Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التحريم - الآية 8

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) (التحريم) mp3
هِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّه " أَمْر بِالتَّوْبَةِ وَهِيَ فَرْض عَلَى الْأَعْيَان فِي كُلّ الْأَحْوَال وَكُلّ الْأَزْمَان . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا وَالْقَوْل فِيهَا فِي " النِّسَاء " وَغَيْرهَا . " تَوْبَة نَصُوحًا " اِخْتَلَفَتْ عِبَارَة الْعُلَمَاء وَأَرْبَاب الْقُلُوب فِي التَّوْبَة النَّصُوح عَلَى ثَلَاثَة وَعِشْرِينَ قَوْلًا ; فَقِيلَ : هِيَ الَّتِي لَا عَوْدَة بَعْدهَا كَمَا لَا يَعُود اللَّبَن إِلَى الضَّرْع ; وَرُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْن مَسْعُود وَأُبَيّ بْن كَعْب وَمُعَاذ بْن جَبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَرَفَعَهُ مُعَاذ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ قَتَادَة : النَّصُوح الصَّادِقَة النَّاصِحَة . وَقِيلَ الْخَالِصَة ; يُقَال : نَصَحَ أَيْ أَخْلَصَ لَهُ الْقَوْل . وَقَالَ الْحَسَن : النَّصُوح أَنْ يُبْغِض الذَّنْب الَّذِي أَحَبَّهُ وَيَسْتَغْفِر مِنْهُ إِذَا ذَكَرَهُ . وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي لَا يَثِق بِقَبُولِهَا وَيَكُون عَلَى وَجَل مِنْهَا . وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي لَا يُحْتَاج مَعَهَا إِلَى تَوْبَة . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : التَّوْبَة النَّصُوح النَّدَم بِالْقَلْبِ , وَالِاسْتِغْفَار بِاللِّسَانِ , وَالْإِقْلَاع عَنْ الذَّنْب , وَالِاطْمِئْنَان عَلَى أَنَّهُ لَا يَعُود . . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : هِيَ التَّوْبَة الْمَقْبُولَة ; وَلَا تُقْبَل مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَلَاثَة شُرُوط : خَوْف أَلَّا تُقْبَل , وَرَجَاء أَنْ تُقْبَل , وَإِدْمَان الطَّاعَات . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : تَوْبَة تَنْصَحُونَ بِهَا أَنْفُسكُمْ . وَقَالَ الْقُرَظِيّ : يَجْمَعهَا أَرْبَعَة أَشْيَاء : الِاسْتِغْفَار بِاللِّسَانِ , وَإِقْلَاع بِالْأَبْدَانِ , وَإِضْمَار تَرْك الْعَوْد بِالْجِنَانِ , وَمُهَاجَرَة سَيِّئ الْخِلَّانِ . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : عَلَامَة التَّوْبَة النَّصُوح أَرْبَعَة : الْقِلَّة وَالْعِلَّة وَالذِّلَّة وَالْغُرْبَة . وَقَالَ الْفُضَيْل بْن عِيَاض : هُوَ أَنْ يَكُون الذَّنْب بَيْنَ عَيْنَيْهِ , فَلَا يَزَال كَأَنَّهُ يَنْظُر إِلَيْهِ . وَنَحْوه عَنْ اِبْن السِّمَاك : أَنْ تَنْصِب الذَّنْب الَّذِي أَقْلَلْت فِيهِ الْحَيَاء مِنْ اللَّه أَمَام عَيْنك وَتَسْتَعِدّ لِمُنْتَظِرِك . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : هُوَ أَنْ تَضِيق عَلَيْك الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ , وَتَضِيق عَلَيْك نَفْسك ; كَالثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَاسِطِيّ : هِيَ تَوْبَة لَا لِفَقْدِ عِوَض ; لِأَنَّ مَنْ أَذْنَبَ فِي الدُّنْيَا لِرَفَاهِيَةِ نَفْسه ثُمَّ تَابَ طَلَبًا لِرَفَاهِيَتِهَا فِي الْآخِرَة ; فَتَوْبَته عَلَى حِفْظ نَفْسه لَا لِلَّهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْر الدَّقَّاق الْمِصْرِيّ : التَّوْبَة النَّصُوح هِيَ رَدّ الْمَظَالِم , وَاسْتِحْلَال الْخُصُوم , وَإِدْمَان الطَّاعَات . وَقَالَ رُوَيْم : هُوَ أَنْ تَكُون لِلَّهِ وَجْهًا بِلَا قَفًا , كَمَا كُنْت لَهُ عِنْد الْمَعْصِيَة قَفًا بِلَا وَجْه . وَقَالَ ذُو النُّون : عَلَامَة التَّوْبَة النَّصُوح ثَلَاث : قِلَّة الْكَلَام , وَقِلَّة الطَّعَام , وَقِلَّة الْمَنَام . وَقَالَ شَقِيق : هُوَ أَنْ يُكْثِر صَاحِبهَا لِنَفْسِهِ الْمَلَامَة , وَلَا يَنْفَكّ مِنْ النَّدَامَة ; لِيَنْجُوَ مِنْ آفَاتهَا بِالسَّلَامَةِ . وَقَالَ سَرِيّ السَّقَطِيّ : لَا تَصْلُح التَّوْبَة النَّصُوح إِلَّا بِنَصِيحَةِ النَّفْس وَالْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّتْ تَوْبَته أَحَبَّ أَنْ يَكُون النَّاس مِثْله . وَقَالَ الْجُنَيْد : التَّوْبَة النَّصُوح هُوَ أَنْ يَنْسَى الذَّنْب فَلَا يَذْكُرهُ أَبَدًا ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّتْ تَوْبَته صَارَ مُحِبًّا لِلَّهِ , وَمَنْ أَحَبَّ اللَّه نَسِيَ مَا دُون اللَّه . وَقَالَ ذُو الْأُذُنَيْنِ : هُوَ أَنْ يَكُون لِصَاحِبِهَا دَمْع مَسْفُوح , وَقَلْب عَنْ الْمَعَاصِي جَمُوح . وَقَالَ فَتْح الْمَوْصِلِيّ : عَلَامَتهَا ثَلَاث : مُخَالَفَة الْهَوَى , وَكَثْرَة الْبُكَاء , وَمُكَابَدَة الْجُوع وَالظَّمَأ . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ : هِيَ التَّوْبَة لِأَهْلِ السُّنَّة وَالْجَمَاعَة ; لِأَنَّ الْمُبْتَدِع لَا تَوْبَة لَهُ ; بِدَلِيلِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَجَبَ اللَّه عَلَى كُلّ صَاحِب بِدْعَة أَنْ يَتُوب ) . وَعَنْ حُذَيْفَة : بِحَسْب الرَّجُل مِنْ الشَّرّ أَنْ يَتُوب مِنْ الذَّنْب ثُمَّ يَعُود فِيهِ . وَأَصْل التَّوْبَة النَّصُوح مِنْ الْخُلُوص ; يُقَال : هَذَا عَسَل نَاصِح إِذَا خَلَصَ مِنْ الشَّمْع . وَقِيلَ : هِيَ مَأْخُوذَة مِنْ النَّصَاحَة وَهِيَ الْخِيَاطَة . وَفِي أَخْذهَا مِنْهَا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : لِأَنَّهَا تَوْبَة قَدْ أَحْكَمَتْ طَاعَته وَأَوْثَقَتْهَا كَمَا يُحْكِم الْخَيَّاط الثَّوْب بِخِيَاطَتِهِ وَيُوثِقهُ . وَالثَّانِي : لِأَنَّهَا قَدْ جَمَعَتْ بَيْنه وَبَيْنَ أَوْلِيَاء اللَّه وَأَلْصَقَتْهُ بِهِمْ ; كَمَا يَجْمَع الْخَيَّاط الثَّوْب وَيُلْصِق بَعْضه بِبَعْضٍ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " نَصُوحًا " بِفَتْحِ النُّون , عَلَى نَعْت التَّوْبَة , مِثْل اِمْرَأَة صَبُور , أَيْ تَوْبَة بَالِغَة فِي النُّصْح . وَقَرَأَ الْحَسَن وَخَارِجَة وَأَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم بِالضَّمِّ ; وَتَأْوِيله عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة : تَوْبَة نُصْح لِأَنْفُسِكُمْ . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون " نُصُوحًا " , جَمْع نُصْح , وَأَنْ يَكُون مَصْدَرًا , يُقَال : نَصَحَ نَصَاحَة وَنُصُوحًا . وَقَدْ يَتَّفِق فَعَالَة وَفُعُول فِي الْمَصَادِر , نَحْو الذَّهَاب وَالذُّهُوب . وَقَالَ الْمُبَرِّد : أَرَادَ تَوْبَة ذَات نُصْح , يُقَال : نَصَحْت نُصْحًا وَنَصَاحَة وَنُصُوحًا .

الثَّانِيَة : فِي الْأَشْيَاء الَّتِي يُتَاب مِنْهَا وَكَيْفَ التَّوْبَة مِنْهَا . قَالَ الْعُلَمَاء : الذَّنْب الَّذِي تَكُون مِنْهُ التَّوْبَة لَا يَخْلُو , إِمَّا أَنْ يَكُون حَقًّا لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّينَ . فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ كَتَرْكِ صَلَاة فَإِنَّ التَّوْبَة لَا تَصِحّ مِنْهُ حَتَّى يَنْضَمّ إِلَى النَّدَم قَضَاء مَا فَاتَ مِنْهَا . وَهَكَذَا إِنْ كَانَ تَرْك صَوْم أَوْ تَفْرِيطًا فِي الزَّكَاة . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَتْل نَفْس بِغَيْرِ حَقّ فَأَنْ يُمَكَّن مِنْ الْقِصَاص إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَكَانَ مَطْلُوبًا بِهِ . وَإِنْ كَانَ قَذْفًا يُوجِب الْحَدّ فَيَبْذُل ظَهْره لِلْجَلْدِ إِنْ كَانَ مَطْلُوبًا بِهِ . فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ كَفَاهُ النَّدَم وَالْعَزْم عَلَى تَرْك الْعَوْد بِالْإِخْلَاصِ . وَكَذَلِكَ إِنْ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْقَتْل بِمَالٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِنْ كَانَ وَاجِدًا لَهُ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " [ الْبَقَرَة : 178 ] . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَدًّا مِنْ حُدُود اللَّه كَائِنًا مَا كَانَ فَإِنَّهُ إِذَا تَابَ إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالنَّدَمِ الصَّحِيح سَقَطَ عَنْهُ . وَقَدْ نَصَّ اللَّه تَعَالَى عَلَى سُقُوط الْحَدّ عَنْ الْمُحَارِبِينَ إِذَا تَابُوا قَبْل الْقُدْرَة عَلَيْهِمْ . وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُط عَنْهُمْ إِذَا تَابُوا بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِمْ ; حَسْب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه . وَكَذَلِكَ الشُّرَّاب وَالسُّرَّاق وَالزُّنَاة إِذَا أَصْلَحُوا وَتَابُوا وَعُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ , ثُمَّ رُفِعُوا إِلَى الْإِمَام فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحُدَّهُمْ . وَإِنْ رُفِعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا : تُبْنَا , لَمْ يُتْرَكُوا , وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَة كَالْمُحَارِبِينَ إِذَا غُلِبُوا . هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ . فَإِنْ كَانَ الذَّنْب مِنْ مَظَالِم الْعِبَاد فَلَا تَصِحّ التَّوْبَة مِنْهُ إِلَّا بِرَدِّهِ إِلَى صَاحِبه وَالْخُرُوج عَنْهُ - عَيْنًا كَانَ أَوْ غَيْره - إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا فَالْعَزْم أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِذَا قَدَرَ فِي أَعْجَل وَقْت وَأَسْرَعه . وَإِنْ كَانَ أَضَرَّ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ الْوَاحِد لَا يَشْعُر بِهِ أَوْ لَا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُتِيَ , فَإِنَّهُ يُزِيل ذَلِكَ الضَّرَر عَنْهُ , ثُمَّ يَسْأَلهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ وَيَسْتَغْفِر لَهُ , فَإِذَا عَفَا عَنْهُ فَقَدْ سَقَطَ الذَّنْب عَنْهُ . وَإِنْ أَرْسَلَ مَنْ يَسْأَل ذَلِكَ لَهُ , فَعَفَا ذَلِكَ الْمَظْلُوم عَنْ ظَالِمه - عَرَّفَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ لَمْ يُعَرِّفهُ - فَذَلِكَ صَحِيح . وَإِنْ أَسَاءَ رَجُل إِلَى رَجُل بِأَنْ فَزَّعَهُ بِغَيْرِ حَقّ , أَوْ غَمَّهُ أَوْ لَطَمَهُ , أَوْ صَفَعَهُ بِغَيْرِ حَقّ , أَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ فَآلَمَهُ , ثُمَّ جَاءَهُ مُسْتَعْفِيًا نَادِمًا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ , عَازِمًا عَلَى أَلَّا يَعُود , فَلَمْ يَزَلْ يَتَذَلَّل لَهُ حَتَّى طَابَتْ نَفْسه فَعَفَا عَنْهُ , سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الذَّنْب . وَهَكَذَا إِنْ كَانَ شَانَهُ بِشَتْمٍ لَا حَدَّ فِيهِ .

" عَسَى " مِنْ اللَّه وَاجِبَة . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( التَّائِب مِنْ الذَّنْب كَمَنْ لَا ذَنْب لَهُ ) . و " أَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع اِسْم عَسَى .

مَعْطُوف عَلَى " يُكَفِّر " . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي عَبْلَة " وَيُدْخِلْكُمْ " مَجْزُومًا عَطْفًا عَلَى مَحَلّ عَسَى أَنْ يُكَفِّر . كَأَنَّهُ قِيلَ : تُوبُوا يُوجِب تَكْفِير سَيِّئَاتكُمْ وَيُدْخِلكُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار .

الْعَامِل فِي " يَوْم " : " يُدْخِلكُمْ " أَوْ فِعْل مُضْمَر . وَمَعْنَى " يُخْزِي " هُنَا يُعَذِّب , أَيْ لَا يُعَذِّبهُ وَلَا يُعَذِّب الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ .

أَيْ يَمْضِي عَلَى الصِّرَاط فِي قَوْل الْحَسَن , وَهُوَ الضِّيَاء الَّذِي يَمُرُّونَ فِيهِ

أَيْ قُدَّامهمْ .

قَالَ الْفَرَّاء : الْبَاء بِمَعْنَى فِي , أَيْ فِي أَيْمَانهمْ . أَوْ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ عَنْ أَيْمَانهمْ . وَقَالَ الضَّحَّاك : " نُورهمْ " هُدَاهُمْ " وَبِأَيْمَانِهِمْ " كُتُبهمْ , وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ . أَيْ يَسْعَى إِيمَانهمْ وَعَمَلهمْ الصَّالِح بَيْنَ أَيْدِيهمْ , وَفِي أَيْمَانهمْ كُتُب أَعْمَالهمْ . فَالْبَاء عَلَى هَذَا بِمَعْنَى فِي . وَيَجُوز عَلَى هَذَا أَنْ يُوقَف عَلَى " بَيْنَ أَيْدِيهمْ " وَلَا يُوقَف إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى عَنْ . وَقَرَأَ سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيّ وَأَبُو حَيْوَةَ " وَبِأَيْمَانِهِمْ " بِكَسْرِ الْأَلِف , أَرَادَ الْإِيمَان الَّذِي هُوَ ضِدّ الْكُفْر وَعُطِفَ مَا لَيْسَ بِظَرْفٍ عَلَى الظَّرْفِ , لِأَنَّ مَعْنَى الظَّرْف الْحَال وَهُوَ مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ . وَالْمَعْنَى يَسْعَى كَامِنًا " بَيْنَ أَيْدِيهمْ " وَكَائِنًا " بِأَيْمَانِهِمْ " , وَلَيْسَ قَوْله : " بَيْنَ أَيْدِيهمْ " مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ " يَسْعَى " . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالنُّورِ الْقُرْآن . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود : يُؤْتَوْنَ نُورهمْ عَلَى قَدْر أَعْمَالهمْ , فَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى نُوره كَالنَّخْلَةِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى نُوره كَالرَّجُلِ الْقَائِم , وَأَدْنَاهُمْ نُورًا مَنْ نُوره عَلَى إِبْهَام رِجْله فَيُطْفَأ مَرَّة وَيُوقَد أُخْرَى . وَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يُضِيء نُوره كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَة وَعَدَن أَوْ مَا بَيْنَ الْمَدِينَة وَصَنْعَاء وَدُون ذَلِكَ حَتَّى يَكُون مِنْهُمْ مَنْ لَا يُضِيء نُوره إِلَّا مَوْضِع قَدَمَيْهِ ) قَالَ الْحَسَن : لِيَسْتَضِيئُوا بِهِ عَلَى الصِّرَاط كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ مُقَاتِل : لِيَكُونَ دَلِيلًا لَهُمْ إِلَى الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .

قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا : هَذَا دُعَاء الْمُؤْمِنِينَ حِينَ أَطْفَأَ اللَّه نُور الْمُنَافِقِينَ ; حَسْب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي سُورَة " الْحَدِيد " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حديث: «مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم» دراسة حديثية دعوية

    حديث: «مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم» دراسة حديثية دعوية: في هذه الرسالة دراسة لهذا الحديث فهمًا، واستنباطًا للأحكام القيمة، والدروس النافعة بقدر المستطاع، ليكون دليلاً وهاديًا لكل مسلم، وبالأخص لكل داعيةٍ يريد سلوك صراط الله تعالى على فهمٍ وبصيرةٍ.

    الناشر: شبكة السنة النبوية وعلومها www.alssunnah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330178

    التحميل:

  • شؤم المعصية وأثره في حياة الأمة من الكتاب والسنة

    كتاب يتحدث عن آثار المعاصي على الكون والأحياء، وذلك في عدة فصول منها: منشأ المعاصي وأسبابها، أثر المعصية في الأمم السابقة، أثر المعصية في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، أمور خطيرة لايفطن لها العبد شؤمها شنيع ووقوعها سريع، أثر المعصية على العبد وأثار تركها، كيف تتوب وتحمي نفسك من المعاصي؟ المخرج من شؤم المعصية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/57989

    التحميل:

  • في بيتنا خادمة

    في بيتنا خادمة: تحتوي هذه الرسالة على العناصر التالية: هل نحن بحاجة إلى خادمة؟ اختيار الخادمة، ما هو المطلوب من الخادمة؟ إيجابيات الخادمات، معاملة الخدم، معاملة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع خادمه، فتاوى الاختلاط مع الخادمات، فتوى في حكم استقدام الخادمة من الخارج بدون محرم، هل نستطيع أن نتخلص من الخادمة؟ فضل القيام على إعانة الزوجة وخدمة الأهل.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228673

    التحميل:

  • مجمل عقيدة السلف الصالح

    كتيب يبين معنى الإيمان بالله، والإيمان بالقدر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314798

    التحميل:

  • التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

    التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: قال المؤلف - حفظه الله -: «فإن القرآن الكريم كلام الله - عز وجل - أنزله على قلب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون من المُنذِرين، وما زال العلماء - منذ نزوله - يتعاقبون على دراسته، ويعكُفون على النهل من معينه، والتزوُّد من هدايته. ومن أعظم ما أُلِّف في هذا الشأن في العصور المتأخرة ما رقمته يراعةُ العالم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور - رحمه الله -، وذلك في تفسيره المعروف بـ: «التحرير والتنوير». ونظرًا لعظم شأن تفسيره، ولأنه ملِيء بكنور من العلم والمعارف والثقافة، ولكونه مُطوَّلاً .. فقد رأيتُ أن أستخرج بعض اللطائف الرائعة، واللفتات البارعة التي احتوى عليها ذلك التفسير العظيم؛ رغبةً في عموم النفع، وإسهامًا في التعريف بهذا العمل الجليل الذي لا يخطر لكثيرٍ من طلبة العلم - فضلاً عن غيرهم - ما يشتمل عليه من نفائس العلم وغواليه، وقد سميته: «التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور»».

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355729

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة