Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الطلاق - الآية 2

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) (الطلاق) mp3
أَيْ قَارَبْنَ اِنْقِضَاء الْعِدَّة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ " [ الْبَقَرَة : 231 ] أَيْ قَرُبْنَ مِنْ اِنْقِضَاء الْأَجَل .

يَعْنِي الْمُرَاجَعَة بِالْمَعْرُوفِ ; أَيْ بِالرَّغْبَةِ مِنْ غَيْر قَصْد الْمُضَارَّة فِي الرَّجْعَة تَطْوِيلًا لِعِدَّتِهَا . كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " .

أَيْ اُتْرُكُوهُنَّ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتهنَّ فَيَمْلِكْنَ أَنْفُسهنَّ . وَفِي قَوْله تَعَالَى : " فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلهنَّ " مَا يُوجِب أَنْ يَكُون الْقَوْل قَوْل الْمَرْأَة فِي اِنْقِضَاء الْعِدَّة إِذَا اِدَّعَتْ ذَلِكَ , عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَة " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى : " وَلَا يَحِلّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّه فِي أَرْحَامهنَّ " [ الْبَقَرَة : 228 ] الْآيَة .

فِيهِ سِتّ مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَأَشْهِدُوا " أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الطَّلَاق . وَقِيلَ : عَلَى الرَّجْعَة . وَالظَّاهِر رُجُوعه إِلَى الرَّجْعَة لَا إِلَى الطَّلَاق . فَإِنْ رَاجَعَ مِنْ غَيْر إِشْهَاد فَفِي صِحَّة الرَّجْعَة قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَأَشْهِدُوا عِنْد الرَّجْعَة وَالْفُرْقَة جَمِيعًا . وَهَذَا الْإِشْهَاد مَنْدُوب إِلَيْهِ عِنْد أَبِي حَنِيفَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ " [ الْبَقَرَة : 282 ] . وَعِنْد الشَّافِعِيّ وَاجِب فِي الرَّجْعَة , مَنْدُوب إِلَيْهِ فِي الْفُرْقَة . وَفَائِدَة الْإِشْهَاد أَلَّا يَقَع بَيْنهمَا التَّجَاحُد , وَأَلَّا يُتَّهَم فِي إِمْسَاكهَا , وَلِئَلَّا يَمُوت أَحَدهمَا فَيَدَّعِي الْبَاقِي ثُبُوت الزَّوْجِيَّة لِيَرِث .

الثَّانِيَة : الْإِشْهَاد عِنْد أَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى الرَّجْعَة نَدْب . وَإِذَا جَامَعَ أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ يُرِيد بِذَلِكَ الرَّجْعَة , وَتَكَلَّمَ بِالرَّجْعَةِ يُرِيد بِهِ الرَّجْعَة فَهُوَ مُرَاجِع عِنْد مَالِك , وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الرَّجْعَة فَلَيْسَ بِمُرَاجِعٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : إِذَا قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَامَسَ بِشَهْوَةٍ فَهُوَ رَجْعَة . وَقَالُوا : وَالنَّظَر إِلَى الْفَرْج رَجْعَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر : إِذَا تَكَلَّمَ بِالرَّجْعَةِ فَهُوَ رَجْعَة . وَقَدْ قِيلَ : وَطْؤُهُ مُرَاجَعَة عَلَى كُلّ حَال , نَوَاهَا أَوْ لَمْ يَنْوِهَا . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَة مِنْ أَصْحَاب مَالِك . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ اللَّيْث . وَكَانَ مَالِك يَقُول : إِذَا وَطِئَ وَلَمْ يَنْوِ الرَّجْعَة فَهُوَ وَطْء فَاسِد ; وَلَا يَعُود لِوَطْئِهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا مِنْ مَائِهِ الْفَاسِد , وَلَهُ الرَّجْعَة فِي بَقِيَّة الْعِدَّة الْأُولَى , وَلَيْسَ لَهُ رَجْعَة فِي هَذَا الِاسْتِبْرَاء .

الثَّالِثَة : أَوْجَبَ الْإِشْهَاد فِي الرَّجْعَة أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي أَحَد قَوْلَيْهِ , وَالشَّافِعِيّ كَذَلِكَ لِظَاهِرِ الْأَمْر . وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَوْل الْآخَر : إِنَّ الرَّجْعَة لَا تَفْتَقِر إِلَى الْقَبُول , فَلَمْ تَفْتَقِر إِلَى الْإِشْهَاد كَسَائِرِ الْحُقُوق , وَخُصُوصًا حِلّ الظِّهَار بِالْكَفَّارَةِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَرَكِبَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ عَلَى وُجُوب الْإِشْهَاد فِي الرَّجْعَة أَنَّهُ لَا يَصِحّ أَنْ يَقُول : كُنْت رَاجَعْت أَمْس وَأَنَا أَشْهَد الْيَوْم عَلَى الْإِقْرَار بِالرَّجْعَةِ , وَمِنْ شَرْط الرَّجْعَة الْإِشْهَاد فَلَا تَصِحّ دُونه . وَهَذَا فَاسِد مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْإِشْهَاد فِي الرَّجْعَة تَعَبُّد . وَنَحْنُ لَا نُسَلِّم فِيهَا وَلَا فِي النِّكَاح بِأَنْ نَقُول : إِنَّهُ مَوْضِع لِلتَّوَثُّقِ , وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الْإِقْرَار كَمَا هُوَ مَوْجُود فِي الْإِنْشَاء .

الرَّابِعَة : مَنْ اِدَّعَى بَعْد اِنْقِضَاء الْعِدَّة أَنَّهُ رَاجَعَ اِمْرَأَته فِي الْعِدَّة , فَإِنْ صَدَّقَتْهُ جَازَ وَإِنْ أَنْكَرَتْ حَلَفَتْ , فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَة أَنَّهُ اِرْتَجَعَهَا فِي الْعِدَّة وَلَمْ تَعْلَم بِذَلِكَ لَمْ يَضُرّهُ جَهْلهَا بِذَلِكَ , وَكَانَتْ زَوْجَته , وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ وَلَمْ يَدْخُل بِهَا ثُمَّ أَقَامَ الْأَوَّل الْبَيِّنَة عَلَى رَجْعَتهَا فَعَنْ مَالِك فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّ الْأَوَّل أَحَقّ بِهَا . وَالْأُخْرَى : أَنَّ الثَّانِي أَحَقّ بِهَا . فَإِنْ كَانَ الثَّانِي قَدْ دَخَلَ بِهَا فَلَا سَبِيل لِلْأَوَّلِ إِلَيْهَا .

الْخَامِسَة : قَوْله تَعَالَى : " ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ " قَالَ الْحَسَن : مِنْ الْمُسْلِمِينَ . وَعَنْ قَتَادَة : مِنْ أَحْرَاركُمْ . وَذَلِكَ يُوجِب اِخْتِصَاص الشَّهَادَة عَلَى الرَّجْعَة بِالذُّكُورِ دُون الْإِنَاث ; لِأَنَّ " ذَوَيْ " مُذَكَّر . وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا مَدْخَل لِلنِّسَاءِ فِيمَا عَدَا الْأَمْوَال . وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي سُورَة " الْبَقَرَة " .

أَيْ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّه فِي إِقَامَة الشَّهَادَة عَلَى وَجْههَا , إِذَا مَسَّتْ الْحَاجَة إِلَيْهَا مِنْ غَيْر تَبْدِيل وَلَا تَغْيِير . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الْبَقَرَة " مَعْنَاهُ عِنْد قَوْله تَعَالَى : " وَأَقُوم لِلشَّهَادَةِ " [ الْبَقَرَة : 282 ] .

أَيْ يَرْضَى بِهِ .

فَأَمَّا غَيْر الْمُؤْمِن فَلَا يَنْتَفِع بِهَذِهِ الْمَوَاعِظ .

عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ أَلْفًا هَلْ لَهُ مِنْ مَخْرَج ؟ فَتَلَاهَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالشَّعْبِيّ وَالضَّحَّاك : هَذَا فِي الطَّلَاق خَاصَّة ; أَيْ مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّه يَكُنْ لَهُ مَخْرَج فِي الرَّجْعَة فِي الْعِدَّة , وَأَنْ يَكُون كَأَحَدِ الْخُطَّاب بَعْد الْعِدَّة . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا " يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا " يُنْجِيه مِنْ كُلّ كَرْب فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَقِيلَ : الْمَخْرَج هُوَ أَنْ يُقْنِعهُ اللَّه بِمَا رَزَقَهُ ; قَالَهُ عَلِيّ بْن صَالِح . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه " بِالصَّبْرِ عِنْد الْمُصِيبَة . " يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا " مِنْ النَّار إِلَى الْجَنَّة . وَقَالَ الْحَسَن : مَخْرَجًا مِمَّا نَهَى اللَّه عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : مَخْرَجًا مِنْ كُلّ شِدَّة . الرَّبِيع بْن خَيْثَم : " يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا " مِنْ كُلّ شَيْء ضَاقَ عَلَى النَّاس . الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه " فِي أَدَاء الْفَرَائِض , " يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا " مِنْ الْعُقُوبَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • بيان أركان الإيمان

    بيان أركان الإيمان: خلاصة لمحاضرات في أركان الإيمان ألقيتها في عدة مناسبات، وقد طلب مني بعض الحضور كتابتها، والإذن بنشرها، لينتفع بها، ورجاء أن يعم الله تعالى بنفعها، لشدة الحاجة إلى الإلمام بموضوعها.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330473

    التحميل:

  • خطوات إلى السعادة

    خطوات إلى السعادة : مقتطفات مختصرة في موضوعات متنوعة تعين العبد للوصول إلى شاطئ السعادة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203875

    التحميل:

  • كيف نعيش رمضان؟

    كيف نعيش رمضان؟: رسالةٌ ألقت الضوء على كيفية استقبال شهر رمضان، وما هي طرق استغلاله في تحصيل الأجور والحسنات.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364323

    التحميل:

  • جزيرة العرب بين التشريف والتكليف

    جزيرة العرب بين التشريف والتكليف: في هذه الأوراق يتحدَّث الشيخ - حفظه الله - عن جزيرة العرب وشيء من تاريخها، وكما أنها تميَّزت بأشياء كثيرة جدًّا، إلا أن على عاتقها تكاليف عديدة لا بُدَّ من السعي لتقديمها.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337581

    التحميل:

  • العشيقة

    العشيقة: رسالةٌ تتحدَّث عن الجنة ونعيمها بأسلوبٍ مُشوِّقٍ جذَّاب، يأخذ بالألباب؛ حيث شبَّهها المؤلف - حفظه الله - بالعشيقة التي يسعى إليها الساعون، ويتنافَس في تحصيلها المُتنافِسون، وهكذا الجنة؛ تريد من يُشمِّر لها عن ساعد الجد، ويهجر الكسل والنوم؛ فإنها سلعة الله الغالية.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333919

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة