثُمَّ يَعُود فِيهِ . وَأَصْل التَّوْبَة النَّصُوح مِنْ الْخُلُوص ; يُقَال : هَذَا عَسَل نَاصِح إِذَا خَلَصَ مِنْ الشَّمْع . وَقِيلَ : هِيَ مَأْخُوذَة مِنْ النَّصَاحَة وَهِيَ الْخِيَاطَة . وَفِي أَخْذهَا مِنْهَا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : لِأَنَّهَا تَوْبَة قَدْ أَحْكَمَتْ طَاعَته وَأَوْثَقَتْهَا كَمَا يُحْكِم الْخَيَّاط الثَّوْب بِخِيَاطَتِهِ وَيُوثِقهُ . وَالثَّانِي : لِأَنَّهَا قَدْ جَمَعَتْ بَيْنه وَبَيْنَ أَوْلِيَاء اللَّه وَأَلْصَقَتْهُ بِهِمْ ; كَمَا يَجْمَع الْخَيَّاط الثَّوْب وَيُلْصِق بَعْضه بِبَعْضٍ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " نَصُوحًا " بِفَتْحِ النُّون , عَلَى نَعْت التَّوْبَة , مِثْل اِمْرَأَة صَبُور , أَيْ تَوْبَة بَالِغَة فِي النُّصْح . وَقَرَأَ الْحَسَن وَخَارِجَة وَأَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم بِالضَّمِّ ; وَتَأْوِيله عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة : تَوْبَة نُصْح لِأَنْفُسِكُمْ . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون " نُصُوحًا " , جَمْع نُصْح , وَأَنْ يَكُون مَصْدَرًا , يُقَال : نَصَحَ نَصَاحَة وَنُصُوحًا . وَقَدْ يَتَّفِق فَعَالَة وَفُعُول فِي الْمَصَادِر , نَحْو الذَّهَاب وَالذُّهُوب . وَقَالَ الْمُبَرِّد : أَرَادَ تَوْبَة ذَات نُصْح , يُقَال : نَصَحْت نُصْحًا وَنَصَاحَة وَنُصُوحًا .

الثَّانِيَة : فِي الْأَشْيَاء الَّتِي يُتَاب مِنْهَا وَكَيْفَ التَّوْبَة مِنْهَا . قَالَ الْعُلَمَاء : الذَّنْب الَّذِي تَكُون مِنْهُ التَّوْبَة لَا يَخْلُو , إِمَّا أَنْ يَكُون حَقًّا لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّينَ . فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ كَتَرْكِ صَلَاة فَإِنَّ التَّوْبَة لَا تَصِحّ مِنْهُ حَتَّى يَنْضَمّ إِلَى النَّدَم قَضَاء مَا فَاتَ مِنْهَا . وَهَكَذَا إِنْ كَانَ تَرْك صَوْم أَوْ تَفْرِيطًا فِي الزَّكَاة . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَتْل نَفْس بِغَيْرِ حَقّ فَأَنْ يُمَكَّن مِنْ الْقِصَاص إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَكَانَ مَطْلُوبًا بِهِ . وَإِنْ كَانَ قَذْفًا يُوجِب الْحَدّ فَيَبْذُل ظَهْره لِلْجَلْدِ إِنْ كَانَ مَطْلُوبًا بِهِ . فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ كَفَاهُ النَّدَم وَالْعَزْم عَلَى تَرْك الْعَوْد بِالْإِخْلَاصِ . وَكَذَلِكَ إِنْ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْقَتْل بِمَالٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِنْ كَانَ وَاجِدًا لَهُ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " [ الْبَقَرَة : 178 ] . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَدًّا مِنْ حُدُود اللَّه كَائِنًا مَا كَانَ فَإِنَّهُ إِذَا تَابَ إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالنَّدَمِ الصَّحِيح سَقَطَ عَنْهُ . وَقَدْ نَصَّ اللَّه تَعَالَى عَلَى سُقُوط الْحَدّ عَنْ الْمُحَارِبِينَ إِذَا تَابُوا قَبْل الْقُدْرَة عَلَيْهِمْ . وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُط عَنْهُمْ إِذَا تَابُوا بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِمْ ; حَسْب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه . وَكَذَلِكَ الشُّرَّاب وَالسُّرَّاق وَالزُّنَاة إِذَا أَصْلَحُوا وَتَابُوا وَعُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ , ثُمَّ رُفِعُوا إِلَى الْإِمَام فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحُدَّهُمْ . وَإِنْ رُفِعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا : تُبْنَا , لَمْ يُتْرَكُوا , وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَة كَالْمُحَارِبِينَ إِذَا غُلِبُوا . هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ . فَإِنْ كَانَ الذَّنْب مِنْ مَظَالِم الْعِبَاد فَلَا تَصِحّ التَّوْبَة مِنْهُ إِلَّا بِرَدِّهِ إِلَى صَاحِبه وَالْخُرُوج عَنْهُ - عَيْنًا كَانَ أَوْ غَيْره - إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا فَالْعَزْم أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِذَا قَدَرَ فِي أَعْجَل وَقْت وَأَسْرَعه . وَإِنْ كَانَ أَضَرَّ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ الْوَاحِد لَا يَشْعُر بِهِ أَوْ لَا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُتِيَ , فَإِنَّهُ يُزِيل ذَلِكَ الضَّرَر عَنْهُ , ثُمَّ يَسْأَلهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ وَيَسْتَغْفِر لَهُ , فَإِذَا عَفَا عَنْهُ فَقَدْ سَقَطَ الذَّنْب عَنْهُ . وَإِنْ أَرْسَلَ مَنْ يَسْأَل ذَلِكَ لَهُ , فَعَفَا ذَلِكَ الْمَظْلُوم عَنْ ظَالِمه - عَرَّفَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ لَمْ يُعَرِّفهُ - فَذَلِكَ صَحِيح . وَإِنْ أَسَاءَ رَجُل إِلَى رَجُل بِأَنْ فَزَّعَهُ بِغَيْرِ حَقّ , أَوْ غَمَّهُ أَوْ لَطَمَهُ , أَوْ صَفَعَهُ بِغَيْرِ حَقّ , أَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ فَآلَمَهُ , ثُمَّ جَاءَهُ مُسْتَعْفِيًا نَادِمًا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ , عَازِمًا عَلَى أَلَّا يَعُود , فَلَمْ يَزَلْ يَتَذَلَّل لَهُ حَتَّى طَابَتْ نَفْسه فَعَفَا عَنْهُ , سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الذَّنْب . وَهَكَذَا إِنْ كَانَ شَانَهُ بِشَتْمٍ لَا حَدَّ فِيهِ .

" عَسَى " مِنْ اللَّه وَاجِبَة . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( التَّائِب مِنْ الذَّنْب كَمَنْ لَا ذَنْب لَهُ ) . و " أَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع اِسْم عَسَى .

مَعْطُوف عَلَى " يُكَفِّر " . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي عَبْلَة " وَيُدْخِلْكُمْ " مَجْزُومًا عَطْفًا عَلَى مَحَلّ عَسَى أَنْ يُكَفِّر . كَأَنَّهُ قِيلَ : تُوبُوا يُوجِب تَكْفِير سَيِّئَاتكُمْ وَيُدْخِلكُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار .

الْعَامِل فِي " يَوْم " : " يُدْخِلكُمْ " أَوْ فِعْل مُضْمَر . وَمَعْنَى " يُخْزِي " هُنَا يُعَذِّب , أَيْ لَا يُعَذِّبهُ وَلَا يُعَذِّب الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ .

أَيْ يَمْضِي عَلَى الصِّرَاط فِي قَوْل الْحَسَن , وَهُوَ الضِّيَاء الَّذِي يَمُرُّونَ فِيهِ

أَيْ قُدَّامهمْ .

قَالَ الْفَرَّاء : الْبَاء بِمَعْنَى فِي , أَيْ فِي أَيْمَانهمْ . أَوْ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ عَنْ أَيْمَانهمْ . وَقَالَ الضَّحَّاك : " نُورهمْ " هُدَاهُمْ " وَبِأَيْمَانِهِمْ " كُتُبهمْ , وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ . أَيْ يَسْعَى إِيمَانهمْ وَعَمَلهمْ الصَّالِح بَيْنَ أَيْدِيهمْ , وَفِي أَيْمَانهمْ كُتُب أَعْمَالهمْ . فَالْبَاء عَلَى هَذَا بِمَعْنَى فِي . وَيَجُوز عَلَى هَذَا أَنْ يُوقَف عَلَى " بَيْنَ أَيْدِيهمْ " وَلَا يُوقَف إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى عَنْ . وَقَرَأَ سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيّ وَأَبُو حَيْوَةَ " وَبِأَيْمَانِهِمْ " بِكَسْرِ الْأَلِف , أَرَادَ الْإِيمَان الَّذِي هُوَ ضِدّ الْكُفْر وَعُطِفَ مَا لَيْسَ بِظَرْفٍ عَلَى الظَّرْفِ , لِأَنَّ مَعْنَى الظَّرْف الْحَال وَهُوَ مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ . وَالْمَعْنَى يَسْعَى كَامِنًا " بَيْنَ أَيْدِيهمْ " وَكَائِنًا " بِأَيْمَانِهِمْ " , وَلَيْسَ قَوْله : " بَيْنَ أَيْدِيهمْ " مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ " يَسْعَى " . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالنُّورِ الْقُرْآن . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود : يُؤْتَوْنَ نُورهمْ عَلَى قَدْر أَعْمَالهمْ , فَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى نُوره كَالنَّخْلَةِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى نُوره كَالرَّجُلِ الْقَائِم , وَأَدْنَاهُمْ نُورًا مَنْ نُوره عَلَى إِبْهَام رِجْله فَيُطْفَأ مَرَّة وَيُوقَد أُخْرَى . وَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يُضِيء نُوره كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَة وَعَدَن أَوْ مَا بَيْنَ الْمَدِينَة وَصَنْعَاء وَدُون ذَلِكَ حَتَّى يَكُون مِنْهُمْ مَنْ لَا يُضِيء نُوره إِلَّا مَوْضِع قَدَمَيْهِ ) قَالَ الْحَسَن : لِيَسْتَضِيئُوا بِهِ عَلَى الصِّرَاط كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ مُقَاتِل : لِيَكُونَ دَلِيلًا لَهُمْ إِلَى الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .

قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا : هَذَا دُعَاء الْمُؤْمِنِينَ حِينَ أَطْفَأَ اللَّه نُور الْمُنَافِقِينَ ; حَسْب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي سُورَة " الْحَدِيد " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح حديث معاذ رضي الله عنه

    شرح لحديث معاذ - رضي الله عنه - قَالَ كُنْتُ رِدْيفَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ « يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِى حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ». قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِه شَيْئاً، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ « لاَ تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2497

    التحميل:

  • بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ولزوم اتباعها

    بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ولزوم اتباعها: رسالة قيمة فيها ذِكْر لأصول عقيدة أهل السنة والجماعة إجمالاً، وذكر مفهوم العقيدة، ومن هم أهل السنة والجماعة، وأسماؤهم وصفاتهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1964

    التحميل:

  • الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة

    الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة : يحتوي على بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، قدم له معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144959

    التحميل:

  • الرسالة

    كتاب الرسالة للإمام الشافعي - رحمه الله - أول كتاب صنف في علم أصول الفقه، وهو من أنفس ما كتب في هذا الفن، قال عنه عبد الرحمن بن مهدي « لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لأنني رأيت كلام رجل عاقل فصيح، ناصح، فإني لأكثر الدعاء له ».

    المدقق/المراجع: أحمد محمد شاكر

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205050

    التحميل:

  • خطب التوحيد المنبرية [ شاملة لجميع أبواب كتاب التوحيد ]

    خطب التوحيد المنبرية: فإن كتاب التوحيد للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - من أعظم وأنفس وأجمع الكتب التي ألفت في التوحيد، وقد أشاد به العلماء وتتابع ثناؤهم عليه. وعلى شهرة الكتاب ونفعه العميم، وكثرة شروح العلماء عليه، ومسارعة الطلاب إلى حفظه؛ لم أجد من اعتنى به وأخرجه خُطبًا تُلقى على المنابر مع الحاجة الماسة لذلك. وحيث إن أعظم الاجتماعات التي يجتمع فيها المسلمون يوم الجمعة، ورغبة في نشر هذا العلم العظيم الذي حاد عنه الكثير؛ جمعت هذه الخطب ورتبتها على أبواب كتاب التوحيد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/218465

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة