Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 65

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) (الأنعام) mp3
أَيْ الْقَادِر عَلَى إِنْجَائِكُمْ مِنْ الْكَرْب , قَادِر عَلَى تَعْذِيبكُمْ .



الرَّجْم بِالْحِجَارَةِ وَالطُّوفَان وَالصَّيْحَة وَالرِّيح ; كَمَا فُعِلَ بِعَادٍ وَثَمُود وَقَوْم شُعَيْب وَقَوْم لُوط وَقَوْم نُوح ; عَنْ مُجَاهِد وَابْن جُبَيْر وَغَيْرهمَا .



الْخَسْف وَالرَّجْفَة ; كَمَا فُعِلَ بِقَارُون وَأَصْحَاب مَدْيَن . وَقِيلَ : " مِنْ فَوْقكُمْ " يَعْنِي الْأُمَرَاء الظَّلَمَة , " وَمِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ " يَعْنِي السَّفَلَة وَعَبِيد السُّوء ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد أَيْضًا .



وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الْمَدَنِيّ " أَوْ يُلْبِسكُمْ " بِضَمِّ الْيَاء , أَيْ يُجَلِّلكُمْ الْعَذَاب وَيَعُمّكُمْ بِهِ , وَهَذَا مِنْ اللُّبْس بِضَمِّ الْأَوَّل , وَقِرَاءَة الْفَتْح مِنْ اللَّبْس . وَهُوَ مَوْضِع مُشْكِل وَالْأَعْرَاب يُبَيِّنهُ . أَيْ يَلْبِس عَلَيْكُمْ أَمْركُمْ , فَحُذِفَ أَحَد الْمَفْعُولَيْنِ وَحَرْف الْجَرّ ; كَمَا قَالَ : " وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ " [ الْمُطَفِّفِينَ : 3 ] وَهَذَا اللَّبْس بِأَنْ يَخْلِط أَمْرهمْ فَيَجْعَلهُمْ مُخْتَلِفِي الْأَهْوَاء ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : مَعْنَى " يَلْبِسكُمْ شِيَعًا " يُقَوِّي عَدُوّكُمْ حَتَّى يُخَالِطكُمْ وَإِذَا خَالَطَكُمْ فَقَدْ لَبِسَكُمْ . " شِيَعًا " مَعْنَاهُ فِرَقًا . وَقِيلَ يَجْعَلكُمْ فِرَقًا يُقَاتِل بَعْضكُمْ بَعْضًا ; وَذَلِكَ بِتَخْلِيطِ أَمْرهمْ وَافْتِرَاق أُمَرَائِهِمْ عَلَى طَلَب الدُّنْيَا .



أَيْ بِالْحَرْبِ وَالْقَتْل فِي الْفِتْنَة ; عَنْ مُجَاهِد . وَالْآيَة عَامَّة فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّار . وَقِيلَ هِيَ فِي الْكُفَّار خَاصَّة . وَقَالَ الْحَسَن : هِيَ فِي أَهْل الصَّلَاة . قُلْت : وَهُوَ الصَّحِيح ; فَإِنَّهُ الْمُشَاهَد فِي الْوُجُود , فَقَدْ لَبِسَنَا الْعَدُوّ فِي دِيَارنَا وَاسْتَوْلَى عَلَى أَنْفُسنَا وَأَمْوَالنَا , مَعَ الْفِتْنَة الْمُسْتَوْلِيَة عَلَيْنَا بِقَتْلِ بَعْضنَا بَعْضًا وَاسْتِبَاحَة بَعْضنَا أَمْوَال بَعْض . نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الْفِتَن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ . وَعَنْ الْحَسَن أَيْضًا أَنَّهُ تَأَوَّلَ ذَلِكَ فِيمَا جَرَى بَيْن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . رَوَى مُسْلِم عَنْ ثَوْبَان قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه زَوَى لِيَ الْأَرْض فَرَأَيْت مَشَارِقهَا وَمَغَارِبهَا وَأَنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيت الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَر وَالْأَبْيَض وَإِنِّي سَأَلْت رَبِّي لِأُمَّتِي أَلَّا يُهْلِكهَا بِسَنَةٍ عَامَّة وَأَلَّا يُسَلِّط عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسهمْ فَيَسْتَبِيح بَيْضَتهمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ : يَا مُحَمَّد إِنِّي إِذَا قَضَيْت قَضَاء فَإِنَّهُ لَا يُرَدّ وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُك لِأُمَّتِك أَلَّا أُهْلِكهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّة وَأَلَّا أُسَلِّط عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسهمْ يَسْتَبِيح بَيْضَتهمْ وَلَوْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِإِقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مِنْ بَيْن أَقْطَارهَا حَتَّى يَكُون بَعْضهمْ يُهْلِك بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضهمْ بَعْضًا ) . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ خَبَّاب بْن الْأَرَتّ , وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ رَاقَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّيْلَة كُلّهَا حَتَّى كَانَ مَعَ الْفَجْر , فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُول اللَّه مِنْ صَلَاته جَاءَهُ خَبَّاب فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! لَقَدْ صَلَّيْت اللَّيْلَة صَلَاة مَا رَأَيْتُك صَلَّيْت نَحْوهَا ؟ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَجَل إِنَّهَا صَلَاة رَغَب وَرَهَب سَأَلْت اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا ثَلَاث خِصَال فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَة سَأَلْت رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يُهْلِكنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَم فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْت رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يُظْهِر عَلَيْنَا عَدُوًّا مِنْ غَيْرنَا فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْت رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يُلْبِسنَا شِيَعًا فَمَنَعَنِيهَا ) . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذِهِ الْأَخْبَار فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيل : ( يَا جِبْرِيل مَا بَقَاء أُمَّتِي عَلَى ذَلِكَ ) ؟ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : ( إِنَّمَا أَنَا عَبْد مِثْلك فَادْعُ رَبّك وَسَلْهُ لِأُمَّتِك ) فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَضَّأَ وَأَسْبَغَ الْوُضُوء وَصَلَّى وَأَحْسَن الصَّلَاة , ثُمَّ دَعَا فَنَزَلَ جِبْرِيل وَقَالَ : ( يَا مُحَمَّد إِنَّ اللَّه تَعَالَى سَمِعَ مَقَالَتك وَأَجَارَهُمْ مِنْ خَصْلَتَيْنِ وَهُوَ الْعَذَاب مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ ) . فَقَالَ : ( يَا جِبْرِيل مَا بَقَاء أُمَّتِي إِذَا كَانَ فِيهِمْ أَهْوَاء مُخْتَلِفَة وَيُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض ) ؟ فَنَزَلَ جِبْرِيل بِهَذِهِ الْآيَة : " الم . أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا " [ الْعَنْكَبُوت : 1 - 2 ] الْآيَة . وَرَوَى عَمْرو بْن دِينَار عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ " قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَعُوذ بِوَجْهِ اللَّه " فَلَمَّا نَزَلَتْ " أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض " قَالَ : ( هَاتَانِ أَهْوَن ) . وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : ( لَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَع هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات حِين يُمْسِي وَحِين يُصْبِح اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك الْعَفْو وَالْعَافِيَة فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي . اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْن يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذ بِك أَنْ أُغْتَال مِنْ تَحْتِي ) . قَالَ وَكِيع : يَعْنِي الْخَسْف .



أَيْ نُبَيِّن لَهُمْ الْحُجَج وَالدَّلَالَات .



يُرِيد بُطْلَان مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك وَالْمَعَاصِي .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فتح الرحمن في أسباب نزول القرآن

    فتح الرحمن في أسباب نزول القرآن: قال المُصنِّف - رحمه الله -: « .. وأثناء قيامي بتفسير القرآن الكريم كان من منهجِي: إذا كان للآية سبب نزول أكتبُه قبل الشروعِ في تفسير الآية الكريمة؛ إذ معرفةُ سبب النزول يُلقِي الضوءَ على معنى الآية الكريمة. ونظرًا لأهمية هذا الموضوع فقد بذلتُ قُصارى جهدي في الاقتِصار على الروايات الصحيحةِ، وبعد أن أعانني الله تعالى وأتممتُ تفسيرَ القرآن قرَّرتُ أن أضعَ مُصنَّفًا خاصًّا بأسباب نزول القرآن، فوضعتُ مُصنَّفي هذا».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385224

    التحميل:

  • موطأة الفصيح [ نظم فصيح ثعلب ]

    موطأة الفصيح: أرجوزة بديعة النظم، متينة السبك، عذبة الألفاظ، في غاية السلاسة، وجمال الإيقاع، نظم ناظمها فصيحَ الإمام العلم: ثعلب، أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني مولاهم، (ت291هـ)، ذلكم الكتاب الذي قصد به مؤلفه – يرحمه الله – ذكر فصيح كلام العرب، والتنبيه على كيفية نطقه، والتحذير والإشارة إلى ما تلحن فيه العامة من هذا الإرث اللغوي المبارك. وقد اشتهر هذا الكتاب (الفصيح) شهرة طبّقت الآفاق، وسارت بخبره الركبان، حتّى ذكر ابن درستويه في مقدمة شرحه للفصيح الموسوم بـ « تصحيح الفصيح وشرحه » أن كتَّاب الدواوين عوّلوا عليه من غير أن يفصحوا عن معانيه، ويعرفوا تفسيره، وقياس أبنيته، وعلل أمثلته، اتكالاً على أنّ من حفظ ألفاظ الفصيح فقد بلغ الغاية من البراعة، وجاوز النهاية في التأدب ".

    المدقق/المراجع: عبد الله بن محمد سفيان الحكمي

    الناشر: موقع المتون العلمية http://www.almtoon.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335288

    التحميل:

  • المجروحين

    المجروحين: أحد كتب الجرح صنفها الحافظ ابن حبان - رحمه الله -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141418

    التحميل:

  • المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد

    المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد: رسالة مختصرة في بيان بعض البراهين والدلائل على صحة أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية; وتوحيد الألوهية; وتوحيد الأسماء والصفات; وهو مختصر من كتاب المؤلف - حفظه الله -: «القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316769

    التحميل:

  • مختصر فقه الأسماء الحسنى

    مختصر فقه الأسماء الحسنى: رسالةٌ اختصر فيها المؤلف - حفظه الله - كتابه: «فقه الأسماء الحسنى»; اقتصر فيها على شرح مائة اسمٍ من أسماء الله تعالى شرحًا موجزًا; مع ذكر دليل أو دليلين غالبًا لكل اسمٍ منها; مستفيدًا في شرحها من كلام أهل العلم.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316784

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة