Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 54

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (54) (الأنعام) mp3
السَّلَام وَالسَّلَامَة بِمَعْنًى وَاحِد . وَمَعْنَى " سَلَام عَلَيْكُمْ " سَلَّمَكُمْ اللَّه فِي دِينكُمْ وَأَنْفُسكُمْ ; نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ نَهَى اللَّه نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَنْ طَرْدهمْ , فَكَانَ إِذَا رَآهُمْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ وَقَالَ : ( الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أَمَرَنِي أَنْ أَبْدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ ) فَعَلَى هَذَا كَانَ السَّلَام مِنْ جِهَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ مِنْ جِهَة اللَّه تَعَالَى , أَيْ أَبْلِغْهُمْ مِنَّا السَّلَام ; وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَفِيهِ دَلِيل عَلَى فَضْلهمْ وَمَكَانَتهمْ عِنْد اللَّه تَعَالَى . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِذ بْن عَمْرو أَنَّ أَبَا سُفْيَان أَتَى عَلَى سَلْمَان وَصُهَيْب وَبِلَال وَنَفَر فَقَالُوا : وَاَللَّه مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّه مِنْ عُنُق عَدُوّ اللَّه مَأْخَذَهَا ; قَالَ : فَقَالَ أَبُو بَكْر : أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْش وَسَيِّدهمْ ؟ ! فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : ( يَا أَبَا بَكْر لَعَلَّك أَغْضَبْتهمْ لَئِنْ كُنْت أَغْضَبْتهمْ لَقَدْ أَغْضَبْت رَبّك ) فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْر فَقَالَ : يَا إِخْوَتَاهُ أَغْضَبْتُكُمْ ؟ قَالُوا : لَا ; يَغْفِر اللَّه لَك يَا أَخِي ; فَهَذَا دَلِيل عَلَى رِفْعَة مَنَازِلهمْ وَحُرْمَتُهُمْ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَعْنَى الْآيَة . وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا اِحْتِرَام الصَّالِحِينَ وَاجْتِنَاب مَا يُغْضِبهُمْ أَوْ يُؤْذِيهِمْ ; فَإِنَّ فِي ذَلِكَ غَضَب اللَّه , أَيْ حُلُول عِقَابه بِمَنْ آذَى أَحَدًا مِنْ أَوْلِيَائِهِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ الْآيَة فِي أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَقَالَ الْفُضَيْل بْن عِيَاض : جَاءَ قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : إِنَّا قَدْ أَصَبْنَا مِنْ الذُّنُوب فَاسْتَغْفِرْ لَنَا فَأَعْرِض عَنْهُمْ ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَرُوِيَ عَنْ أَنَس بْن مَالِك مِثْله سَوَاء .


أَيْ أَوْجَبَ ذَلِكَ بِخَبَرِهِ الصِّدْق , وَوَعْده الْحَقّ , فَخُوطِبَ الْعِبَاد عَلَى مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَنَّهُ مَنْ كَتَبَ شَيْئًا فَقَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسه . وَقِيلَ : كَتَبَ ذَلِكَ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ .



أَيْ خَطِيئَة مِنْ غَيْر قَصْد ; قَالَ مُجَاهِد : لَا يَعْلَم حَلَالًا مِنْ حَرَام وَمِنْ جَهَالَته رَكِبَ الْأَمْر , فَكُلّ مَنْ عَمِلَ خَطِيئَة فَهُوَ بِهَا جَاهِل ; وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي " النِّسَاء " وَقِيلَ : مَنْ آثَرَ الْعَاجِل عَلَى الْآخِرَة فَهُوَ الْجَاهِل .



قَرَأَ بِفَتْحِ " أَنَّ " مِنْ " فَأَنَّهُ " اِبْن عَامِر وَعَاصِم , وَكَذَلِكَ " أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ " وَوَافَقَهُمَا نَافِع فِي " أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ " . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ فِيهِمَا ; فَمَنْ كَسَرَ فَعَلَى الِاسْتِئْنَاف , وَالْجُمْلَة مُفَسِّرَة لِلرَّحْمَةِ ; و ( إِنْ ) إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجُمَل كُسِرَتْ وَحُكْم مَا بَعْد الْفَاء الِابْتِدَاء وَالِاسْتِئْنَاف فَكُسِرَتْ لِذَلِكَ . وَمَنْ فَتَحَهُمَا فَالْأَوْلَى فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْبَدَل مِنْ الرَّحْمَة , بَدَل الشَّيْء مِنْ الشَّيْء وَهُوَ هُوَ فَأَعْمَلَ فِيهَا ( كَتَبَ ) كَأَنَّهُ قَالَ : كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسه أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ ; وَأَمَّا ( فَأَنَّهُ غَفُور ) بِالْفَتْحِ فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مُضْمَر , كَأَنَّهُ قَالَ : فَلَهُ أَنَّهُ غَفُور رَحِيم ; لِأَنَّ مَا بَعْد الْفَاء مُبْتَدَأ , أَيْ فَلَهُ غُفْرَان اللَّه . الْوَجْه الثَّانِي : أَنْ يُضْمَر مُبْتَدَأ تَكُون ( أَنَّ ) وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ خَبَره ; تَقْدِيره : فَأَمْره غُفْرَان اللَّه لَهُ , وَهَذَا اِخْتِيَار سِيبَوَيْهِ , وَلَمْ يُجِزْ الْأَوَّل , وَأَجَازَهُ أَبُو حَاتِم . وَقِيلَ : إِنَّ ( كَتَبَ ) عَمِلَ فِيهَا ; أَيْ كَتَبَ رَبّكُمْ أَنَّهُ غَفُور رَحِيم . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن صَالِح وَابْن هُرْمُز كَسْر الْأُولَى عَلَى الِاسْتِئْنَاف , وَفَتْح الثَّانِيَة عَلَى أَنْ تَكُون مُبْتَدَأَة أَوْ خَبَر مُبْتَدَأ أَوْ مَعْمُولَة لِكَتَبَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَمَنْ فَتَحَ الْأُولَى - وَهُوَ نَافِع - جَعَلَهَا بَدَلًا مِنْ الرَّحْمَة , وَاسْتَأْنَفَ الثَّانِيَة لِأَنَّهَا بَعْد الْفَاء , وَهِيَ قِرَاءَة بَيِّنَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • جوامع الدعاء

    جوامع الدعاء: تحتوي هذه الرسالة على خمسة فصول بعد المقدمة وهي: الأول: في حق الدعاء وفضله. الثاني: في شروط الدعاء وآدابه. الثالث: في أحوال مختصة بالإجابة. الرابع: في أدعية مختارة من القرآن الكريم. الخامس: في أدعية مختارة من السنة المطهرة. - قدم لهذه الرسالة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - حفظه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166513

    التحميل:

  • مجموع فيه: من آثار سماحة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل في الذكريات والتاريخ والتراجم

    قال الجامع للرسالة: «فهذا مجموعٌ لطيفٌ من فوائد سماحة شيخنا ووالدنا النبيل، العالم العلامة الجليل، عبد الله بن عبد العزيز العقيل، أمدَّ الله في عمره على الخير والعافية والطاعة والإفادة. ويحتوي المجموع على: 1- رسالة بعنوان: «قصتي في طلب العلم» .. 2- رسالة بعنوان: «سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كما عرفتُه» .. 3- مقالة بعنوان: «ترجمة الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -» .. 4- مجموعة من المقابلات واللقاءات التي أُجرِيت مع شيخنا، لما فيها من معلومات قيمة ..».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371021

    التحميل:

  • الدين المعاملة [ صفحات من هدي الأسوة الحسنة صلى الله عليه وسلم ]

    الدين المعاملة : في هذه الصفحات نسلط الضوء على جانب من الجوانب المهمة في حياتنا، وهو المعاملة مع الآخرين، ننهل في تصحيح هذا الجانب من معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - للآخرين، فنحن أحوج ما نكون إلى هذا الهدي مع فساد تعاملنا مع بعضنا، فالدين ليس فقط معاملة مع الله، بل هو معاملة مع الخلق أيضاً، ولئن كانت حقوق الله مبنية على المسامحة فإن حقوق العباد مبنية على المشاحة ، لذا وجب علينا معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في المعاملة مع الخَلق؛ لنتأسى به، فتنصلح علاقاتنا الأسرية والاجتماعية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/262007

    التحميل:

  • طالب العلم بين الترتيب والفوضوية

    طالب العلم بين الترتيب والفوضوية : هذه الرسالة عن الترتيب في حياة طالب العلم وآثاره الحميدة، والفوضوية وعواقبه الوخيمة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233541

    التحميل:

  • حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول

    حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول : قال المصنف - حفظه الله -: « فإن رسالة ثلاثة الأصول وأدلتها للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - رسالة موجزة جامعة في موضوع توحيد الربوبية والألوهية والولاء والبراء وغير ذلك من المسائل المتعلقة بعلم التوحيد، الذي هو من أشرف العلوم وأجلها قدرًا، كتبها الشيخ رحمه الله مقرونة بالدليل بأسلوب سهل ميسر لكل قارئ؛ فأقبل الناس عليها حفظًا وتدريسًا؛ لأنها كتبت بقلم عالم جليل من علماء الإسلام نهج منهج السلف الصالح داعيًا إلى التوحيد ونبذ البدع والخرافات وتنقية الإسلام مما علق به من أوهام، ويظهر ذلك جليًّا في معظم مؤلفات الشيخ ورسائله، فجاءت هذه الرسالة خلاصة وافية لمباحث مهمة لا يستغني عنها المسلم ليبني دينه على أُسس وقواعد صحيحة؛ ليجني ثمرات ذلك سعادة في الدنيا وفلاحًا في الدار الآخرة. لذا رأيت أن أكتب عليها شرحًا متوسطاً في تفسير آياتها وشرح أحاديثها وتوضيح مسائلها إسهامًا في تسهيل الاستفادة منها، والتشجيع على حفظها وفهمها بعد أن قمت بشرحها للطلبة في المسجد بحمد الله تعالى، وسميته: حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2383

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة