Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التغابن - الآية 14

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) (التغابن) mp3
قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِالْمَدِينَةِ فِي عَوْف بْن مَالِك الْأَشْجَعِيّ ; شَكَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَفَاء أَهْله وَوَلَده ; فَنَزَلَتْ . ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَحَكَاهُ الطَّبَرِيّ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار قَالَ : نَزَلَتْ سُورَة " التَّغَابُن " كُلّهَا بِمَكَّة إِلَّا هَؤُلَاءِ الْآيَات : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجكُمْ وَأَوْلَادكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ " نَزَلَتْ فِي عَوْف بْن مَالِك الْأَشْجَعِيّ كَانَ ذَا أَهْل وَوَلَد , وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْغَزْو بَكَوْا إِلَيْهِ وَرَقَّقُوهُ فَقَالُوا : إِلَى مَنْ تَدَعنَا ؟ فَيَرِقّ فَيُقِيم ; فَنَزَلَتْ : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجكُمْ وَأَوْلَادكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ " الْآيَة كُلّهَا بِالْمَدِينَةِ فِي عَوْف بْن مَالِك الْأَشْجَعِيّ . وَبَقِيَّة الْآيَات إِلَى آخِر السُّورَة بِالْمَدِينَةِ . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس - وَسَأَلَهُ رَجُل عَنْ هَذِهِ الْآيَة " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجكُمْ وَأَوْلَادكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ " - قَالَ : هَؤُلَاءِ رِجَال أَسْلَمُوا مِنْ أَهْل مَكَّة وَأَرَادُوا أَنْ يَأْتُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَبَى أَزْوَاجهمْ وَأَوْلَادهمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَوْا النَّاس قَدْ فَقِهُوا فِي الدِّين هَمُّوا أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجكُمْ وَأَوْلَادكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ " الْآيَة . هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح .

قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : هَذَا يُبَيِّن وَجْه الْعَدَاوَة ; فَإِنَّ الْعَدُوّ لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ عَدُوًّا بِفِعْلِهِ . فَإِذَا فَعَلَ الزَّوْج وَالْوَلَد فِعْل الْعَدُوّ كَانَ عَدُوًّا , وَلَا فِعْل أَقْبَح مِنْ الْحَيْلُولَة بَيْن الْعَبْد وَبَيْن الطَّاعَة . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الشَّيْطَان قَعَدَ لِابْنِ آدَم فِي طَرِيق الْإِيمَان فَقَالَ لَهُ أَتُؤْمِنُ وَتَذَر دِينك وَدِين آبَائِك فَخَالَفَهُ فَآمَنَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ عَلَى طَرِيق الْهِجْرَة فَقَالَ لَهُ أَتُهَاجِرُ وَتَتْرُك مَالك وَأَهْلك فَخَالَفَهُ فَهَاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ عَلَى طَرِيق الْجِهَاد فَقَالَ لَهُ أَتُجَاهِدُ فَتَقْتُل نَفْسك فَتُنْكَح نِسَاؤُك وَيُقْسَم مَالك فَخَالَفَهُ فَجَاهَدَ فَقُتِلَ , فَحَقّ عَلَى اللَّه أَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّة ) . وَقُعُود الشَّيْطَان يَكُون بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : يَكُون بِالْوَسْوَسَةِ . وَالثَّانِي : بِأَنْ يَحْمِل عَلَى مَا يُرِيد مِنْ ذَلِكَ الزَّوْج وَالْوَلَد وَالصَّاحِب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْن أَيْدِيهمْ وَمَا خَلْفهمْ " [ فُصِّلَتْ : 25 ] . وَفِي حِكْمَة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : مَنْ اِتَّخَذَ أَهْلًا وَمَالًا وَوَلَدًا كَانَ لِلدُّنْيَا عَبْدًا . وَفِي صَحِيح الْحَدِيث بَيَان أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فِي حَال الْعَبْد ; قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَعِسَ عَبْد الدِّينَار تَعِسَ عَبْد الدِّرْهَم تَعِسَ عَبْد الْخَمِيصَة تَعِسَ عَبْد الْقَطِيفَة تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا اِنْتَقَشَ ) . وَلَا دَنَاءَة أَعْظَم مِنْ عِبَادَة الدِّينَار وَالدِّرْهَم , وَلَا هِمَّة أَخَسّ مِنْ هِمَّة تَرْتَفِع بِثَوْبٍ جَدِيد .

كَمَا أَنَّ الرَّجُل يَكُون لَهُ وَلَده وَزَوْجه عَدُوًّا كَذَلِكَ الْمَرْأَة يَكُون لَهَا زَوْجهَا وَوَلَدهَا عَدُوًّا بِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ . وَعُمُوم قَوْله : " مِنْ أَزْوَاجكُمْ " يَدْخُل فِيهِ الذَّكَر وَالْأُنْثَى لِدُخُولِهِمَا فِي كُلّ آيَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

مَعْنَاهُ عَلَى أَنْفُسكُمْ . وَالْحَذَر عَلَى النَّفْس يَكُون بِوَجْهَيْنِ : إِمَّا لِضَرَرٍ فِي الْبَدَن , وَإِمَّا لِضَرَرٍ فِي الدِّين . وَضَرَر الْبَدَن يَتَعَلَّق بِالدُّنْيَا , وَضَرَر الدِّين يَتَعَلَّق بِالْآخِرَةِ . فَحَذَّرَ اللَّه سُبْحَانه الْعَبْد مِنْ ذَلِكَ وَأَنْذَرَهُ بِهِ .

رَوَى الطَّبَرِيّ عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجكُمْ وَأَوْلَادكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ " قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُرِيد أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُول لَهُ أَهْله : أَيْنَ تَذْهَب وَتَدَعنَا ؟ قَالَ : فَإِذَا أَسْلَمَ وَفَقِهَ قَالَ : لَأَرْجِعَنَّ إِلَى الَّذِينَ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ هَذَا الْأَمْر , فَلَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ ; قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " . وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجكُمْ وَأَوْلَادكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ " قَالَ : مَا عَادُوهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكِنْ حَمَلَتْهُمْ مَوَدَّتهمْ عَلَى أَنْ أَخَذُوا لَهُمْ الْحَرَام فَأَعْطَوْهُ إِيَّاهُمْ . وَالْآيَة عَامَّة فِي كُلّ مَعْصِيَة يَرْتَكِبهَا الْإِنْسَان بِسَبَبِ الْأَهْل وَالْوَلَد . وَخُصُوص السَّبَب لَا يَمْنَع عُمُوم الْحُكْم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • البلد الحرام فضائل وأحكام

    البلد الحرام فضائل وأحكام: هذه مذكرة مختصرة في ذكر فضائل البلد الحرام وبعض أحكامه، والمواقع المعظمة فيه، والتحذير من الإلحاد فيه بالبدع والمحدثات والذنوب والمنكرات، فيه حث جميع المسلمين أن يتدبروا النصوص الشرعية، وأن يتعلَّموا الأحكام العقدية والفقهية، وأن يلتزموا بالأداب النبوية، المتعلقة بهذا البلد الحرام، فهو بلد الله وبيته وحرمه، شرَّفه الله وعظَّمه واختصَّه من بين سائر الأماكن بتلك الأحكام والفضائل، فالموفق حقًّا من قدره حقّ قدره، فراعى حرمته، وحفظ له مكانته، وحرص فيه على زيادة الطاعات، واجتنب الذنوب والمنكرات، وعمل بكل فضيلة مشروعة، وترك كل رذيلة ممنوعة.

    الناشر: كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى - دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332607

    التحميل:

  • حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة

    حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة: قال المصنف - رحمه الله -: «فإن من محاسن شريعة اللّه تعالى مراعاة العدل وإعطاء كل ذي حق حقه من غير غلو ولا تقصير .. فقد أمر اللّه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. وبالعدل بعثت الرسل وأنزلت الكتب وقامت أمور الدنيا والآخرة. والعدل إعطاء كل ذي حق حقه وتنزيل كل ذي منزلة منزلته ولا يتم ذلك إلا بمعرفة الحقوق حتى تعطى أهلها، ومن ثم حررنا هذه الكلمة في بيان المهم من تلك الحقوق؛ ليقوم العبد بما علم منها بقدر المستطاع، ويتخلص ذلك فيما يأتي: 1 - حقوق اللّه تعالى. 2 - حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم -. 3 - حقوق الوالدين. 4 - حقوق الأولاد. 5 - حقوق الأقارب. 6 - حقوق الزوجين. 7 - حقوق الولاة والرعية. 8 - حقوق الجيران. 9 - حقوق المسلمين عمومًا. 10 - حقوق غير المسلمين. وهذه هي الحقوق التي نريد أن نتناولها بالبحث على وجه الاختصار».

    الناشر: موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين http://www.ibnothaimeen.com - موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/76548

    التحميل:

  • مفحمات الأقران في مبهمات القرآن

    مفحمات الأقران في مبهمات القرآن : فإن من علوم القرآن التي يجب الاعتناء بها معرفة مبهماته وقد هتف ابن العساكر بكتابه المسمى بـ ‏ « ‏التكميل والإتمام‏ »‏‏.‏ وجمع القاضي بينهما القاضي بدر الدين ابن جماعة في كتاب سماه ‏ « ‏التبيان في مبهمات القرآن ‏»‏‏.‏ وهذا كتاب يفوق الكتب الثلاثة بما حوى من الفوائد والزوائد وحسن الإيجاز وعزو كل القول إلى من قاله مخرجا من كتب الحديث والتفاسير المسندة فإن ذلك أدعى لقبوله وأقع في النفس‏، فإن لم أقف عليه مسندا عزوته إلى قائله من المفسرين والعلماء وقد سميته ‏ « ‏مفحمات الأقران في مبهمات القرآن ‏»‏‏.‏

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141392

    التحميل:

  • وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها

    وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها: هذه الرسالة تبين وجوب العمل بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكفر من أنكرها.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/102358

    التحميل:

  • مقدمة في تطور الفكر الغربي والحداثة

    مقدمة في تطور الفكر الغربي والحداثة: اشتمل هذا الكتاب على الحديث عن أثر القارة الأوروبية الكبير في تاريخ الجماعة البشرية كلها، مع بيان الفرق الواضح بين واقع الحياة الإسلامية وواقع الحياة الأوروبية النصرانية، والذي أدى إلى الولادة الأوروبية الجديدة من خلال الحروب الصليبية، وبعد ذلك ورد الحديث عن جمود الأدب في ظل الحكم الكنسي، والذي أدى إلى ظهور الحركات الأدبية والثورات العلمية ضد الكنيسة، ثم الكلام عن النظرية البنيوية ومدارسها وحلقاتها وتطبيقاتها في فروع المعرفة، وفي الختام كان الحديث عن الحداثة العربية وأسباب رواجها في العالم العربي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340496

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة