Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 152

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) (الأنعام) mp3
أَيْ بِمَا فِيهِ صَلَاحه وَتَثْمِيره , وَذَلِكَ بِحِفْظِ أُصُوله وَتَثْمِير فُرُوعه . وَهَذَا أَحْسَن الْأَقْوَال فِي هَذَا ; فَإِنَّهُ جَامِع . قَالَ مُجَاهِد : " وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن " بِالتِّجَارَةِ فِيهِ , وَلَا تَشْتَرِي مِنْهُ وَلَا تَسْتَقْرِض .


يَعْنِي قُوَّته , وَقَدْ تَكُون فِي الْبَدَن , وَقَدْ تَكُون فِي الْمَعْرِفَة بِالتَّجْرِبَةِ , وَلَا بُدّ مِنْ حُصُول الْوَجْهَيْنِ ; فَإِنَّ الْأَشَدّ وَقَعَتْ هُنَا مُطْلَقَة وَقَدْ جَاءَ بَيَان حَال الْيَتِيم فِي سُورَة " النِّسَاء " مُقَيَّدَة , فَقَالَ : " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاح فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا " [ النِّسَاء : 6 ] فَجَمَعَ بَيْن قُوَّة الْبَدَن وَهُوَ بُلُوغ النِّكَاح , وَبَيْن قُوَّة الْمَعْرِفَة وَهُوَ إِينَاس الرُّشْد ; فَلَوْ مُكِّنَ الْيَتِيم مِنْ مَاله قَبْل حُصُول الْمَعْرِفَة وَبَعْد حُصُول الْقُوَّة لَأَذْهَبَهُ فِي شَهْوَته وَبَقِيَ صُعْلُوكًا لَا مَال لَهُ . وَخَصَّ الْيَتِيم بِهَذَا الشَّرْط لِغَفْلَةِ النَّاس عَنْهُ وَافْتِقَاد الْآبَاء لِأَبْنَائِهِمْ فَكَانَ الِاهْتِبَال بِفَقِيدِ الْأَب أَوْلَى . وَلَيْسَ بُلُوغ الْأَشُدّ مِمَّا يُبِيح قُرْب مَاله بِغَيْرِ الْأَحْسَن ; لِأَنَّ الْحُرْمَة فِي حَقّ الْبَالِغ ثَابِتَة . وَخَصَّ الْيَتِيم بِالذِّكْرِ لِأَنَّ خَصْمه اللَّه . وَالْمَعْنَى : وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن عَلَى الْأَبَد حَتَّى يَبْلُغ أَشُدّهُ . وَفِي الْكَلَام حَذْف ; فَإِذَا بَلَغَ أَشُدّهُ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْد فَادْفَعُوا إِلَيْهِ مَاله . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَشُدّ الْيَتِيم ; فَقَالَ اِبْن زَيْد : بُلُوغه . وَقَالَ أَهْل الْمَدِينَة . بُلُوغه وَإِينَاس رُشْده . وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة : خَمْس وَعِشْرُونَ سَنَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَعَجَبًا مِنْ أَبِي حَنِيفَة , فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُقَدَّرَات لَا تَثْبُت قِيَاسًا وَلَا نَظَرًا وَإِنَّمَا تَثْبُت نَقْلًا , وَهُوَ يُثْبِتهَا بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَة , وَلَكِنَّهُ سَكَنَ دَار الضَّرْب فَكَثُرَ عِنْده الْمُدَلِّس , وَلَوْ سَكَنَ الْمَعْدِن كَمَا قَيَّضَ اللَّه لِمَالِك لِمَا صَدَرَ عَنْهُ إِلَّا إِبْرِيز الدِّين . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ اِنْتِهَاء الْكُهُولَة فِيهَا مُجْتَمَع الْأَشُدّ ; كَمَا قَالَ سُحَيْم بْن وَثِيل : أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِع أَشُدِّي وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَة الشُّؤُون يُرْوَى " نَجَّدَنِي " بِالدَّالِ وَالذَّال . وَالْأَشُدّ وَاحِد لَا جَمْع لَهُ ; بِمَنْزِلَةِ الْآنُك وَهُوَ الرَّصَاص . وَقَدْ قِيلَ : وَاحِده شَدّ ; كَفَلْسٍ وَأَفْلُس . وَأَصْله مِنْ شَدَّ النَّهَار أَيْ اِرْتَفَعَ ; يُقَال : أَتَيْته شَدَّ النَّهَار وَمَدَّ النَّهَار . وَكَانَ مُحَمَّد بْن الضَّبِّيّ يَنْشُد بَيْت عَنْتَرَة : عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهَار كَأَنَّمَا خُضِبَ اللَّبَّان وَرَأْسه بْالْعِظْلِمِ وَقَالَ آخَر : تُطِيف بِهِ شَدَّ النَّهَار ظَعِينَة طَوِيلَة أَنْقَاء الْيَدَيْنِ سَحُوق وَكَانَ سِيبَوَيْهِ يَقُول : وَاحِده شِدَّة . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَهُوَ حَسَن فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يُقَال : بَلَغَ الْغُلَام شِدَّته , وَلَكِنْ لَا تُجْمَع فِعْلَة عَلَى أَفْعُل , وَأَمَّا أَنْعُم فَإِنَّمَا هُوَ جَمْع نُعْم ; مِنْ قَوْلهمْ : يَوْم بُؤْس وَيَوْم نُعْم . وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ : وَاحِده شَدّ ; مِثْل كَلْب وَأَكْلُب , وَشِدّ مِثْل ذِئْب وَأَذْؤُب فَإِنَّمَا هُوَ قِيَاس . كَمَا يَقُولُونَ فِي وَاحِد الْأَبَابِيل : إِبَّوْل , قِيَاسًا عَلَى عِجَّوْل , وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا سُمِعَ مِنْ الْعَرَب . قَالَ أَبُو زَيْد : أَصَابَتْنِي شُدَّى عَلَى فُعْلَى ; أَيْ شِدَّة . وَأَشَدَّ الرَّجُل إِذَا كَانَتْ مَعَهُ دَابَّة شَدِيدَة .


أَيْ بِالِاعْتِدَالِ فِي الْأَخْذ وَالْعَطَاء عِنْد الْبَيْع وَالشِّرَاء . وَالْقِسْط : الْعَدْل .


أَيْ طَاقَتهَا فِي إِيفَاء الْكَيْل وَالْوَزْن . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْأَوَامِر إِنَّمَا هِيَ فِيمَا يَقَع تَحْت قُدْرَة الْبَشَر مِنْ التَّحَفُّظ وَالتَّحَرُّر . وَمَا لَا يُمْكِن الِاحْتِرَاز عَنْهُ مِنْ تَفَاوُت مَا بَيْن الْكَيْلَيْنِ , وَلَا يَدْخُل تَحْت قُدْرَة الْبَشَر فَمَعْفُوّ عَنْهُ . وَقِيلَ : الْكَيْل بِمَعْنَى الْمِكْيَال . يُقَال : هَذَا كَذَا وَكَذَا كَيْلًا ; وَلِهَذَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْمِيزَانِ . وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : لَمَّا عَلِمَ اللَّه سُبْحَانه مِنْ عِبَاده أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ تَضِيق نَفْسه عَنْ أَنْ تَطِيب لِلْغَيْرِ بِمَا لَا يَجِب عَلَيْهَا لَهُ أَمَرَ الْمُعْطِي بِإِيفَاءِ رَبّ الْحَقّ حَقّه الَّذِي هُوَ لَهُ , وَلَمْ يُكَلِّفهُ الزِّيَادَة ; لِمَا فِي الزِّيَادَة عَلَيْهِ مِنْ ضِيق نَفْسه بِهَا . وَأَمَرَ صَاحِب الْحَقّ بِأَخْذِ حَقّه وَلَمْ يُكَلِّفهُ الرِّضَا بِأَقَلّ مِنْهُ ; لِمَا فِي النُّقْصَان مِنْ ضِيق نَفْسه . وَفِي مُوَطَّإِ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : مَا ظَهَرَ الْغُلُول فِي قَوْم قَطُّ إِلَّا أَلْقَى اللَّه فِي قُلُوبهمْ الرُّعْب , وَلَا فَشَا الزِّنَى فِي قَوْم إِلَّا كَثُرَ فِيهِمْ الْمَوْت , وَلَا نَقَصَ قَوْم الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا قُطِعَ عَنْهُمْ الرِّزْق , وَلَا حَكَمَ قَوْم بِغَيْرِ الْحَقّ إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الدَّم , وَلَا خَتَرَ قَوْم بِالْعَهْدِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْعَدُوّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : إِنَّكُمْ مَعْشَر الْأَعَاجِم قَدْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ بِهِمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ الْكَيْل وَالْمِيزَان .


يَتَضَمَّن الْأَحْكَام وَالشَّهَادَات .


أَيْ وَلَوْ كَانَ الْحَقّ عَلَى مِثْل قَرَابَاتكُمْ . كَمَا تَقَدَّمَ فِي " النِّسَاء " .


عَامّ فِي جَمِيع مَا عَهِدَهُ اللَّه إِلَى عِبَاده . وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ جَمِيع مَا اِنْعَقَدَ بَيْن إِنْسَانَيْنِ . وَأُضِيفَ ذَلِكَ الْعَهْد إِلَى اللَّه مِنْ حَيْثُ أُمِرَ بِحِفْظِهِ وَالْوَفَاء بِهِ .


تَتَّعِظُونَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حقيقة الانتصار

    حقيقة الانتصار: قال الشيخ في المقدمة: «فقد تأملت في واقع الدعوة اليوم، وما مرت به في خلال هذا العصر من محن وابتلاءات، ورأيت أن الأمة تعيش يقظة مباركة، وصحوة ناهضة، والدعاة يجوبون الآفاق، والجماعات الإسلامية انتشرت في البلدان، حتى وصلت إلى أوربا وأمريكا، وقامت حركات جهادية في بعض بلاد المسلمين كأفغانستان وفلسطين وأريتريا والفلبين وغيرها. ولكن لحظت أن هناك مفاهيم غائبة عن فهم كثير من المسلمين، مع أن القرآن الكريم قد بينها، بل وفصلها، ورأيت أن كثيرا من أسباب الخلل في واقع الدعوة والدعاة، يعود لغياب هذه الحقائق. ومن هذه المفاهيم مفهوم "حقيقة الانتصار"، حيث إن خفاءه أوقع في خلل كبير، ومن ذلك: الاستعجال، والتنازل، واليأس والقنوط ثم العزلة، وهذه أمور لها آثارها السلبية على المنهج وعلى الأمة. من أجل ذلك كله عزمتُ على بيان هذه الحقيقة الغائبة، ودراستها في ضوء القرآن الكريم».

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337579

    التحميل:

  • مفسدات القلوب [ الكبر ]

    الكبر داء من أدواء النفس الخطيرة التي تجنح بالإنسان عن سبيل الهدى والحق إلى سبل الردى والضلال; ونتيجته بطر الحق ورده وطمس معالمه; وغمط الناس واحتقارهم صغاراً وكباراً والعياذ بالله تعالى.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339985

    التحميل:

  • توحيد الأسماء والصفات

    توحيد الأسماء والصفات : في هذه الرسالة ستجد تعريف توحيد الأسماء والصفات. • أهميته. • ثمراته. • طريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته. • الأدلة على صحة مذهب السلف. • قواعد في أسماء الله عز وجل. • قواعد في صفات الله عز وجل. • ما ضد توحيد الأسماء والصفات ؟ • الفرق التي ضلت في باب الأسماء والصفات. • حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة. • مسائل أحدثها المتكلمون الكلمات المجملة. • دراسة موجزة لبعض الكلمات المجملة. • وقفة حول المجاز.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172700

    التحميل:

  • وقفات منهجية تربوية دعوية من سير الصحابة

    وقفات منهجية تربوية دعوية من سير الصحابة : أصل هذا الكتاب هو دروس من سير الصحابة الأخيار - رضي الله عنهم - ألقيت في الدورة العلمية المقامة في مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية وذلك في عام 1424هـ. - وهذا الكتاب يتكون من تمهيد فِي فضل العلماء، والحث على طلب العلم خاصة فِي مرحلة الشباب، ثمَّ توطئة فيِها التعريف بالصحابة وبيان ذكر أدلة مكانتهم، ثمَّ الشروع فِي الموضوع بذكر بعض مواقفهم والدروس التربوية المستفادة منها، وبيان منهجهم مع النصوص، وربطها بواقعنا المعاصر إسهامًا لرسم طرق الإصلاح السليمة لأحوالنا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233561

    التحميل:

  • الإمام جعفر بن أبي طالب وآله رضي الله عنهم

    الإمام جعفر بن أبي طالب وآله رضي الله عنهم: في هذا البحث تعرَّض المؤلف لسيرة الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب وسيرة آل بيته الأطهار - رضي الله عنهم -، وذكر مواقفه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهجرته، وما إلى ذلك؛ مُعتمدًا على ما صحَّ منها، مُبيِّنًا صحيحَ ما رُوي فيها من ضعفه، مُحقِّقًا في بعضها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380432

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة