Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 76

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) (الأنعام) mp3
أَيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ , وَمِنْهُ الْجَنَّة وَالْجِنَّة وَالْجُنَّة وَالْجَنِين وَالْمِجَنّ وَالْجِنّ كُلّه بِمَعْنَى السِّتْر . وَجَنَان اللَّيْل اِدْلِهْمَامه وَسِتْره . قَالَ الشَّاعِر : وَلَوْلَا جَنَان اللَّيْل أَدْرَكَ رَكْضنَا بِذِي الرَّمْث وَالْأَرْطَى عِيَاض بْن نَاشِب وَيُقَال : جُنُون اللَّيْل أَيْضًا . وَيُقَال : جَنَّهُ اللَّيْل وَأَجَنَّهُ اللَّيْل لُغَتَانِ .



هَذِهِ قِصَّة أُخْرَى غَيْر قِصَّة عَرْض الْمَلَكُوت عَلَيْهِ . فَقِيلَ : رَأَى ذَلِكَ مِنْ شَقّ الصَّخْرَة الْمَوْضُوعَة عَلَى رَأْس السَّرَب . وَقِيلَ : لَمَّا أَخْرَجَهُ أَبُوهُ مِنْ السَّرَب وَكَانَ وَقْت غَيْبُوبَة الشَّمْس فَرَأَى الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْغَنَم فَقَالَ : لَا بُدّ لَهَا مِنْ رَبّ . وَرَأَى الْمُشْتَرِي أَوْ الزُّهْرَة ثُمَّ الْقَمَر ثُمَّ الشَّمْس , وَكَانَ هَذَا فِي آخِر الشَّهْر . قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : وَكَانَ اِبْن خَمْس عَشْرَة سَنَة . وَقِيلَ : اِبْن سَبْع سِنِينَ . وَقِيلَ : لَمَّا حَاجّ نُمْرُوذًا كَانَ اِبْن سَبْع عَشْرَة سَنَة .



اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَال ; فَقِيلَ : كَانَ هَذَا مِنْهُ فِي مُهْلَة النَّظَر وَحَال الطُّفُولِيَّة وَقَبْل قِيَام الْحُجَّة ; وَفِي تِلْكَ الْحَال لَا يَكُون كُفْر وَلَا إِيمَان . فَاسْتَدَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : " فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي " فَعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ عَنْهُ , وَكَذَلِكَ الشَّمْس وَالْقَمَر ; فَلَمَّا تَمَّ نَظَره قَالَ : " إِنِّي بَرِيء مِمَّا تُشْرِكُونَ " [ الْأَنْعَام : 78 ] . وَاسْتَدَلَّ بِالْأُفُولِ ; لِأَنَّهُ أَظْهَر الْآيَات عَلَى الْحُدُوث . وَقَالَ قَوْم : هَذَا لَا يَصِحّ ; وَقَالُوا : غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون لِلَّهِ تَعَالَى رَسُول يَأْتِي عَلَيْهِ وَقْت مِنْ الْأَوْقَات إِلَّا وَهُوَ لِلَّهِ تَعَالَى مُوَحِّد وَبِهِ عَارِف , وَمِنْ كُلّ مَعْبُود سِوَاهُ بَرِيء . قَالُوا : وَكَيْفَ يَصِحّ أَنْ يُتَوَهَّم هَذَا عَلَى مَنْ عَصَمَهُ اللَّه وَآتَاهُ رُشْده مِنْ قَبْل , وَأَرَاهُ مَلَكُوته لِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ , وَلَا يَجُوز أَنْ يُوصَف بِالْخُلُوِّ عَنْ الْمَعْرِفَة , بَلْ عَرَفَ الرَّبّ أَوَّل النَّظَر . قَالَ الزَّجَّاج : هَذَا الْجَوَاب عِنْدِي خَطَأ وَغَلَط مِمَّنْ قَالَهُ ; وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قَالَ : " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُد الْأَصْنَام " [ إِبْرَاهِيم : 35 ] وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " إِذْ جَاءَ رَبّه بِقَلْبٍ سَلِيم " [ الصَّافَّات : 84 ] أَيْ لَمْ يُشْرِك بِهِ قَطُّ . قَالَ : وَالْجَوَاب عِنْدِي أَنَّهُ قَالَ " هَذَا رَبِّي " عَلَى قَوْلكُمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام وَالشَّمْس وَالْقَمَر ; وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى : " أَيْنَ شُرَكَائِي " [ النَّحْل : 27 ] وَهُوَ جَلَّ وَعَلَا وَاحِد لَا شَرِيك لَهُ . وَالْمَعْنَى : أَيْنَ شُرَكَائِي عَلَى قَوْلكُمْ . وَقِيلَ : لَمَّا خَرَجَ إِبْرَاهِيم مِنْ السَّرَب رَأَى ضَوْء الْكَوْكَب وَهُوَ طَالِب لِرَبِّهِ ; فَظَنَّ أَنَّهُ ضَوْءُهُ قَالَ : " هَذَا رَبِّي " أَيْ بِأَنَّهُ يَتَرَاءَى لِي نُوره .



عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَبِّهِ . " فَلَمَّا رَأَى الْقَمَر بَازِغًا " [ الْأَنْعَام : 77 ] وَنَظَرَ إِلَى ضَوْئِهِ " قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْم الضَّالِّينَ " [ الْأَنْعَام : 77 ] . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْس بَازِغَة قَالَ هَذَا رَبِّي " [ الْأَنْعَام : 78 ] وَلَيْسَ هَذَا شِرْكًا . إِنَّمَا نَسَبَ ذَلِكَ الضَّوْء إِلَى رَبّه فَلَمَّا رَآهُ زَائِلًا دَلَّهُ الْعِلْم عَلَى أَنَّهُ غَيْر مُسْتَحِقّ لِذَلِكَ ; فَنَفَاهُ بِقَلْبِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ مَرْبُوب وَلَيْسَ بِرَبٍّ . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالَ " هَذَا رَبِّي " لِتَقْرِيرِ الْحُجَّة عَلَى قَوْمه فَأَظْهَرَ مُوَافَقَتهمْ ; فَلَمَّا أَفَلَ النَّجْم قَرَّرَ الْحُجَّة وَقَالَ : مَا تَغَيَّرَ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون رَبًّا . وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ النُّجُوم وَيَعْبُدُونَهَا وَيَحْكُمُونَ بِهَا . وَقَالَ النَّحَّاس : وَمَنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي هَذَا مَا صَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " نُور عَلَى نُور " [ النُّور : 35 ] قَالَ : كَذَلِكَ قَلْب الْمُؤْمِن يَعْرِف اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَيَسْتَدِلّ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ , فَإِذَا عَرَفَهُ اِزْدَادَ نُورًا عَلَى نُور ; وَكَذَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام عَرَفَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَلْبِهِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِدَلَائِلِهِ , فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا وَخَالِقًا . فَلَمَّا عَرَّفَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِنَفْسِهِ اِزْدَادَ مَعْرِفَة فَقَالَ : " أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّه وَقَدْ هَدَانِ " [ الْأَنْعَام : 80 ] . وَقِيلَ : هُوَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِفْهَام وَالتَّوْبِيخ , مُنْكِرًا لِفِعْلِهِمْ . وَالْمَعْنَى : أَهَذَا رَبِّي , أَوَمِثْل هَذَا يَكُون رَبًّا ؟ فَحَذَفَ الْهَمْزَة . وَفِي التَّنْزِيل " أَفَإِنْ مِتّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 34 ] أَيْ أَفَهُمْ الْخَالِدُونَ . وَقَالَ الْهُذَلِيّ : رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِد لَا تُرَع فَقُلْت وَأَنْكَرْت الْوُجُوه هُمُ هُمُ آخَر : لَعَمْرك مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْت دَارِيًا بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْر أَمْ بِثَمَانِ وَقِيلَ : الْمَعْنَى هَذَا رَبِّي عَلَى زَعْمكُمْ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ " [ الْقَصَص : 74 ] . وَقَالَ : " ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم " [ الدُّخَان : 49 ] أَيْ عِنْد نَفْسك . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَيْ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ هَذَا رَبِّي ; فَأُضْمِرَ الْقَوْل , وَإِضْمَاره فِي الْقُرْآن كَثِير . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فِي هَذَا رَبِّي ; أَيْ هَذَا دَلِيل عَلَى رَبِّي .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية

    التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذا شرحٌ مختصرٌ للقصيدة السنيَّة والمنظومة البهيَّة المشهورة بـ (الحائية) لناظمها الإمام المُحقِّق والحافظ المُتقِن شيخ بغداد أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن الإمام المعروف - رحمهما الله -».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344673

    التحميل:

  • بيان التوحيد الذي بعث الله به الرسل جميعًا وبعث به خاتمهم محمدًا صلى الله عليه وسلم

    بيان التوحيد الذي بعث الله به الرسل جميعًا وبعث به خاتمهم محمدًا صلى الله عليه وسلم: الرسالة تحتوي على ثلاث مسائل: الأولى: حقيقة التوحيد والشرك. الثانية: توحيد المرسلين، وما يضاده من الكفر والشرك. الثالثة: توضيح معنى الشرك بالله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2131

    التحميل:

  • صلاة الكسوف في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة الكسوف في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنِّف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في: «صلاة الكسوف» وما يتعلق بها من أحكام، بيَّنت فيها بتوفيق الله تعالى: مفهوم الكسوف والخسوف، وأن ذلك من آيات الله التي يُخوِّف بهما عباده، وبيَّنت أسباب الكسوف الحسّيَّة والشرعيَّة، وفوائد الكسوف وحِكمه، وحُكم صلاة الكسوف، وآداب صلاة الكسوف: الواجبة والمستحبة، وصفة صلاة الكسوف، ووقتها، وأنها لا تُدرَك الركعة إلا بإدراك الركوع الأول، وذكرت خلاف العلماء في الصلاة للآيات، وقد قرنت كل مسألة بدليلها أو تعليلها على قدر الإمكان».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1943

    التحميل:

  • تفسير وبيان لأعظم سورة في القرآن

    تفسير وبيان لأعظم سورة في القرآن: تفسير لسورة الفاتحة؛ لأنها أعظم سورة في القرآن، ولأن المصلي يقرأ بها في الصلاة، وهذه السورة جمعت أنواع التوحيد، ولا سيما توحيد العبادة الذي خلق الله العالم لأجله، وأرسل الرسل لتحقيقه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1893

    التحميل:

  • القول المنير في معنى لا إله إلا الله والتحذير من الشرك والنفاق والسحر والسحرة والمشعوذين

    إنها أعظم كلمة قالها نبيٌّ وأُرسِل بها ليدعو إلى تحقيقها والعمل بمُقتضاها، وهي التي لأجلها خلق الله الخلقَ، وخلق الجنة والنار، وصنَّف الناس على حسب تحقيقهم لها إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، ولذا كان من الواجب على كل مسلم معرفة معناها وشروطها ومُقتضيات ذلك. وهذه الرسالة تُوضِّح هذا المعنى الجليل، مع ذكر ضدِّه وهو: الشرك، والتحذير من كل ما دخل في الشرك؛ من السحر والدجل والشعوذة، وغير ذلك.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341901

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة