Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 112

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) (الأنعام) mp3
يُعَزِّي نَبِيّه وَيُسَلِّيه , أَيْ كَمَا اِبْتَلَيْنَاك بِهَؤُلَاءِ الْقَوْم فَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ قَبْلك .


أَيْ أَعْدَاء .


حَكَى سِيبَوَيْهِ جَعَلَ بِمَعْنَى وَصَفَ . " عَدُوًّا " مَفْعُول أَوَّل . " لِكُلِّ نَبِيّ " فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي . " شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ " بَدَل مِنْ عَدُوّ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " شَيَاطِين " مَفْعُولًا أَوَّل , " عَدُوًّا " مَفْعُولًا ثَانِيًا ; كَأَنَّهُ قِيلَ : جَعَلْنَا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ عَدُوًّا . وَقَرَأَ الْأَعْمَش : " شَيَاطِين الْجِنّ وَالْإِنْس " بِتَقْدِيمِ الْجِنّ . وَالْمَعْنَى وَاحِد .


عِبَارَة عَمَّا يُوَسْوِس بِهِ شَيَاطِين الْجِنّ إِلَى شَيَاطِين الْإِنْس . وَسُمِّيَ وَحْيًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُون خُفْيَة , وَجَعَلَ تَمْوِيههمْ زُخْرُفًا لِتَزْيِينِهِمْ إِيَّاهُ ; وَمِنْهُ سُمِّيَ الذَّهَب زُخْرُفًا . وَكُلّ شَيْء حَسَن مُمَوَّه فَهُوَ زُخْرُف . وَالْمُزَخْرَف الْمُزَيَّن . وَزَخَارِف الْمَاء طَرَائِقه . و " غُرُورًا " نَصْب عَلَى الْمَصْدَر , لِأَنَّ مَعْنَى " يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض " يَغُرُّونَهُمْ بِذَلِكَ غُرُورًا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع الْحَال . وَالْغُرُور الْبَاطِل . قَالَ النَّحَّاس : وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِإِسْنَادٍ ضَعِيف أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض " قَالَ : مَعَ كُلّ جِنِّيّ شَيْطَان , وَمَعَ كُلّ إِنْسِيّ شَيْطَان , فَيَلْقَى أَحَدهمَا الْآخَر فَيَقُول : إِنِّي قَدْ أَضْلَلْت صَاحِبِي بِكَذَا فَأَضِلَّ صَاحِبك بِمِثْلِهِ . وَيَقُول الْآخَر مِثْل ذَلِكَ ; فَهَذَا وَحْي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض . وَقَالَهُ عِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ وَالْكَلْبِيّ . قَالَ النَّحَّاس : وَالْقَوْل الْأَوَّل يَدُلّ عَلَيْهِ " وَإِنَّ الشَّيَاطِين لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ " [ الْأَنْعَام : 121 ] ; فَهَذَا يُبَيِّن مَعْنَى ذَلِكَ .

قُلْت : وَيَدُلّ عَلَيْهِ مِنْ صَحِيح السُّنَّة قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينه مِنْ الْجِنّ ) قِيلَ : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( وَلَا أَنَا إِلَّا أَنَّ اللَّه أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَم فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَيْرٍ ) . رُوِيَ ( فَأَسْلَم ) بِرَفْعِ الْمِيم وَنَصْبهَا . فَالرَّفْع عَلَى مَعْنَى فَأَسْلَمُ مِنْ شَرّه . وَالنَّصْب عَلَى مَعْنَى فَأَسْلَمَ هُوَ . فَقَالَ : ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد ) وَلَمْ يَقُلْ وَلَا مِنْ الشَّيَاطِين ; إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَبَّهَ عَلَى أَحَد الْجِنْسَيْنِ بِالْآخَرِ ; فَيَكُون مِنْ بَاب " سَرَابِيل تَقِيكُمْ الْحَرّ " [ النَّحْل : 81 ] وَفِيهِ بَعْد , وَاَللَّه أَعْلَم . وَرَوَى عَوْف بْن مَالِك عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَبَا ذَرّ هَلْ تَعَوَّذْت بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ) ؟ قَالَ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِين ؟ قَالَ : ( نَعَمْ هُمْ شَرّ مِنْ شَيَاطِين الْجِنّ ) . وَقَالَ مَالِك بْن دِينَار : إِنَّ شَيْطَان الْإِنْس أَشَدّ عَلَيَّ مِنْ شَيْطَان الْجِنّ , وَذَلِكَ أَنِّي إِذَا تَعَوَّذْت بِاَللَّهِ ذَهَبَ عَنِّي شَيْطَان الْجِنّ , وَشَيْطَان الْإِنْس يَجِيئنِي فَيَجُرّنِي إِلَى الْمَعَاصِي عِيَانًا . وَسَمِعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اِمْرَأَة تَنْشُد : إِنَّ النِّسَاء رَيَاحِين خُلِقْنَ لَكُمْ وَكُلّكُمْ يَشْتَهِي شَمَّ الرَّيَاحِين فَأَجَابَهَا عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنَّ النِّسَاء شَيَاطِين خُلِقْنَ لَنَا نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ الشَّيَاطِين


أَيْ مَا فَعَلُوا إِيحَاء الْقَوْل بِالْغُرُورِ .


أَمْر فِيهِ مَعْنَى التَّهْدِيد . قَالَ سِيبَوَيْهِ : وَلَا يُقَال وَذَرَ وَلَا وَدَعَ , اِسْتَغْنَوْا عَنْهُمَا بِتَرَكَ . قُلْت : هَذَا إِنَّمَا خَرَجَ عَلَى الْأَكْثَر . وَفِي التَّنْزِيل : " وَذَرِ الَّذِينَ " و " ذَرْهُمْ " و " مَا وَدَعَك " [ الضُّحَى : 3 ] . وَفِي السُّنَّة ( لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَام عَنْ وَدَعهمْ الْجُمُعَات ) . وَقَوْله : ( إِذَا فَعَلُوا - يُرِيد الْمَعَاصِي - فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ ) . قَالَ الزَّجَّاج : الْوَاو ثَقِيلَة ; فَلَمَّا كَانَ " تَرَكَ " لَيْسَ فِيهِ وَاو بِمَعْنَى مَا فِيهِ الْوَاو تُرِكَ مَا فِيهِ الْوَاو . وَهَذَا مَعْنَى قَوْله وَلَيْسَ بِنَصِّهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تعليق مختصر على كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    هذا تعليق مختصر كتبه فضيلة الشيخ محمد بن صـالح العثيمين - رحمه الله - على كتاب لمعة الاعتقاد الذي ألفه أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي - رحمه الله -. وقد جمع فيه مؤلفه زبدة العقيدة، ونظراً لأهمية الكتاب من جهة، وعدم وجود شرح له من جهة أخرى فقد قام الشيخ - رحمه الله - بكشف غوامضه، وتبيين موارده، وإبراز فوائده. وقد تعرض المعلق لجوانب كثيرة من جوانب العقيدة ومنها: مسألة الأسماء والصفات، ومذهب السلف فيها، والقرآن الكريم وأوصافه، والقدر، والإيمان، وكذلك السمعيات وذكر منها الإسراء والمعراج، ومجئ ملك الموت إلى موسى - عليهما السلام -، وأشراط الساعة، والحوض، والصراط، والجنة والنار. كما تعرض لخصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفضائل أصحابه - رضي الله عنهم - والشهادة بالجنة والنار، وحقوق الصحابة وحقوق زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسألة الخلافة، وأحكام البدعة وأهلها، والإجماع والتقليد بإسلوب سهل وعرض ممتع، معتمداً في ذلك على إيراد الأدلة النقلية من القرآن والسنة والتي لم يخلها من تعليق أو شرح أو بيان، وهذه التعليقات تتضمن فوائد علمية متنوعة لطلاب العلم والدارسين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313419

    التحميل:

  • رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج

    رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج : عالج فيها قضية عقدية مهمة، من أشراط الساعة، وعلامات النبوة، عظَّم النبي صلّى الله عليه وسلّم شأنها، وحذَّر أمته من خطرها، ألا وهي «فتنة المسيح الدجال». - تحقيق وتعليق : الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205543

    التحميل:

  • كمال الدين الإسلامي وحقيقته ومزاياه

    كمال الدين الإسلامي : بيان سماحة الإسلام ويسر تعاليمه، ثم بيان ما جاء به الإسلام من المساواة بين الناس في الحقوق، ثم ذكر ما تيسر من مزايا هذا الدين ومحاسنه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209199

    التحميل:

  • إني رزقت حبها [ السيرة العطرة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ]

    إني رزقت حبها [ السيرة العطرة لأم المؤمنين خديجة ]: يعرِض المؤلِّف في هذا الكتاب بعض جوانب العظمة في سيرة أم المؤمنين السيدة خديجة - رضي الله عنها -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260214

    التحميل:

  • قاعدة مختصرة في وجوب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور

    قاعدة مختصرة في وجوب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور: فإن منهج أهل السنة والجماعة مع ولاة أمرهم منهجٌ عدلٌ وسطٌ يقوم على أساس الاتباع ولزوم الأثر كما هو شأنهم في سائر أمور الدين، فهم يقتدون ولا يبتدون، ويتَّبعون ولا يبتدعون، ولا يُعارِضون سنةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعقولهم وأفكارهم وأهوائهم. وهذه رسالة قيمة من تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حول هذا الموضوع.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348314

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة