قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ۚ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) (الأنعام)
تفسير القرطبي أَيْ دَلَالَة وَيَقِين وَحُجَّة وَبُرْهَان , لَا عَلَى هَوًى ; وَمِنْهُ الْبَيِّنَة لِأَنَّهَا تُبَيِّن الْحَقّ وَتُظْهِرهُ .
أَيْ بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيَان , كَمَا قَالَ : " وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَة أَوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ " [ النِّسَاء : 8 ] عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ هُنَاكَ . وَقِيلَ يَعُود عَلَى الرَّبّ , أَيْ كَذَّبْتُمْ بِرَبِّي لِأَنَّهُ جَرَى ذِكْره . وَقِيلَ : بِالْعَذَابِ . وَقِيلَ : بِالْقُرْآنِ . وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي قَبْلهَا مَا أَنْشَدَهُ مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر لِنَفْسِهِ , وَكَانَ شَاعِرًا مُحْسِنًا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَأَقْعُدُ بَعْدَمَا رَجَفَتْ عِظَامِي وَكَانَ الْمَوْت أَقْرَب مَا يَلِينِي أُجَادِل كُلّ مُعْتَرِض خَصِيم وَأَجْعَل دِينه غَرَضًا لِدِينِي فَأَتْرُك مَا عَلِمْت لِرَأْيِ غَيْرِي وَلَيْسَ الرَّأْي كَالْعِلْمِ الْيَقِين وَمَا أَنَا وَالْخُصُومَة وَهِيَ شَيْء يُصَرَّف فِي الشَّمَال وَفِي الْيَمِين وَقَدْ سُنَّتْ لَنَا سُنَن قِوَام يَلُحْنَ بِكُلِّ فَجّ أَوْ وَجِين وَكَانَ الْحَقّ لَيْسَ بِهِ خَفَاء أَغَرّ كَغُرَّةِ الْفَلَق الْمُبِين وَمَا عِوَض لَنَا مِنْهَاج جَهْم بِمِنْهَاجِ اِبْن آمِنَة الْأَمِين فَأَمَّا مَا عَلِمْت فَقَدْ كَفَانِي وَأَمَّا مَا جَهِلْت فَجَنِّبُونِي
أَيْ الْعَذَاب ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا لِفَرْطِ تَكْذِيبهمْ يَسْتَعْجِلُونَ نُزُوله اِسْتِهْزَاء نَحْو قَوْلهمْ : " أَوْ تُسْقِط السَّمَاء كَمَا زَعَمْت عَلَيْنَا كِسَفًا " [ الْإِسْرَاء : 92 ] " وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة مِنْ السَّمَاء " [ الْأَنْفَال : 32 ] . وَقِيلَ : مَا عِنْدِي مِنْ الْآيَات الَّتِي تَقْتَرِحُونَهَا .
أَيْ مَا الْحُكْم إِلَّا لِلَّهِ فِي تَأْخِير الْعَذَاب وَتَعْجِيله . وَقِيلَ : الْحُكْم الْفَاصِل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل لِلَّهِ .
أَيْ يَقُصّ الْقَصَص الْحَقّ ; وَبِهِ اِسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ الْمَجَاز فِي الْقُرْآن , وَهِيَ قِرَاءَة نَافِع وَابْن كَثِير وَعَاصِم وَمُجَاهِد وَالْأَعْرَج وَابْن عَبَّاس ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك أَحْسَن الْقَصَص " [ يُوسُف : 3 ] . وَالْبَاقُونَ " يَقْضِ الْحَقّ " بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة , وَكَذَلِكَ قَرَأَ عَلِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَأَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَهُوَ مَكْتُوب فِي الْمُصْحَف بِغَيْرِ يَاء , وَلَا يَنْبَغِي الْوَقْف عَلَيْهِ , وَهُوَ مِنْ الْقَضَاء ; وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ بَعْده
وَالْفَصْل لَا يَكُون إِلَّا قَضَاء دُون قَصَص , وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْله قَبْله : " إِنْ الْحُكْم إِلَّا لِلَّهِ " وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَيْضًا قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود ( إِنْ الْحُكْم إِلَّا لِلَّهِ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) فَدُخُول الْبَاء يُؤَكِّد مَعْنَى الْقَضَاء . قَالَ النَّحَّاس : هَذَا لَا يَلْزَم ; لِأَنَّ مَعْنَى " يَقْضِي " يَأْتِي وَيَصْنَع فَالْمَعْنَى : يَأْتِي الْحَقّ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : يَقْضِي الْقَضَاء الْحَقّ . قَالَ مَكِّيّ : وَقِرَاءَة الصَّاد أَحَبّ إِلَيَّ ; لِاتِّفَاقِ الْحَرَمِيِّينَ وَعَاصِم عَلَى ذَلِكَ , وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْقَضَاء لَلَزِمَتْ الْبَاء فِيهِ كَمَا أَتَتْ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا الِاحْتِجَاج لَا يَلْزَم ; لِأَنَّ مِثْل هَذِهِ الْبَاء تُحْذَف كَثِيرًا .
