Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المنافقون - الآية 4

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (4) (المنافقون) mp3
أَيْ هَيْئَاتهمْ وَمَنَاظِرهمْ .

يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَسِيمًا جَسِيمًا صَحِيحًا صَبِيحًا ذَلِق اللِّسَان , فَإِذَا قَالَ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَته . وَصَفَهُ اللَّه بِتَمَامِ الصُّورَة وَحُسْن الْإِبَانَة . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : الْمُرَاد اِبْن أُبَيّ وَجَدّ بْن قَيْس وَمُعَتِّب بْن قُشَيْر , كَانَتْ لَهُمْ أَجْسَام وَمَنْظَر وَفَصَاحَة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم :

قَالَ : كَانُوا رِجَالًا أَجْمَل شَيْء كَأَنَّهُمْ خُشُب مُسَنَّدَة , شَبَّهَهُمْ بِخُشُبٍ مُسَنَّدَة إِلَى الْحَائِط لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ , أَشْبَاح بِلَا أَرْوَاح وَأَجْسَام بِلَا أَحْلَام . وَقِيلَ : شَبَّهَهُمْ بِالْخُشُبِ الَّتِي قَدْ تَآكَلَتْ فَهِيَ مُسْنَدَة بِغَيْرِهَا لَا يُعْلَم مَا فِي بَطْنهَا . وَقَرَأَ قُنْبُل وَأَبُو عَمْرو وَالْكِسَائِيّ " خُشْب " بِإِسْكَانِ الشِّين . وَهِيَ قِرَاءَة الْبَرَاء بْن عَازِب وَاخْتِيَار أَبِي عُبَيْد , لِأَنَّ وَاحِدَتهَا خَشَبَة . كَمَا تَقُول : بَدَنَة وَبُدْن , وَلَيْسَ فِي اللُّغَة فَعَلَة يُجْمَع عَلَى فُعُل . وَيَلْزَم مِنْ ثِقَلهَا أَنْ تَقُول : الْبُدُن , فَتُقْرَأ " وَالْبُدُن " . وَذَكَرَ الْيَزِيدِيّ أَنَّهُ جِمَاع الْخَشْبَاء , كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَحَدَائِق غُلْبًا " وَاحِدَتهَا حَدِيقَة غَلْبَاء . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّثْقِيلِ وَهِيَ رِوَايَة الْبَزِّيّ عَنْ اِبْن كَثِير وَعَيَّاش عَنْ أَبِي عَمْرو , وَأَكْثَر الرِّوَايَات عَنْ عَاصِم . وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم , كَأَنَّهُ جَمْع خِشَاب وَخُشُب , نَحْو ثَمَرَة وَثِمَار وَثُمُر . وَإِنْ شِئْت جَمَعْت خَشَبَة عَلَى خُشْب كَمَا قَالُوا : بَدَنَة وَبُدْن وَبُدُن . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب فَتْح الْخَاء وَالشِّين فِي " خُشُب " . قَالَ سِيبَوَيْهِ : خَشَبَة وَخُشُب , مِثْل بَدَنَة وَبُدُن , قَالَ : وَمِثْله بِغَيْرِ هَاء أَسَد وَأُسْد , وَوَثَن وَوُثْن وَتُقْرَأ خُشُب وَهُوَ جَمْع الْجَمْع , خَشَبَة وَخِشَاب وَخُشُب , مِثْل ثَمَرَة وَثِمَار وَثُمُر . وَالْإِسْنَاد الْإِمَالَة , تَقُول : أَسْنَدْت الشَّيْء أَيْ أَمَلْته . و " مُسْنَدَة " لِلتَّكْثِيرِ ; أَيْ اِسْتَنَدُوا إِلَى الْأَيْمَان بِحَقْنِ دِمَائِهِمْ .

أَيْ كُلّ أَهْل صَيْحَة عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوّ . ف " هُمْ الْعَدُوّ " فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي عَلَى أَنَّ الْكَلَام لَا ضَمِير فِيهِ . يَصِفهُمْ بِالْجُبْنِ وَالْخَوَر . قَالَ مُقَاتِل وَالسُّدِّيّ : أَيْ إِذَا نَادَى مُنَادٍ فِي الْعَسْكَر أَنْ اِنْفَلَتَتْ دَابَّة أَوْ أُنْشِدَتْ ضَالَّة ظَنُّوا أَنَّهُمْ الْمُرَادُونَ ; لِمَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ الرُّعْب . كَمَا قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ الْأَخْطَل : مَا زِلْت تَحْسَب كُلّ شَيْء بَعْدهمْ خَيْلًا تَكُرّ عَلَيْهِمُ وَرِجَالَا

وَقِيلَ : " يَحْسَبُونَ كُلّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ هُمْ " الْعَدُوّ " كَلَام ضَمِيره فِيهِ لَا يَفْتَقِر إِلَى مَا بَعْد ; وَتَقْدِيره : يَحْسَبُونَ كُلّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ فُطِنَ بِهِمْ وَعُلِمَ بِنِفَاقِهِمْ ; لِأَنَّ لِلرِّيبَةِ خَوْفًا . ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ اللَّه خِطَاب نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " هُمْ الْعَدُوّ " وَهَذَا مَعْنَى قَوْل الضَّحَّاك وَقِيلَ : يَحْسَبُونَ كُلّ صَيْحَة يَسْمَعُونَهَا فِي الْمَسْجِد أَنَّهَا عَلَيْهِمْ , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ فِيهَا بِقَتْلِهِمْ ; فَهُمْ أَبَدًا وَجِلُونَ مِنْ أَنْ يُنْزِل اللَّه فِيهِمْ أَمْرًا يُبِيح بِهِ دِمَاءَهُمْ , وَيَهْتِك بِهِ أَسْتَارهمْ . وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْل الشَّاعِر : فَلَوْ أَنَّهَا عُصْفُورَة لَحَسِبْتهَا مُسَوَّمَة تَدْعُو عُبَيْدًا وَأَزْنَمَا بَطْن مِنْ بَنِي يَرْبُوع .

ثُمَّ وَصَفَهُمْ اللَّه بِقَوْلِهِ : " هُمْ الْعَدُوّ فَاحْذَرْهُمْ " حَكَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَاتِم . وَفِي قَوْله تَعَالَى : وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : فَاحْذَرْ أَنْ تَثِق بِقَوْلِهِمْ أَوْ تَمِيل إِلَى كَلَامهمْ .

الثَّانِي : فَاحْذَرْ مُمَايَلَتهُمْ لِأَعْدَائِك وَتَخْذِيلهمْ لِأَصْحَابِك .

أَيْ لَعَنَهُمْ اللَّه قَالَ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو مَالِك . وَهِيَ كَلِمَة ذَمّ وَتَوْبِيخ . وَقَدْ تَقُول الْعَرَب : قَاتَلَهُ اللَّه مَا أَشْعَرَهُ ! يَضَعُونَهُ مَوْضِع التَّعَجُّب . وَقِيلَ : مَعْنَى " قَاتَلَهُمْ اللَّه " أَيْ أَحَلَّهُمْ مَحَلّ مَنْ قَاتَلَهُ عَدُوّ قَاهِر ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَاهِر لِكُلِّ مُعَانِد . حَكَاهُ اِبْن عِيسَى .

أَيْ يَكْذِبُونَ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . قَتَادَة : مَعْنَاهُ يَعْدِلُونَ عَنْ الْحَقّ . الْحَسَن : مَعْنَاهُ يُصْرَفُونَ عَنْ الرُّشْد . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ كَيْفَ تَضِلّ عُقُولهمْ عَنْ هَذَا مَعَ وُضُوح الدَّلَائِل ; وَهُوَ مِنْ الْإِفْك وَهُوَ الصَّرْف . و " أَنَّى " بِمَعْنَى كَيْفَ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • وبشر الصابرين

    وبشر الصابرين: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «هذه ورقات من دفتر الصبر، ونفحات من سجل الشكر، وومضات من ضياء الاحتساب، وحروف من ألَقِ الصابرين، وقصص الشاكرين، أزُفُّها إلى كل مسلم رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا، فإن الصبر درعٌ لكل مسلم، ووقاءٌ لكل مؤمنٍ، وملاذٌ - بعد الله - لكل مُوحِّد. أبعثُها إلى كل من ابتُلِي ببلاء، أو تعرَّضَ لعناء، أو مرَّ به شَقَاء، فإن الصبرَ سلوةٌ له في الدنيا، ورفعةٌ له في الآخرة... أُقدِّمها إلى كل أبٍ احترق فؤاده، وتمزَّق قلبه، وجزَعَت نفسه لغيابٍ لقُرَّة العين، أو فقدٍ لأحد المحبين، فإن له في ربه عزاء، وفي مولاه رجاء، وفي صبره ضياء. إلى كل أمٍّ تنام الأعين ولا تنام، ويضحك الناس وتبكي، وتهدأ القلوب ولا يهدأ قلبها ولا يسكن حزنها، إما لنازلةٍ مؤلمةٍ، أو قارعةٍ مُزعجةٍ، أو فاجعةٍ مُحزِنةٍ، أو غيبةٍ لثمرة الفؤاد، ونور العين، وجلاء الحزن، أو أسرٍ لفلذة الكبد، أو قتل لعنوان السعادة، فإن الصبر والاحتساب يضمن اللقاء بالغائب، والاجتماع بالأحبة، والأنس بثمرات الأكباد، حينما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، إنه لقاءٌ في جنَّاتٍ ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مُقتدِر».

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381059

    التحميل:

  • بستان الأحبار مختصر نيل الأوطار

    فإن « منتقى الأخبار » لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية - رحمه الله - قد جمع من الأحاديث ما لم يجتمع في غيره من كتب الأحكام؛ لذلك حرص العلماء على شرحه، ومن هؤلاء العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - في كتابه « نيل الأوطار »، وقد قام المؤلف - رحمه الله- باختصاره، وشرح ما يدل على الترجمة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/57663

    التحميل:

  • هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا

    هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا : عرض المؤلف في هذا الكتاب أكثر من خمسين خلقاً، وقد تميز الكتاب بالإيجاز والبساطة والوضوح، مع استقاء المواضيع من تجربة عملية.

    الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/353703

    التحميل:

  • أخلاق العلماء

    العلماء هم قادة الأمة، وخلفاء الرسل، وورثة الأنبياء، أخذوا على أيدي الأمة من حضيض المستنقعات والرذائل إلى الالتزام بشرع الله والتحلي بالفضائل، لكن لابد للعالم الرباني من أخلاق يتحلى بها حتى يكون قدوة للأمة، وفي هذا الكتاب بين المصنف - رحمه الله - فضل العلم، وأوصاف العلماء الذين نفعهم الله بالعلم، وأخلاقه .... إلخ من المباحث التي تهم طالب العلم.

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2453

    التحميل:

  • بشارات العهد القديم بمحمد صلى الله عليه وسلم

    يقول المؤلف " طلب مني الأخوة الفضلاء القائمون على موقع (شبكة مشكاة الإسلاميه) أن أذكر لهم شيئاً مما كُتب عن نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كتب أهل الكتاب فنقلت لهم بعض ما أوردته في كتابي: (مسلمو أهل الكتاب وأثرهم في الدفاع عن القضايا القرآنية) وهذه البشارات نقلتها من مسلمي أهل الكتاب بمعنى أنني لم أدون أي نص أو بشارة إلا ما شهد عليه مسلم من أهل الكتاب أنه وجد هذا النص في كتابه. وقد أشرت في نهاية كل بشارة إلى اسم المهتدي الذي نقلتها منه ورقم الصفحة من كتابه ثم طابقتها على الطبعات المحدثة من ما يسمى "بالكتاب المقدس" ونتيجته "

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260396

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة