Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 158

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158) (الأنعام) mp3
مَعْنَاهُ أَقَمْت عَلَيْهِمْ الْحُجَّة وَأَنْزَلْت عَلَيْهِمْ الْكِتَاب فَلَمْ يُؤْمِنُوا , فَمَاذَا يَنْتَظِرُونَ .


أَيْ عِنْد الْمَوْت لِقَبْضِ أَرْوَاحهمْ .


قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك : أَمَرَ رَبّك فِيهِمْ بِالْقَتْلِ أَوْ غَيْره , وَقَدْ يُذْكَر الْمُضَاف إِلَيْهِ وَالْمُرَاد بِهِ الْمُضَاف ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] يَعْنِي أَهْل الْقَرْيَة . وَقَوْله : " وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل " [ الْبَقَرَة : 93 ] أَيْ حُبّ الْعِجْل . كَذَلِكَ هُنَا : يَأْتِي أَمْر رَبّك , أَيْ عُقُوبَة رَبّك وَعَذَاب رَبّك . وَيُقَال : هَذَا مِنْ الْمُتَشَابِه الَّذِي لَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي مِثْله فِي " الْبَقَرَة " وَغَيْرهَا .


قِيلَ : هُوَ طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا . بَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُمْ يُمْهَلُونَ فِي الدُّنْيَا فَإِذَا ظَهَرَتْ السَّاعَة فَلَا إِمْهَال . وَقِيلَ : إِتْيَان اللَّه تَعَالَى مَجِيئُهُ لِفَصْلِ الْقَضَاء بَيْن خَلْقه فِي مَوْقِف الْقِيَامَة ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَجَاءَ رَبّك وَالْمَلَك صَفًّا صَفًّا " [ الْفَجْر : 22 ] . وَلَيْسَ مَجِيئُهُ تَعَالَى حَرَكَة وَلَا اِنْتِقَالًا وَلَا زَوَالًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُون إِذَا كَانَ الْجَائِي جِسْمًا أَوْ جَوْهَرًا . وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور أَئِمَّة أَهْل السُّنَّة أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : يَجِيء وَيَنْزِل وَيَأْتِي . وَلَا يُكَيِّفُونَ ; لِأَنَّهُ " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير " [ الشُّورَى : 11 ] . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاث إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْل أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانهَا خَيْرًا : طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَالدَّجَّال وَدَابَّة الْأَرْض ) . وَعَنْ صَفْوَان بْن عَسَّال الْمُرَادِيّ قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ بِالْمَغْرِبِ بَابًا مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ مَسِيرَة سَبْعِينَ سَنَة لَا يُغْلَق حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ نَحْوه ) . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالدَّارِمِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَقَالَ سُفْيَان : قِبَل الشَّام , خَلَقَهُ اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض . ( مَفْتُوحًا ) يَعْنِي لِلتَّوْبَةِ لَا يُغْلَق حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْهُ . قَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . قُلْت : وَكَذَّبَ بِهَذَا كُلّه الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَة كَمَا تَقَدَّمَ . وَرَوَى اِبْن عَبَّاس قَالَ : سَمِعْت عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ : أَيّهَا النَّاس , إِنَّ الرَّجْم حَقّ فَلَا تُخْدَعُنَّ عَنْهُ , وَإِنَّ آيَة ذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَجَمَ , وَأَنَّ أَبَا بَكْر قَدْ رَجَمَ , وَأَنَا قَدْ رَجَمْنَا بَعْدهمَا , وَسَيَكُونُ قَوْم مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ , وَيُكَذِّبُونَ بِالدَّجَّالِ , وَيُكَذِّبُونَ بِطُلُوعِ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا , وَيُكَذِّبُونَ بِعَذَابِ الْقَبْر , وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ , وَيُكَذِّبُونَ بِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار بَعْد مَا اِمْتَحَشُوا . ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ فِي حَدِيث فِيهِ طُول عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَعْنَاهُ : أَنَّ الشَّمْس تُحْبَس عَنْ النَّاس - حِين تَكْثُر الْمَعَاصِي فِي الْأَرْض , وَيَذْهَب الْمَعْرُوف فَلَا يَأْمُر بِهِ أَحَد , وَيَفْشُو الْمُنْكَر فَلَا يُنْهَى عَنْهُ - مِقْدَار لَيْلَة تَحْت الْعَرْش , كُلَّمَا سَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ رَبّهَا تَعَالَى مِنْ أَيْنَ تَطْلُع لَمْ يَجِئْ لَهَا جَوَاب حَتَّى يُوَافِيهَا الْقَمَر فَيَسْجُد مَعَهَا , وَيَسْتَأْذِن مِنْ أَيْنَ يَطْلُع فَلَا يُجَاء إِلَيْهِمَا جَوَاب حَتَّى يُحْبَسَا مِقْدَار ثَلَاث لَيَالٍ لِلشَّمْسِ وَلَيْلَتَيْنِ لِلْقَمَرِ ; فَلَا يُعْرَف طُول تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَّا الْمُتَهَجِّدُونَ فِي الْأَرْض وَهُمْ يَوْمئِذٍ عِصَابَة قَلِيلَة فِي كُلّ بَلْدَة مِنْ بِلَاد الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا تَمَّ لَهُمَا مِقْدَار ثَلَاث لَيَالٍ أَرْسَلَ اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِمَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُول : ( إِنَّ الرَّبّ سُبْحَانه وَتَعَالَى يَأْمُركُمَا أَنْ تَرْجِعَا إِلَى مَغَارِبكُمَا فَتَطْلُعَا مِنْهُ , وَأَنَّهُ لَا ضَوْء لَكُمَا عِنْدنَا وَلَا نُور ) فَيَطْلُعَانِ مِنْ مَغَارِبهمَا أَسْوَدَيْنِ , لَا ضَوْء لِلشَّمْسِ وَلَا نُور لِلْقَمَرِ , مِثْلهمَا فِي كُسُوفهمَا قَبْل ذَلِكَ . فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَجَمَعَ الشَّمْس وَالْقَمَر " [ الْقِيَامَة : 9 ] وَقَوْله : " إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ " [ التَّكْوِير : 1 ] فَيَرْتَفِعَانِ كَذَلِكَ مِثْل الْبَعِيرَيْنِ الْمَقْرُونَيْنِ ; فَإِذَا مَا بَلَغَ الشَّمْس وَالْقَمَر سُرَّة السَّمَاء وَهِيَ مُنْتَصَفهَا جَاءَهُمَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ بِقُرُونِهِمَا وَرَدَّهُمَا إِلَى الْمَغْرِب , فَلَا يُغَرِّبهُمَا مِنْ مَغَارِبهمَا وَلَكِنْ يُغَرِّبهُمَا مِنْ بَاب التَّوْبَة ثُمَّ يَرُدّ الْمِصْرَاعَيْنِ , ثُمَّ يَلْتَئِم مَا بَيْنهمَا فَيَصِير كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا صَدْع . فَإِذَا أُغْلِقَ بَاب التَّوْبَة لَمْ تُقْبَل لِعَبْدٍ بَعْد ذَلِكَ تَوْبَة , وَلَمْ تَنْفَعهُ بَعْد ذَلِكَ حَسَنَة يَعْمَلهَا ; إِلَّا مَنْ كَانَ قَبْل ذَلِكَ مُحْسِنًا فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ الْيَوْم ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " يَوْم يَأْتِي بَعْض آيَات رَبّك لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْل أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانهَا خَيْرًا " .


ثُمَّ إِنَّ الشَّمْس وَالْقَمَر يُكْسَيَانِ بَعْد ذَلِكَ الضَّوْء وَالنُّور , ثُمَّ يَطْلُعَانِ عَلَى النَّاس وَيُغَرِّبَانِ كَمَا كَانَا قَبْل ذَلِكَ يَطْلُعَانِ وَيَغْرُبَانِ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانهَا عِنْد طُلُوعهَا مِنْ مَغْرِبهَا ; لِأَنَّهُ خَلَصَ إِلَى قُلُوبهمْ مِنْ الْفَزَع مَا تُخْمَد مَعَهُ كُلّ شَهْوَة مِنْ شَهَوَات النَّفْس , وَتَفْتُر كُلّ قُوَّة مِنْ قُوَى الْبَدَن ; فَيَصِير النَّاس كُلّهمْ لِإِيقَانِهِمْ بِدُنُوِّ الْقِيَامَة فِي حَال مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْت فِي اِنْقِطَاع الدَّوَاعِي إِلَى أَنْوَاع الْمَعَاصِي عَنْهُمْ , وَبُطْلَانهَا مِنْ أَبْدَانهمْ ; فَمَنْ تَابَ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَال لَمْ تُقْبَل تَوْبَته , كَمَا لَا تُقْبَل تَوْبَة مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْت . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر ) أَيْ تَبْلُغ رُوحه رَأْس حَلْقه , وَذَلِكَ وَقْت الْمُعَايَنَة الَّذِي يَرَى فِيهِ مَقْعَده مِنْ الْجَنَّة أَوْ مَقْعَده مِنْ النَّار ; فَالْمُشَاهَد لِطُلُوعِ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا مِثْله . وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُون تَوْبَة كُلّ مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ كَالْمُشَاهَدِ لَهُ مَرْدُودَة مَا عَاشَ ; لِأَنَّ عِلْمه بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِوَعْدِهِ قَدْ صَارَ ضَرُورَة . فَإِنْ اِمْتَدَّتْ أَيَّام الدُّنْيَا إِلَى أَنْ يَنْسَى النَّاس مِنْ هَذَا الْأَمْر الْعَظِيم مَا كَانَ , وَلَا يَتَحَدَّثُوا عَنْهُ إِلَّا قَلِيلًا , فَيَصِير الْخَبَر عَنْهُ خَاصًّا وَيَنْقَطِع التَّوَاتُر عَنْهُ ; فَمَنْ أَسْلَمَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت أَوْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : حَفِظْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْد , سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ أَوَّل الْآيَات خُرُوجًا طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَخُرُوج الدَّابَّة عَلَى النَّاس ضُحًى وَأَيّهمَا مَا كَانَتْ قَبْل صَاحِبَتهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرهَا قَرِيبًا ) . وَفِيهِ عَنْ حُذَيْفَة قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُرْفَة وَنَحْنُ أَسْفَل مِنْهُ , فَاطَّلَعَ إِلَيْنَا فَقَالَ : " مَا تَذْكُرُونَ ) ؟ قُلْنَا : السَّاعَة . قَالَ : ( إِنَّ السَّاعَة لَا تَكُون حَتَّى تَكُون عَشْر آيَات . خَسْف بِالْمَشْرِقِ وَخَسْف بِالْمَغْرِبِ وَخَسْف فِي جَزِيرَة الْعَرَب وَالدُّخَان وَالدَّجَّال وَدَابَّة الْأَرْض وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج وَطُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَنَار تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدْن تُرَحِّل النَّاس ) . قَالَ شُعْبَة : وَحَدَّثَنِي عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع عَنْ أَبِي الطُّفَيْل عَنْ أَبِي سَرِيحَة مِثْل ذَلِكَ , لَا يَذْكُر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ أَحَدهمَا فِي الْعَاشِرَة : وَنُزُول عِيسَى اِبْن مَرْيَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الْآخَر : وَرِيح تُلْقِي النَّاس فِي الْبَحْر . قُلْت : وَهَذَا حَدِيث مُتْقِن فِي تَرْتِيب الْعَلَامَات . وَقَدْ وَقَعَ بَعْضهَا وَهِيَ الْخُسُوفَات عَلَى مَا ذَكَرَ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ مِنْ وُقُوعهَا بِعِرَاقِ الْعَجَم وَالْمَغْرِب . وَهَلَكَ بِسَبَبِهَا خَلْق كَثِير ; ذَكَرَهُ فِي كِتَاب فُهُوم الْآثَار وَغَيْره . وَيَأْتِي ذِكْر الدَّابَّة فِي " النَّمْل " . وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج فِي " الْكَهْف " . وَيُقَال : إِنَّ الْآيَات تَتَابَع كَالنَّظْمِ فِي الْخَيْط عَامًا فَعَامًا . وَقِيلَ : إِنَّ الْحُكْم فِي طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِنُمْرُوذ : " فَإِنَّ اللَّه يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِق فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِب فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ " [ الْبَقَرَة : 258 ] وَأَنَّ الْمُلْحِدَة وَالْمُنَجِّمَة عَنْ آخِرهمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ : هُوَ غَيْر كَائِن ; فَيُطْلِعهَا اللَّه تَعَالَى يَوْمًا مِنْ الْمَغْرِب لِيُرِيَ الْمُنْكِرِينَ قُدْرَته أَنَّ الشَّمْس فِي مُلْكه , إِنْ شَاءَ أَطْلَعَهَا مِنْ الْمَشْرِق وَإِنْ شَاءَ أَطْلَعَهَا مِنْ الْمَغْرِب . وَعَلَى هَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَدّ التَّوْبَة وَالْإِيمَان عَلَى مَنْ آمَنَ وَتَابَ مِنْ الْمُنْكِرِينَ لِذَلِكَ الْمُكَذِّبِينَ لِخَبَرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطُلُوعِهَا , فَأَمَّا الْمُصَدِّقُونَ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ تُقْبَل تَوْبَتهمْ وَيَنْفَعهُمْ إِيمَانهمْ قَبْل ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : لَا يُقْبَل مِنْ كَافِر عَمَل وَلَا تَوْبَة إِذَا أَسْلَمَ حِين يَرَاهَا , إِلَّا مَنْ كَانَ صَغِيرًا يَوْمئِذٍ ; فَإِنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ . وَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مُذْنِبًا فَتَابَ مِنْ الذَّنْب قُبِلَ مِنْهُ . وَرُوِيَ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا لَمْ تُقْبَل تَوْبَته وَقْت طُلُوع الشَّمْس حِين تَكُون صَيْحَة فَيَهْلِك فِيهَا كَثِير مِنْ النَّاس ; فَمَنْ أَسْلَمَ أَوْ تَابَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَهَلَكَ لَمْ تُقْبَل تَوْبَته , وَمَنْ تَابَ بَعْد ذَلِكَ قُبِلَتْ تَوْبَته ; ذَكَرَهُ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ فِي تَفْسِيره . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : يَبْقَى النَّاس بَعْد طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة حَتَّى يَغْرِسُوا النَّخْل . وَاَللَّه بِغَيْبِهِ أَعْلَم . وَقَرَأَ اِبْن عُمَر وَابْن الزُّبَيْر " يَوْم تَأْتِي " بِالتَّاءِ ; مِثْل " تَلْتَقِطهُ بَعْض السَّيَّارَة " . وَذَهَبَتْ بَعْض أَصَابِعه . وَقَالَ جَرِير : لَمَّا أَتَى خَبَر الزُّبَيْر تَوَاضَعَتْ سُوَر الْمَدِينَة وَالْجِبَال الْخُشَّع قَالَ الْمُبَرِّد : التَّأْنِيث عَلَى الْمُجَاوَرَة لِمُؤَنَّثٍ لَا عَلَى الْأَصْل . وَقَرَأَ اِبْن سِيرِينَ " لَا تَنْفَع " بِالتَّاءِ . قَالَ أَبُو حَاتِم : يَذْكُرُونَ أَنَّ هَذَا غَلَط مِنْ اِبْن سِيرِينَ . قَالَ النَّحَّاس : فِي هَذَا شَيْء دَقِيق مِنْ النَّحْو ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَان وَالنَّفْس كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مُشْتَمِل عَلَى الْآخَر فَأَنَّثَ الْإِيمَان إِذْ هُوَ مِنْ النَّفْس وَبِهَا ; وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : مَشَيْنَ كَمَا اِهْتَزَّتْ رِمَاح تَسَفَّهَتْ أَعَالِيهَا مَرّ الرِّيَاح النَّوَاسِم قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَكَثِيرًا مَا يُؤَنِّثُونَ فِعْل الْمُضَاف الْمُذَكَّر إِذَا كَانَتْ إِضَافَته إِلَى مُؤَنَّث , وَكَانَ الْمُضَاف بَعْض الْمُضَاف إِلَيْهِ مِنْهُ أَوْ بِهِ ; وَعَلَيْهِ قَوْل ذِي الرُّمَّة : مَشَيْنَ . . . الْبَيْت فَأَنَّثَ الْمَرّ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الرِّيَاح وَهِيَ مُؤَنَّثَة , إِذْ كَانَ الْمَرّ مِنْ الرِّيَاح . قَالَ النَّحَّاس : وَفِيهِ قَوْل آخَر وَهُوَ أَنْ يُؤَنَّث الْإِيمَان لِأَنَّهُ مَصْدَر كَمَا يُذَكَّر الْمَصْدَر الْمُؤَنَّث ; مِثْل " فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة مِنْ رَبّه " [ الْبَقَرَة : 275 ] وَكَمَا قَالَ : فَقَدْ عَذَرْتنَا فِي صَحَابَته الْعُذْر فَفِي أَحَد الْأَقْوَال أَنَّثَ الْعُذْر لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَعْذِرَة . " قُلْ اِنْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ " بِكُمْ الْعَذَاب .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الفتح الرباني في العلاقة بين القراءات والرسم العثماني

    الفتح الرباني في العلاقة بين القراءات والرسم العثماني: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فمنذ زمن بعيد وأنا توَّاق إلى وضعِ مُصنَّف خاصّ أُضمِّنُه الحديثَ عن العلاقة بين القراءات والرسمِ العُثماني، وأُبيِّن فيه أن العلاقة بينهما قوية ومتينة؛ لأنه يترتَّبُ على مُخالفة (الرسم العثماني) ترك الكثير من القراءات المُتواتِرة، حتى شاءَ الله تعالى وشرحَ صدري للكتابةِ في هذا الموضوع الهامّ الذي لم أُسبَق إلى مثلهِ من قبل، وقد سمَّيتُ مُصنَّفي هذا: «الفتح الرباني في العلاقة بين القراءات والرسم العثماني». وهدَفي من وراءِ الكتابة في هذا الموضوع الهام عدَّة أمور في مُقدِّمتها ميعًا: الدفاع عن قراءات القرآن، وعن الرسم الذي كُتِب به (القرآن) بين يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك الرسم الذي اكتسبَ حُكمًا شرعيًّا، وهو إجماعُ الصحابةِ عليه، كما أن هذا الرسم من عملِ بعضِ الصحابةِ - رضوان الله عليهم أجمعين -».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385225

    التحميل:

  • كتاب الفضائل

    كتاب الفضائل: هذ الكتاب باب من أبواب كتاب مختصر الفقه الإسلامي، وقد شمل عدة فضائل، مثل فضائل التوحيد، وفضائل الإيمان، وفضائل العبادات، وغيرها من الفضائل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380413

    التحميل:

  • مختصر كتاب الاعتصام

    مختصر كتاب الاعتصام: فإنَّ كتاب «الاعتصام» للإمام أبي إسحاق الشاطبي يُعَدُّ من أفضل ما أُلِّف في معنى البدعة وحَدِّها وذمِّ البدع وسوء منقلب أهلها، وأنواعها وأحكامها والفرق بينها وبين المصالح المرسلة وغير ذلك من مسائل تتعلق بالبدعة وأهلها. ونظرًا لما في الكتاب من الإطالة والاستطرادات قام الشيخ علوي السقَّاف - حفظه الله - باختصار الكتاب اختصارًا غير مُخِلٍّ؛ حيث قام بتهذيب الكتاب من الأحاديث الضعيفة، وبعض الأقوال والقصص والأخبار والأمثلة والتفريعات وغير ذلك.

    الناشر: موقع الدرر السنية http://www.dorar.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335500

    التحميل:

  • قم فأنذِر [ أم لم يعرِفوا رسولَهم؟ ]

    قم فأنذِر [ أم لم يعرِفوا رسولَهم؟ ]: طرح جديد في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلما يُطرق، أراد الشيخ فيه عرضَ السيرة العطِرة لسيد البشر - عليه الصلاة والسلام - بأسلوبٍ مُشوِّق جذَّاب، وهو يتأسَّف على جهل كثيرٍ من المسلمين بسيرة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/336096

    التحميل:

  • لماذا تدخن؟

    لماذا تدخن؟: فإن التدخين وباءٌ خطير، وشر مستطير، وبلاء مدمر، أضرارُه جسيمةٌ، وعواقبه وخيمة، وبيعه وترويجه جريمةٌ أيما جريمة، وقد وقع في شَرَكِهِ فئام من الناس، فغدا بألبابهم، واستولى على قلوبهم، فعزَّ عليهم تركُه، وصعب في نفوسهم أن يتخلصوا من أسْره، وفي هذه الرسالة حث للمدخنين على تركه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172575

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة