Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الطلاق - الآية 7

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7) (الطلاق) mp3
فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " لِيُنْفِق " أَيْ لِيُنْفِق الزَّوْج عَلَى زَوْجَته وَعَلَى وَلَده الصَّغِير عَلَى قَدْر وُسْعه حَتَّى يُوَسِّع عَلَيْهِمَا إِذَا كَانَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ . وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَى قَدْر ذَلِكَ . فَتُقَدَّر النَّفَقَة بِحَسَبِ الْحَالَة مِنْ الْمُنْفِق وَالْحَاجَة مِنْ الْمُنْفَق عَلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى مَجْرَى حَيَاة الْعَادَة ; فَيَنْظُر الْمُفْتِي إِلَى قَدْر حَاجَة الْمُنْفَق عَلَيْهُ ثُمَّ يَنْظُر إِلَى حَالَة الْمُنْفِق , فَإِنْ اِحْتَمَلْت الْحَالَة أَمْضَاهَا عَلَيْهِ , فَإِنْ اِقْتَصَرَتْ حَالَته عَلَى حَاجَة الْمُنْفَق عَلَيْهِ رَدَّهَا إِلَى قَدْر اِحْتِمَاله . وَقَالَ الْإِمَام الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَصْحَابه : النَّفَقَة مُقَدَّرَة مُحَدَّدَة , وَلَا اِجْتِهَاد لِحَاكِمٍ وَلَا لِمُفْتٍ فِيهَا . وَتَقْدِيرهَا هُوَ بِحَالِ الزَّوْج وَحْده مِنْ يُسْره وَعُسْره , وَلَا يَعْتَبِر بِحَالِهَا وَكِفَايَتهَا . قَالُوا : فَيَجِب لِابْنَةِ الْخَلِيفَة مَا يَجِب لِابْنَةِ الْحَارِس . فَإِنْ كَانَ الزَّوْج مُوسِرًا لَزِمَهُ مُدَّانِ , وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَمُدّ وَنِصْف , وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَمُدّ . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لِيُنْفِق ذُو سَعَة مِنْ سَعَته " الْآيَة . فَجَعَلَ الِاعْتِبَار بِالزَّوْجِ فِي الْيُسْر وَالْعُسْر دُونهَا ; وَلِأَنَّ الِاعْتِبَار بِكِفَايَتِهَا لَا سَبِيل إِلَى عِلْمه لِلْحَاكِمِ وَلَا لِغَيْرِهِ ; فَيُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَة ; لِأَنَّ الزَّوْج يَدَّعِي أَنَّهَا تَلْتَمِس فَوْق كِفَايَتهَا , وَهِيَ تَزْعُم أَنَّ الَّذِي تَطْلُب قَدْر كِفَايَتهَا ; فَجَعَلْنَاهَا مُقَدَّرَة قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ . وَالْأَصْل فِي هَذَا عِنْدهمْ قَوْله تَعَالَى : " لِيُنْفِق ذُو سَعَة مِنْ سَعَته " - كَمَا ذَكَرْنَا - وَقَوْله : " عَلَى الْمُوسِع قَدْره وَعَلَى الْمُقْتِر قَدْره " [ الْبَقَرَة : 236 ] . وَالْجَوَاب أَنَّ هَذِهِ الْآيَة لَا تُعْطِي أَكْثَر مِنْ فَرْق بَيْن نَفَقَة الْغَنِيّ وَالْفَقِير , وَإِنَّهَا تَخْتَلِف بِعُسْرِ الزَّوْج وَيُسْره . وَهَذَا مُسَلَّم . فَأَمَّا إِنَّهُ لَا اِعْتِبَار بِحَالِ الزَّوْجَة عَلَى وَجْهه فَلَيْسَ فِيهِ , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَعَلَى الْمَوْلُود لَهُ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ " [ الْبَقَرَة : 233 ] وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعَلُّق الْمَعْرُوف فِي حَقّهمَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصّ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا مِنْهُمَا . وَلَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوف أَنْ يَكُون كِفَايَة الْغَنِيَّة مِثْل نَفَقَة الْفَقِيرَة ; وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ : ( خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدك بِالْمَعْرُوفِ ) . فَأَحَالَهَا عَلَى الْكِفَايَة حِين عَلِمَ السَّعَة مِنْ حَال أَبِي سُفْيَان الْوَاجِب عَلَيْهِ بِطَلَبِهَا , وَلَمْ يَقُلْ لَهَا لَا اِعْتِبَار بِكِفَايَتِك وَأَنَّ الْوَاجِب لَك شَيْء مُقَدَّر , بَلْ رَدَّهَا إِلَى مَا يَعْلَمهُ مِنْ قَدْر كِفَايَتهَا وَلَمْ يُعَلِّقهُ بِمِقْدَارٍ مَعْلُوم . ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّحْدِيد يَحْتَاج إِلَى تَوْقِيف ; وَالْآيَة لَا تَقْتَضِيه .

الثَّانِيَة : رُوِيَ أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَرَضَ لِلْمَنْفُوسِ مِائَة دِرْهَم , وَفَرَضَ لَهُ عُثْمَان خَمْسِينَ دِرْهَمًا . اِبْن الْعَرَبِيّ : " وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون هَذَا الِاخْتِلَاف بِحَسَبِ اِخْتِلَاف السِّنِينَ أَوْ بِحَسَبِ حَال الْقَدْر فِي التَّسْعِير لِثَمَنِ الْقُوت وَالْمَلْبَس , وَقَدْ رَوَى مُحَمَّد بْن هِلَال الْمُزَنِيّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي وَجَدَّتِي أَنَّهَا كَانَتْ تَرِد عَلَى عُثْمَان فَفَقَدَهَا فَقَالَ لِأَهْلِهِ : مَا لِي لَا أَرَى فُلَانَة ؟ فَقَالَتْ اِمْرَأَته : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , وَلَدَتْ اللَّيْلَة ; فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَشُقَيْقَة سُنْبُلَانِيَّة . ثُمَّ قَالَ : هَذَا عَطَاء اِبْنك وَهَذِهِ كَسَوْته , فَإِذَا مَرَّتْ لَهُ سَنَة رَفَعْنَاهُ إِلَى مِائَة . وَقَدْ أُتِيَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِمَنْبُوذٍ فَفَرَضَ لَهُ مِائَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : ( هَذَا الْفَرْض قَبْل الْفِطَام مِمَّا اِخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاء ; فَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ مُسْتَحَبًّا لِأَنَّهُ دَاخِل فِي حُكْم الْآيَة , وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ وَاجِبًا لِمَا تَجَدَّدَ مِنْ حَاجَته وَعَرَضَ مِنْ مُؤْنَته ; وَبِهِ أَقُول . وَلَكِنْ يَخْتَلِف قَدْره بِحَالِهِ عِنْد الْوِلَادَة وَبِحَالِهِ عِنْد الْفِطَام . وَقَدْ رَوَى سُفْيَان بْن وَهْب أَنَّ عُمَر أَخَذَ الْمُدّ بِيَدٍ وَالْقِسْط بِيَدٍ فَقَالَ : إِنِّي فَرَضْت لِكُلِّ نَفْس مُسْلِمَة فِي كُلّ شَهْر مُدَّيْ حِنْطَة وَقِسْطَيْ خَلّ وَقِسْطَيْ زَيْت . زَادَ غَيْره : وَقَالَ إِنَّا قَدْ أَجْرَيْنَا لَكُمْ أُعْطِيَاتكُمْ وَأَرْزَاقكُمْ فِي كُلّ شَهْر , فَمَنْ اِنْتَقَصَهَا فَعَلَ اللَّه بِهِ كَذَا وَكَذَا ; فَدَعَا عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : كَمْ سُنَّة رَاشِدَة مَهْدِيَّة قَدْ سَنَّهَا عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! وَالْمُدّ وَالْقِسْط كَيْلَانِ شَامِيَّانِ فِي الطَّعَام وَالْإِدَام ; وَقَدْ دُرِسَا بِعُرْفٍ آخَر . فَأَمَّا الْمُدّ فَدُرِسَ إِلَى الْكَيْلَجَة . وَأَمَّا الْقِسْط فَدُرِسَ إِلَى الْكَيْل , وَلَكِنَّ التَّقْدِير فِيهِ عِنْدنَا رُبْعَانِ فِي الطَّعَام وَثُمُنَانِ فِي الْإِدَام . وَأَمَّا الْكِسْوَة فَبِقَدْرِ الْعَادَة قَمِيص وَسَرَاوِيل وَجُبَّة فِي الشِّتَاء وَكِسَاء وَإِزَار وَحَصِير . وَهَذَا الْأَصْل , وَيُتَزَيَّد بِحَسَبِ الْأَحْوَال وَالْعَادَة " .

الثَّالِثَة : هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي وُجُوب النَّفَقَة لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِد دُون الْأُمّ ; خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْن الْمَوَّاز يَقُول : إِنَّهَا عَلَى الْأَبَوَيْنِ عَلَى قَدْر الْمِيرَاث . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَلَعَلَّ مُحَمَّدًا أَرَادَ أَنَّهَا عَلَى الْأُمّ عِنْد عَدَم الْأَب . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( تَقُول لَك الْمَرْأَة أَنْفِقْ عَلَيَّ وَإِلَّا فَطَلِّقْنِي وَيَقُول لَك الْعَبْد أَنْفِقْ عَلَيَّ وَاسْتَعْمِلْنِي وَيَقُول لَك وَلَدك أَنْفِقْ عَلَيَّ إِلَى مَنْ تَكِلنِي ) فَقَدْ تَعَاضَدَ الْقُرْآن وَالسُّنَّة وَتَوَارَدَا فِي شِرْعَة وَاحِدَة .

الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى : " لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا " أَيْ لَا يُكَلِّف الْفَقِير مِثْل مَا يُكَلَّف الْغَنِيّ . " سَيَجْعَلُ اللَّه بَعْد عُسْر يُسْرًا " أَيْ بَعْد الضِّيق غِنًى , وَبَعْد الشِّدَّة سَعَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • 48 سؤالاً في الصيام

    48 سؤالاً في الصيام: كتيب يحتوي على إجابة 48 سؤالاً في الصيام، وهي من الأسئلة التي يكثر السؤال عنها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1982

    التحميل:

  • رسالة إلى كل وافد

    رسالة الى كل وافد: قال المصنف - حفظه الله -: «فإنه يعيش بين أظهرنا وتحت سماءنا أحبة كرام وفدوا إلينا من مختلف الأقطار العربية والإسلامية, ولِمَا علمت من حقوقهم علينا وتأملت خلو الساحة من كتيب موجه لهم - رغم كثرتهم - وحاجتهم لذلك سطرت بعض صفحات يسيرة ونقاط سريعة مُقدِّمًا اعتذاري عن قصر المادة المطروحة ونقصها».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228671

    التحميل:

  • صلاة الاستسقاء في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة الاستسقاء في ضوء الكتاب والسنة: قال المؤلف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة الاستسقاء وما يتعلق بها من أحكام، بيَّنت فيها بفضل الله تعالى: مفهوم الاستسقاء، وحكمه، وأسباب القحط وحبس المطر، وأنواع الاستسقاء، وآدابه التي ينبغي للمسلمين أن يلتزموا بها في الاستسقاء، وبيّنت كيفية صلاة الاستسقاء، وموضع خطبة الاستسقاء، وأن السنة في الدعاء المبالغة في رفع اليدين، ثم ذكرت أدعية نبوية ثبتت في الاستسقاء، وأن السنة تحويل الرداء في آخر خطبة الاستسقاء واستقبال القبلة، وبيَّنت أن الاستسقاء بالكواكب والأنواء من أمور الجاهلية، ثم ذكرت الآداب المختصة بالمطر، وختمت بذكر آيات من آيات الله تعالى: الرعد، والبرق، والصواعق، والزلازل فذكرت كلام أهل العلم على ذلك، وقد استفدت كثيرًا من تقريرات، وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله تعالى -».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1938

    التحميل:

  • التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم

    هذا البحث ( التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم ) بين الباحث صوراً من تطاول البشر على الله سبحانه وتعالى، وصوراً من تطاول أهل الكتاب على الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، كما تطرق البحث إلى تطاول الكفار على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في عهده الشريف، وتبين أن التطاول عليه صلى الله عليه وسلم من قبل أهل الكتاب له أسباب جوهرية ذكرها القرآن الكريم وبينها غاية البيان، وهذا من عظمة هذا القرآن الكريم، ولم يتناول البحث الوسائل والأساليب التي تتحقق بها هذه الأسباب؛ لأنها أدوات لها غير مؤثرة بنفسها، وظهر أيضاً أن الأسباب المعاصرة التي تدعو أهل الكتاب للتطاول على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هي الأسباب السابقة مضافاً إليها بعض الأسباب التي استجدت مما تضمنه هذا البحث.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/257581

    التحميل:

  • فهرس موضوعات القرآن الكريم

    هذا الكتاب فهرسة جيدة لموضوعات آيات القرآن الكريم، تناسب المهتمين بالبحث والنظر والدراسات التي تُعنى بتقسيم آيات القرآن الكريم تقسيماً موضوعياً.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371331

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة