Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 32

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) (الأنعام) mp3
أَيْ لِقِصَرِ مُدَّتهَا كَمَا قَالَ : أَلَا إِنَّمَا الدُّنْيَا كَأَحْلَامِ نَائِم وَمَا خَيْر عَيْش لَا يَكُون بِدَائِمٍ تَأَمَّلْ إِذَا مَا نِلْت بِالْأَمْسِ لَذَّة فَأَفْنَيْتهَا هَلْ أَنْتَ إِلَّا كَحَالِمِ وَقَالَ آخَر : فَاعْمَلْ عَلَى مَهَل فَإِنَّك مَيِّت وَاكْدَحْ لِنَفْسِك أَيّهَا الْإِنْسَان فَكَأَنَّ مَا قَدْ كَانَ لَمْ يَكُ إِذْ مَضَى وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِن قَدْ كَانَا وَقِيلَ : الْمَعْنَى مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا لَعِب وَلَهْو ; أَيْ الَّذِي يَشْتَهُوهُ فِي الدُّنْيَا لَا عَاقِبَة لَهُ , فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّعِب وَاللَّهْو . وَنَظَرَ سُلَيْمَان بْن عَبْد اللَّه فِي الْمِرْآة فَقَالَ : أَنَا الْمَلِك الشَّابّ ; فَقَالَتْ لَهُ جَارِيَة لَهُ : أَنْتَ نِعْمَ الْمَتَاع لَوْ كُنْت تَبْقَى غَيْر أَنْ لَا بَقَاء لِلْإِنْسَانِ لَيْسَ فِيمَا بَدَا لَنَا مِنْك عَيْب كَانَ فِي النَّاس غَيْر أَنَّك فَانِي وَقِيلَ : مَعْنَى ( لَعِب وَلَهْو ) بَاطِل وَغُرُور , كَمَا قَالَ : ( وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغُرُور ) [ آل عِمْرَان : 185 ] فَالْمَقْصِد بِالْآيَةِ تَكْذِيب الْكُفَّار فِي قَوْلهمْ : " إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتنَا الدُّنْيَا " وَاللَّعِب مَعْرُوف , وَالتَّلْعَابَة الْكَثِير اللَّعِب , وَالْمَلْعَب مَكَان اللَّعِب ; يُقَال : لَعِبَ يَلْعَب . وَاللَّهْو أَيْضًا مَعْرُوف , وَكُلّ مَا شَغَلَك فَقَدْ أَلْهَاك , وَلَهَوْت مِنْ اللَّهْو , وَقِيلَ : أَصْله الصَّرْف عَنْ الشَّيْء ; مِنْ قَوْلهمْ : لَهَيْت عَنْهُ ; قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّ الَّذِي مَعْنَاهُ الصَّرْف لَامه يَاء بِدَلِيلِ قَوْلهمْ : لِهْيَان , وَلَام الْأَوَّل وَاو .

لَيْسَ مِنْ اللَّهْو وَاللَّعِب مَا كَانَ مِنْ أُمُور الْآخِرَة , فَإِنَّ حَقِيقَة اللَّعِب مَا لَا يُنْتَفَع بِهِ وَاللَّهْو مَا يُلْتَهَى بِهِ , وَمَا كَانَ مُرَادًا لِلْآخِرَةِ خَارِج عَنْهُمَا ; وَذَمَّ رَجُل الدُّنْيَا عِنْد عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ عَلِيّ : الدُّنْيَا دَار صِدْق لِمَنْ صَدَقَهَا , وَدَار نَجَاة لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا , وَدَار غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا . وَقَالَ مَحْمُود الْوَرَّاق : لَا تُتْبِع الدُّنْيَا وَأَيَّامهَا ذَمًّا وَإِنْ دَارَتْ بِك الدَّائِرَة مِنْ شَرَف الدُّنْيَا وَمِنْ فَضْلهَا أَنْ بِهَا تُسْتَدْرَك الْآخِرَة وَرَوَى أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الدُّنْيَا مَلْعُونَة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ فِيهَا مِنْ ذِكْر اللَّه أَوْ أَدَّى إِلَى ذِكْر اللَّه وَالْعَالِم وَالْمُتَعَلِّم شَرِيكَانِ فِي الْأَجْر وَسَائِر النَّاس هَمَج لَا خَيْر فِيهِ ) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَالَ : حَدِيث حَسَن غَرِيب . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ( مِنْ هَوَان الدُّنْيَا عَلَى اللَّه أَلَّا يُعْصَى إِلَّا فِيهَا وَلَا يُنَال مَا عِنْده إِلَّا بِتَرْكِهَا ) . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ سَهْل بْن سَعْد قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِل عِنْد اللَّه جَنَاح بَعُوضَة مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَة مَاء ) . وَقَالَ الشَّاعِر : تَسَمَّعْ مِنْ الْأَيَّام إِنْ كُنْت حَازِمًا فَإِنَّك مِنْهَا بَيْن نَاهٍ وَآمِر إِذَا أَبْقَتْ الدُّنْيَا عَلَى الْمَرْء دِينه فَمَا فَاتَ مِنْ شَيْء فَلَيْسَ بِضَائِرِ وَلَنْ تَعْدِل الدُّنْيَا جَنَاح بَعُوضَة وَلَا وَزْن زِفّ مِنْ جَنَاح لِطَائِرِ فَمَا رَضِيَ الدُّنْيَا ثَوَابًا لِمُؤْمِنٍ وَلَا رَضِيَ الدُّنْيَا جَزَاء لِكَافِرِ وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هَذِهِ حَيَاة الْكَافِر لِأَنَّهُ يُزْجِيهَا فِي غُرُور وَبَاطِل , فَأَمَّا حَيَاة الْمُؤْمِن فَتَنْطَوِي عَلَى أَعْمَال صَالِحَة , فَلَا تَكُون لَهْوًا وَلَعِبًا .


أَيْ الْجَنَّة لِبَقَائِهَا ; وَسُمِّيَتْ آخِرَة لِتَأَخُّرِهَا عَنَّا , وَالدُّنْيَا لِدُنُوِّهَا مِنَّا . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر ( وَلَدَار الْآخِرَة ) بِلَامٍ وَاحِدَة ; وَالْإِضَافَة عَلَى تَقْدِير حَذْف الْمُضَاف وَإِقَامَة الصِّفَة مَقَامه , التَّقْدِير : وَلَدَار الْحَيَاة الْآخِرَة . وَعَلَى قِرَاءَة الْجُمْهُور ( وَلَلدَّار الْآخِرَة ) اللَّام لَام الِابْتِدَاء , وَرَفَعَ الدَّار بِالِابْتِدَاءِ , وَجَعَلَ الْآخِرَة نَعْتًا لَهَا وَالْخَبَر ( خَيْر لِلَّذِينَ ) يُقَوِّيه " تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة " [ الْقَصَص : 83 ] " وَإِنَّ الدَّار الْآخِرَة لَهِيَ الْحَيَوَان " [ الْعَنْكَبُوت : 64 ] . فَأَتَتْ الْآخِرَة صِفَة لِلدَّارِ فِيهِمَا



أَيْ الشِّرْك .



قُرِئَ بِالْيَاءِ وَالتَّاء ; أَيْ أَفَلَا يَعْقِلُونَ أَنَّ الْأَمْر هَكَذَا فَيَزْهَدُوا فِي الدُّنْيَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الطريق إلى السعادة الزوجية في ضوء الكتاب والسنة

    تبين هذه الرسالة صفات الزوجة الصالحة، وحكمة تعدد الزوجات، وصفات المرأة الصالحة، وذكر هديه في الأسماء والكنى، والحث على تحجب المرأة المسلمة صيانة لها وما ورد في الكفاءة في النكاح، والتحذير من الأنكحة المنهي عنها كنكاح الشغار، والإجبار والنهي عن تزويج من لا يصلي، والحث على إرضاع الأم ولدها وبيان أضرار الإرضاع الصناعي وذكر هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في النكاح، وأحكام زينة المرأة وأخيرًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335007

    التحميل:

  • التعبد بالأسماء والصفات [ لمحات علمية إيمانية ]

    التعبد بالأسماء والصفات : بيان أهمية التعبد بالأسماء والصفات، وأركان التعبد بالأسماء والصفات، ومراتب التعبد بالأسماء والصفات، وطرق الوصول إلى التعبد بالأسماء والصفات، ثم بيان آثار التعبد بالأسماء والصفات، ثم ذر مثال تطبيقي للتعبد بالأسماء والصفات، وهو التعبد باسم الله ( الرحمن ).

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166797

    التحميل:

  • لا بأس طهور إن شاء الله

    لا بأس طهور إن شاء الله : إن للمريض آداباً ينبغي له أن يتحلى بها حال مرضه، وللزائر آداباً أيضاً، وللمرض أحكاماً، وهو من أسباب التخفيف في العبادات؛ لذا كانت هذه الرسالة التي جمعت جملاً من الآداب والأحكام والفتاوى وبعض القصص التي تهم المريض في نفسه وعبادته وتعامله مع مرضه، وتهم الزائر له وتبين له آداب الزيارة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307921

    التحميل:

  • منهج في إعداد خطبة الجمعة

    منهج في إعداد خطبة الجمعة : قال المؤلف - حفظه الله - « هذه كلمات في إعداد الخطبة وصفات الخطيب. حرصت أن تكون شاملة لخصائص الخطيب والخطبة ووجوه التأثير في الخطبة وإحسان إعدادها مقدما لذلك بمقدمة في مهمة الخطيب الشاقة وتعريف الخطبة وأنواعها وبيان أثرها ».

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142649

    التحميل:

  • أربعون مجلسًا في صحبة الحبيب صلى الله عليه وسلم

    يتناول الحديث عن سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وخلقه وشمائله وهديه من خلال 42 مجلسا يتضمن الحديث عن سيرته وحياته الطيبة، وحقوقه على الأمة، وهديه في رمضان,وعبادته، وصدقه وأمانته، وعدله، وعفوه وكرمه، ورفقه بالأمة، ورحمته بالمرأة،والطفل، والعبيد والخدم، والحيوانات والجمادات، ومعيشته، وشجاعته...

    الناشر: موقع البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة http://www.mercyprophet.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191037

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة