Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 44

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44) (الأنعام) mp3
يُقَال : لِمَ ذُمُّوا عَلَى النِّسْيَان وَلَيْسَ مِنْ فِعْلهمْ ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ ( نَسُوا ) بِمَعْنَى تَرَكُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُرَيْج , وَهُوَ قَوْل أَبِي عَلِيّ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّارِك لِلشَّيْءِ إِعْرَاضًا عَنْهُ قَدْ صَيَّرَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا قَدْ نَسِيَ , كَمَا يُقَال : تَرَكَهُ . فِي النَّسْي . جَوَاب آخَر : وَهُوَ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلنِّسْيَانِ فَجَازَ الذَّمّ لِذَلِكَ ; كَمَا جَازَ الذَّمّ عَلَى التَّعَرُّض لِسَخَطِ اللَّه عَزَّ وَجَلّ وَعِقَابه .



أَيْ مِنْ النِّعَم وَالْخَيْرَات , أَيْ كَثَّرْنَا لَهُمْ ذَلِكَ . وَالتَّقْدِير عِنْد أَهْل الْعَرَبِيَّة : فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَاب كُلّ شَيْء كَانَ مُغْلَقًا عَنْهُمْ .



مَعْنَاهُ بَطِرُوا وَأَشِرُوا وَأُعْجِبُوا وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ الْعَطَاء لَا يَبِيد , وَأَنَّهُ دَالّ عَلَى رِضَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ



أَيْ اِسْتَأْصَلْنَاهُمْ وَسَطَوْنَا بِهِمْ . و ( بَغْتَة ) مَعْنَاهُ فَجْأَة , وَهِيَ الْأَخْذ عَلَى غِرَّة وَمِنْ غَيْر تَقَدُّم أَمَارَة ; فَإِذَا أَخَذَ الْإِنْسَان وَهُوَ غَار غَافِل فَقَدْ أَخَذَ بَغْتَة , وَأَنْكَى شَيْء مَا يَفْجَأ مِنْ الْبَغْت . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ التَّذْكِير الَّذِي سَلَفَ - فَأَعْرَضُوا عَنْهُ - قَامَ مَقَام الْإِمَارَة . وَاَللَّه أَعْلَم . و ( بَغْتَة ) مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال لَا يُقَاسَ عَلَيْهِ عِنْد سِيبَوَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ ; فَكَانَ ذَلِكَ اِسْتِدْرَاجًا مِنْ اللَّه تَعَالَى كَمَا قَالَ : " وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين " [ الْأَعْرَاف : 183 ] نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ سَخَطه وَمَكْره . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : رَحِمَ اللَّه عَبْدًا تَدَبَّرَ هَذِهِ الْآيَة " حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَة " . وَقَالَ مُحَمَّد بْن النَّضْر الْحَارِثِيّ : أُمْهِلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم عِشْرِينَ سَنَة . وَرَوَى عُقْبَة بْن عَامِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّه تَعَالَى يُعْطِي الْعِبَاد مَا يَشَاءُونَ عَلَى مَعَاصِيهمْ فَإِنَّمَا ذَلِكَ اِسْتِدْرَاج مِنْهُ لَهُمْ ) ثُمَّ تَلَا " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ " الْآيَة كُلّهَا . وَقَالَ الْحَسَن : وَاَللَّه مَا أَحَد مِنْ النَّاس بَسَطَ اللَّه لَهُ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ يَخَفْ أَنْ يَكُون قَدْ مُكِرَ لَهُ فِيهَا إِلَّا كَانَ قَدْ نَقَصَ عَمَله , وَعَجَزَ رَأْيه . وَمَا أَمْسَكَهَا اللَّه عَنْ عَبْد فَلَمْ يَظُنّ أَنَّهُ خَيْر لَهُ فِيهَا إِلَّا كَانَ قَدْ نَقَصَ عَمَله , وَعَجَزَ رَأْيه . وَفِي الْخَبَر أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْحَى إِلَى مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا رَأَيْت الْفَقْر مُقْبِلًا إِلَيْك فَقُلْ مَرْحَبًا بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ وَإِذَا رَأَيْت الْغِنَى مُقْبِلًا إِلَيْك فَقُلْ ذَنْب عُجِّلَتْ عُقُوبَته ) .



الْمُبْلِس الْبَاهِت الْحَزِين الْآيِس مِنْ الْخَيْر الَّذِي لَا يُحَيِّر جَوَابًا لِشِدَّةِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ سُوء الْحَال ; قَالَ الْعَجَّاج : يَا صَاح هَلْ تَعْرِف رَسْمًا مُكْرَسًا قَالَ نَعَمْ أَعْرِفهُ وَأَبْلَسَا أَيْ تَحَيَّرَ لِهَوْلِ مَا رَأَى , وَمِنْ ذَلِكَ اُشْتُقَّ اِسْم إِبْلِيس ; أَبْلَسَ الرَّجُل سَكَتَ , وَأَبْلَسَتْ النَّاقَة وَهِيَ مِبْلَاس إِذَا لَمْ تَرْغُ مِنْ شِدَّة الضَّبَعَة ; ضَبَعَتْ النَّاقَة تَضْبَع ضَبَعَة وَضَبْعًا إِذَا أَرَادَتْ الْفَحْل .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الشفاعة

    الشفاعة: هل هناك شفاعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة؟ ومن أحقُّ الناس بها؟ وهل هناك بعض الفرق التي تُنسَب للإسلام خالَفَت وأنكرت الشفاعة؟ وما أدلة إنكارهم؟ يُجيبُ الكتاب على هذه التساؤلات وغيرها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380510

    التحميل:

  • جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين

    جمع القرآن : هذه الرسالة تتحدث عن جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين، وقد قسمها الكاتب إلى: تمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة. أما التمهيد: فيحتوي على: (1) تعريف القرآن الكريم لغة واصطلاحاً. (2) مفهوم جمع القرآن الكريم. (3) صلة القرآن بالقراءات. المبحث الأول: جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. المبحث الثاني: جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه. المبحث الثالث: وفيه مطلبان: (1) الفروق المميزة بين الجمعين. (2) الأحرف السبعة ومراعاتها في الجمعين.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/90692

    التحميل:

  • تعامله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين

    تعامله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين: تُعدُّ سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل سيرةٍ لأفضل رجلٍ في هذه الدنيا؛ فإنه - عليه الصلاة والسلام - ضربَ أروع الأمثلة وأفضل النماذج في خُلُقه وسيرته وتعامله مع الناس بكل مستوياتها: متعلمين وجهالاً، رجالاً ونساءً، شيوخًا وأطفالاً، مسلمين وغير مسلمين. وهذا الكتاب يتناول بعضًا من هذه النماذج العطِرة من معاملته - صلى الله عليه وسلم - لغير المسلمين، ويُظهِر للعالم أجمع كيف دخل الناس في دين الله أفواجًا بسبب هذه المعاملة الطيبة.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337588

    التحميل:

  • الله لطيف بعباده

    الله لطيف بعباده: قال المصنف - حفظه الله -: «فما سمعت أذن، ولا رأت عين ألطف بالعباد من رب العباد، ترى الأمور العظام والمصائب الشداد، فإذا انجلى الأمر فإذا الخير والأجر. الله لطيف بعباده؛ خلقهم، ورزقهم، وهداهم، وأسكن من شاء منهم جنته، رحمته سبقت غضبه، وفضله سبق عقابه. هذا الكتيب... إلى من استوحشت به الطرق، وافترقت به المسالك، وأظلته سحابة حزن، وترك له الزمن جرحًا ينزف.. الله لطيف بعباده».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208983

    التحميل:

  • من أحكام المريض وآدابه

    في هذه الرسالة بين بعض أحكام المريض وآدابه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209196

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة