Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 136

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) (الأنعام) mp3
وَيُقَال : ذَرَأَ يَذْرَأ ذَرْءًا , أَيْ خَلَقَ . وَفِي الْكَلَام حَذْف وَاخْتِصَار , وَهُوَ وَجَعَلُوا لِأَصْنَامِهِمْ نَصِيبًا ; دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْده . وَكَانَ هَذَا مِمَّا زَيَّنَهُ الشَّيْطَان وَسَوَّلَهُ لَهُمْ , حَتَّى صَرَفُوا مِنْ مَالهمْ طَائِفَة إِلَى اللَّه بِزَعْمِهِمْ وَطَائِفَة إِلَى أَصْنَامهمْ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَقَتَادَة . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . جَعَلُوا لِلَّهِ جُزْءًا وَلِشُرَكَائِهِمْ جُزْءًا , فَإِذَا ذَهَبَ مَا لِشُرَكَائِهِمْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَعَلَى سَدَنَتهَا عَوَّضُوا مِنْهُ مَا لِلَّهِ , وَإِذَا ذَهَبَ مَا لِلَّهِ بِالْإِنْقَاقِ عَلَى الضِّيفَان وَالْمَسَاكِين لَمْ يُعَوَّضُوا مِنْهُ شَيْئًا , وَقَالُوا : اللَّه مُسْتَغْنٍ عَنْهُ وَشُرَكَاؤُنَا فُقَرَاء . وَكَانَ هَذَا مِنْ جَهَالَاتهمْ وَبِزَعْمِهِمْ . وَالزَّعْم الْكَذِب . قَالَ شُرَيْح الْقَاضِي : إِنَّ لِكُلِّ شَيْء كُنْيَة وَكُنْيَة الْكَذِب زَعَمُوا . وَكَانُوا يَكْذِبُونَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِل بِذَلِكَ شَرْع . وَرَوَى سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَم جَهْل الْعَرَب فَلْيَقْرَأْ مَا فَوْق الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَة مِنْ سُورَة الْأَنْعَام إِلَى قَوْله : " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادهمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم " [ الْأَنْعَام : 140 ] . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ كَلَام صَحِيح , فَإِنَّهَا تَصَرَّفَتْ بِعُقُولِهَا الْعَاجِزَة فِي تَنْوِيع الْحَلَال وَالْحَرَام سَفَاهَة بِغَيْرِ مَعْرِفَة وَلَا عَدْل , وَاَلَّذِي تَصَرَّفَتْ بِالْجَهْلِ فِيهِ مِنْ اِتِّخَاذ الْآلِهَة أَعْظَم جَهْلًا وَأَكْبَر جُرْمًا ; فَإِنَّ الِاعْتِدَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى أَعْظَم مِنْ الِاعْتِدَاء عَلَى الْمَخْلُوقَات . وَالدَّلِيل فِي أَنَّ اللَّه وَاحِد فِي ذَاته وَاحِد فِي صِفَاته وَاحِد فِي مَخْلُوقَاته أَبْيَن وَأَوْضَح مِنْ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ هَذَا حَلَال وَهَذَا حَرَام . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَمْرِو بْن الْعَاصِ : إِنَّكُمْ عَلَى كَمَالِ عُقُولكُمْ وَوُفُور أَحْلَامكُمْ عَبَدْتُمْ الْحَجَر ! فَقَالَ عَمْرو : تِلْكَ عُقُول كَادَهَا بَارِيهَا . فَهَذَا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه سُبْحَانه مِنْ سَخَافَة الْعَرَب وَجَهْلهَا أَمْر أَذْهَبَهُ الْإِسْلَام , وَأَبْطَلَهُ اللَّه بِبَعْثِهِ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام . فَكَانَ مِنْ الظَّاهِر لَنَا أَنْ نُمِيتهُ حَتَّى لَا يَظْهَر , وَنَنْسَاهُ حَتَّى لَا يُذْكَر ; إِلَّا أَنَّ رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَكَرَهُ بِنَصِّهِ وَأَوْرَدَهُ بِشَرْحِهِ , كَمَا ذَكَرَ كُفْر الْكَافِرِينَ بِهِ . وَكَانَتْ الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّ قَضَاءَهُ قَدْ سَبَقَ , وَحُكْمه قَدْ نَفَذَ بِأَنَّ الْكُفْر وَالتَّخْلِيط لَا يَنْقَطِعَانِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَرَأَ يَحْيَى بْن وَثَّاب وَالسُّلَمِيّ وَالْأَعْمَش وَالْكِسَائِيّ " بِزَعْمِهِمْ " بِضَمِّهِ الزَّاي . وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا , وَهُمَا لُغَتَانِ .


أَيْ إِلَى الْمَسَاكِين . " سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ " أَيْ سَاءَ الْحُكْم حُكْمهمْ . قَالَ اِبْن زَيْد : كَانُوا إِذَا ذَبَحُوا مَا لِلَّهِ ذَكَرُوا عَلَيْهِ اِسْم الْأَوْثَان , وَإِذَا ذَبَحُوا مَا لِأَوْثَانِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا عَلَيْهِ اِسْم اللَّه , فَهَذَا مَعْنَى " فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِل إِلَى اللَّه " . فَكَانَ تَرْكهمْ لِذِكْرِ اللَّه مَذْمُومًا مِنْهُمْ وَكَانَ دَاخِلًا فِي تَرْك أَكْل مَا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي

    قال المؤلف: إن قضية الدعوة إلى الله تعالى ليست شأنا خاصا لفئة محدودة من الناس، ولكنها من القضايا المركزية لهذه الأمة، فنحن أمة رسالتها الأساسية في هذه الحياة هداية الخلق ونشر ألعام الحق والعدل والخير، وتعبيد الناس لقيوم السماوات والأرض، كما ان إصلاح المجتمعات الإسلامية وتخليصها من حالة الوهن والغثائية من الهموم العامة لمعظم أبناء أمة الإسلام على اختلاف طبقاتهم وأوضاعهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380518

    التحميل:

  • الطريق إلى السعادة الزوجية في ضوء الكتاب والسنة

    تبين هذه الرسالة صفات الزوجة الصالحة، وحكمة تعدد الزوجات، وصفات المرأة الصالحة، وذكر هديه في الأسماء والكنى، والحث على تحجب المرأة المسلمة صيانة لها وما ورد في الكفاءة في النكاح، والتحذير من الأنكحة المنهي عنها كنكاح الشغار، والإجبار والنهي عن تزويج من لا يصلي، والحث على إرضاع الأم ولدها وبيان أضرار الإرضاع الصناعي وذكر هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في النكاح، وأحكام زينة المرأة وأخيرًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335007

    التحميل:

  • فتح المجيد شرح كتاب التوحيد

    كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - كتاب عظيم النفع في بابه، بين فيه التوحيد وفضله، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع؛ لذلك حرص العلماء على شرحه، ومن هذه الشروح كتاب فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: الوليد بن عبد الرحمن الفريان

    الناشر: دار المؤيد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2426

    التحميل:

  • التوحيد أولا يا دعاة الإسلام

    التوحيد أولاً يا دعاة الإسلام : رسالة عظيمة النفع والفائدة للعامة والخاصة؛ يُجيب فيها عالم من علماء هذا العصر وهو فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى -، على سؤال يدور على ألسنة الغيورين على هذا الدين الذي يحملونه في قلوبهم ويشغلون فكرهم به ليلًا ونهارًا ومجمل السؤال هو: ما هو السبيل إلى النهوض بالمسلمين وما هو الطريق الذي يتخذونه حتى يمكن الله لهم ويضعهم في المكان اللائق بهم بين الأمم؟ فأجاب - رحمه الله - على هذا السؤال إجابة مفصلة واضحة. ولما لهذه الإجابة من حاجة، رأينا نشرها. فأسأل الله تعالى أن ينفع بها وأن يهدي المسلمين إلى ما يحب ويرضى؛ إنه جواد كريم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117122

    التحميل:

  • العقيدة الصحيحة وما يضادها ونواقض الإسلام

    العقيدة الصحيحة وما يضادها ونواقض الإسلام: محاضرة ألقاها فضيلة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - بين فيها أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، إذا أنه من المعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، فإن كانت العقيدة غير صحيحة بطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1872

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة