Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التغابن - الآية 2

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) (التغابن) mp3
قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ اللَّه خَلَقَ بَنِي آدَم مُؤْمِنًا وَكَافِرًا , وَيُعِيدهُمْ فِي يَوْم الْقِيَامَة مُؤْمِنًا وَكَافِرًا . وَرَوَى أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : خَطَبَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّة فَذَكَرَ شَيْئًا مِمَّا يَكُون فَقَالَ : ( يُولَد النَّاس عَلَى طَبَقَات شَتَّى . يُولَد الرَّجُل مُؤْمِنًا وَيَعِيش مُؤْمِنًا وَيَمُوت مُؤْمِنًا . وَيُولَد الرَّجُل كَافِرًا وَيَعِيش كَافِرًا وَيَمُوت كَافِرًا . وَيُولَد الرَّجُل مُؤْمِنًا وَيَعِيش مُؤْمِنًا وَيَمُوت كَافِرًا . وَيُولَد الرَّجُل كَافِرًا وَيَعِيش كَافِرًا وَيَمُوت مُؤْمِنًا ) . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَلَقَ اللَّه فِرْعَوْن فِي بَطْن أُمّه كَافِرًا وَخَلَقَ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا فِي بَطْن أُمّه مُؤْمِنًا ) . وَفِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود : ( وَإِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا إِلَّا ذِرَاع أَوْ بَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّار فَيَدْخُلهَا . وَإِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّار حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا إِلَّا ذِرَاع أَوْ بَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة فَيَدْخُلهَا ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْبَاع . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الرَّجُل لَيَعْمَل عَمَل أَهْل الْجَنَّة فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار . وَإِنَّ الرَّجُل لَيَعْمَل عَمَل أَهْل النَّار فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَالْمَعْنَى تَعَلُّق الْعِلْم الْأَزَلِيّ بِكُلِّ مَعْلُوم ; فَيَجْرِي مَا عَلِمَ وَأَرَادَ وَحَكَمَ . فَقَدْ يُرِيد إِيمَان شَخْص عَلَى عُمُوم الْأَحْوَال , وَقَدْ يُرِيدهُ إِلَى وَقْت مَعْلُوم . وَكَذَلِكَ الْكُفْر . وَقِيلَ فِي الْكَلَام مَحْذُوف : فَمِنْكُمْ مُؤْمِن وَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ فَاسْقِ ; فَحَذَفَ لِمَا فِي الْكَلَام مِنْ الدَّلَالَة عَلَيْهِ ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقَالَ غَيْره : لَا حَذْف فِيهِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُود ذِكْر الطَّرَفَيْنِ . وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم : إِنَّ اللَّه خَلَقَ الْخَلْق ثُمَّ كَفَرُوا وَآمَنُوا . قَالُوا : وَتَمَام الْكَلَام " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ " . ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ : " فَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ مُؤْمِن " كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَاَللَّه خَلَقَ كُلّ دَابَّة مِنْ مَاء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنه " [ النُّور : 45 ] الْآيَة . قَالُوا : فَاَللَّه خَلَقَهُمْ ; وَالْمَشْي فِعْلهمْ . وَاخْتَارَهُ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل , قَالَ : لَوْ خَلَقَهُمْ مُؤْمِنِينَ وَكَافِرِينَ لَمَا وَصَفَهُمْ بِفِعْلِهِمْ فِي قَوْله " فَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ مُؤْمِن " . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ) الْحَدِيث . وَقَدْ مَضَى فِي " الرُّوم " مُسْتَوْفًى . قَالَ الضَّحَّاك : فَمِنْكُمْ كَافِر فِي السِّرّ مُؤْمِن فِي الْعَلَانِيَة كَالْمُنَافِقِ , وَمِنْكُمْ مُؤْمِن فِي السِّرّ كَافِر فِي الْعَلَانِيَة كَعَمَّارٍ وَذَوِيهِ . وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : فَمِنْكُمْ كَافِر بِاَللَّهِ مُؤْمِن بِالْكَوَاكِبِ , وَمِنْكُمْ مُؤْمِن بِاَللَّهِ كَافِر بِالْكَوَاكِبِ ; يَعْنِي فِي شَأْن الْأَنْوَاء . وَقَالَ الزَّجَّاج - وَهُوَ أَحْسَن الْأَقْوَال , وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّة وَالْجُمْهُور مِنْ الْأُمَّة - : إِنَّ اللَّه خَلَقَ الْكَافِر , وَكُفْره فِعْل لَهُ وَكَسْب ; مَعَ أَنَّ اللَّه خَالِق الْكُفْر . وَخَلَقَ الْمُؤْمِن , وَإِيمَانه فِعْل لَهُ وَكَسْب ; مَعَ أَنَّ اللَّه خَالِق الْإِيمَان . وَالْكَافِر يَكْفُر وَيَخْتَار الْكُفْر بَعْد خَلْق اللَّه إِيَّاهُ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلِمَهُ مِنْهُ . وَلَا يَجُوز أَنْ يُوجَد مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا غَيْر الَّذِي قَدَّرَ عَلَيْهِ وَعَلِمَهُ مِنْهُ ; لِأَنَّ وُجُود خِلَاف الْمَقْدُور عَجْز , وَوُجُود خِلَاف الْمَعْلُوم جَعْل , وَلَا يَلِيقَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى . وَفِي هَذَا سَلَامَة مِنْ الْجَبْر وَالْقَدَر ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : يَا نَاظِرًا فِي الدِّين مَا الْأَمْر لَا قَدَر صَحَّ وَلَا جَبْر وَقَالَ سِيلَان : قَدِمَ أَعْرَابِيّ الْبَصْرَة فَقِيلَ لَهُ : مَا تَقُول فِي الْقَدَر ؟ فَقَالَ : أَمْر تَغَالَتْ فِيهِ الظُّنُون , وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُخْتَلِفُونَ ; فَالْوَاجِب أَنْ نَرُدّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا مِنْ حُكْمه إِلَى مَا سَبَقَ مِنْ عِلْمه .

قَالَ الْعُلَمَاء : وَصَفَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَفْسه بِأَنَّهُ بَصِير عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ عَالِم بِخَفِيَّاتِ الْأُمُور . وَالْبَصِير فِي كَلَام الْعَرَب : الْعَالِم بِالشَّيْءِ الْخَبِير بِهِ ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : فُلَان بَصِير بِالطِّبِّ , وَبَصِير بِالْفِقْهِ , وَبَصِير بِمُلَاقَاةِ الرِّجَال ; قَالَ : فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي بَصِير بِأَدْوَاءِ النِّسَاء طَبِيب قَالَ الْخَطَّابِيّ : الْبَصِير الْعَالِم , وَالْبَصِير الْمُبْصِر . وَقِيلَ : وَصَفَ تَعَالَى نَفْسه بِأَنَّهُ بَصِير عَلَى مَعْنَى جَاعِل الْأَشْيَاء الْمُبْصِرَة ذَوَات إِبْصَار , أَيْ مُدْرِكَة لِلْمُبْصَرَاتِ بِمَا خَلَقَ لَهَا مِنْ الْآلَة الْمُدْرِكَة وَالْقُوَّة ; فَاَللَّه بَصِير بِعِبَادِهِ , أَيْ جَاعِل عِبَاده مُبْصِرِينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الدرة في سنن الفطرة

    في هذه الرسالة بيان سنن الفطرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209151

    التحميل:

  • موسوعة فقه القلوب

    موسوعة فقه القلوب : يحتوي هذا الكتاب على 15 باب،وهي كالتالي: الباب الأول: فقه أسماء الله وصفاته. الباب الثاني: فقه الخلق والأمر. الباب الثالث: فقه الفكر والاعتبار. الباب الرابع: فقه الإيمان. الباب الخامس: فقه التوحيد. الباب السادس: فقه القلوب. الباب السابع: فقه العلم والعمل. الباب الثامن: فقه قوة الأعمال الصالحة. الباب التاسع: فقه العبودية. الباب العاشر: فقه النبوة والرسالة. الباب الحادي عشر: فقه الأخلاق. الباب الثاني عشر: فقه الشريعة. الباب الثالث عشر: فقه الطاعات والمعاصي. الباب الرابع عشر: فقه أعداء الإنسان. الباب الخامس عشر: فقه الدنيا والآخرة. ملحوظة: النسخة الأولى عبارة عن ملف pdf وهي نسخة مرسلة من قبل المؤلف - أثابه الله - وهي نسخة مجمعة، أما المفقات التي تليها فهي نسخة من الكتاب مجزئة إلى أربعة مجلدات، والنسخة الأخيرة عبارة عن ملف وورد واحد مضمن الخطوط.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/202860

    التحميل:

  • توفيق الرحمن في دروس القرآن

    تفسير للقرآن الكريم مرتب على هيئة دروس، وأكثره مستمد من تفسير ابن جرير، وابن كثير، والبغوي - رحمهم الله تعالى -. قال عنه فضيلة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير - حفظه الله -: « تفسير الشيخ فيصل بن مبارك: توفيق الرحمن لدروس القرآن, هذا الكتاب مطبوع قديما وطبع حديثا. وقد طبع في أربعة أجزاء وهو مستمد ومختصر من الطبري والبغوي وابن كثير، وهذا كتاب رغم اختصاره نافع في بابه لمن لا يسعفه الوقت للرجوع إلى الأصول القديمة لاسيما الثلاثة المذكورة ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2714

    التحميل:

  • نساؤنا إلى أين

    نساؤنا إلى أين : بيان حال المرأة في الجاهلية، ثم بيان حالها في الإسلام، ثم بيان موقف الإسلام من عمل المرأة، والآثار المترتبة على خروج المرأة للعمل، ثم ذكر بعض مظاهر تغريب المرأة المسلمة.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166704

    التحميل:

  • خير الزاد إلى يوم المعاد من غير الفريضة على هدي خير العباد

    خير الزاد إلى يوم المعاد من غير الفريضة على هدي خير العباد : تحتوي هذه الرسالة على: أولاً: بيان بعض الأعمال التي يعود نفعها على فاعلها وحده في الدنيا والآخرة. ثانيا: بيان بعض الأعمال التي يعود نفعها على فاعلها وغيره في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209455

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة