Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 105

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) (الأنعام) mp3
قَوْله تَعَالَى : " وَكَذَلِكَ نُصَرِّف الْآيَات " الْكَاف فِي كَذَلِكَ فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ نُصَرِّف الْآيَات مِثْل مَا تَلَوْنَا عَلَيْك . أَيْ كَمَا صَرَّفْنَا الْآيَات فِي الْوَعْد وَالْوَعِيد وَالْوَعْظ وَالتَّنْبِيه فِي هَذِهِ السُّورَة نُصَرِّف فِي غَيْرهَا . " وَلِيَقُولُوا دَرَسْت " وَالْوَاو لِلْعَطْفِ عَلَى مُضْمَر ; أَيْ نُصَرِّف الْآيَات لِتَقُومَ الْحُجَّة وَلِيَقُولُوا دَرَسْت . وَقِيلَ : أَيْ " وَلِيَقُولُوا دَرَسْت " صَرَّفْنَاهَا ; فَهِيَ لَام الصَّيْرُورَة . وَقَالَ الزَّجَّاج : هَذَا كَمَا تَقُول كَتَبَ فُلَان هَذَا الْكِتَاب لِحَتْفِهِ ; أَيْ آلَ أَمْره إِلَى ذَلِكَ . وَكَذَا لَمَّا صُرِّفَتْ الْآيَات آلَ أَمْرهمْ إِلَى أَنْ قَالُوا : دَرَسْت وَتَعَلَّمْت مِنْ جَبْر وَيَسَار , وَكَانَا غُلَامَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ بِمَكَّة , فَقَالَ أَهْل مَكَّة : إِنَّمَا يَتَعَلَّم مِنْهُمَا . قَالَ النَّحَّاس : وَفِي الْمَعْنَى قَوْل آخَر حَسَن , وَهُوَ أَنْ يَكُون مَعْنَى " نُصَرِّف الْآيَات " نَأْتِي بِهَا آيَة بَعْد آيَة لِيَقُولُوا دَرَسْت عَلَيْنَا ; فَيَذْكُرُونَ الْأَوَّل بِالْآخَرِ . فَهَذَا حَقِيقَة , وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاق مَجَاز . وَفِي " دَرَسْت " سَبْع قِرَاءَات . قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كَثِير " دَارَسْت " بِالْأَلِفِ بَيْن الدَّال وَالرَّاء ; كَفَاعَلْت . وَهِيَ قِرَاءَة عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَأَهْل مَكَّة . قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَعْنَى " دَارَسْت " تَالَيْت . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر " دَرَسَتْ " بِفَتْحِ السِّين وَإِسْكَان التَّاء مِنْ غَيْر أَلِف ; كَخَرَجَتْ . وَهِيَ قِرَاءَة الْحَسَن . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " دَرَسْت " كَخَرَجْت . فَعَلَى الْأُولَى : دَارَسْت أَهْل الْكِتَاب وَدَارَسُوك ; أَيْ ذَاكَرْتهمْ وَذَاكَرُوك ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر . وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ : " وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْم آخَرُونَ " [ الْفُرْقَان : 4 ] أَيْ أَعَانَ الْيَهُود النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقُرْآن وَذَاكِرُوهُ فِيهِ . وَهَذَا كُلّه قَوْل الْمُشْرِكِينَ . وَمِثْله قَوْلهمْ : " وَقَالُوا أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَة وَأَصِيلًا " [ الْفُرْقَان : 5 ] " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبّكُمْ قَالُوا أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ " [ النَّحْل : 24 ] . وَقِيلَ : الْمَعْنَى دَارَسْتنَا ; فَيَكُون مَعْنَاهُ كَمَعْنَى دَرَسْت ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس وَاخْتَارَهُ , وَالْأَوَّل ذَكَرَهُ مَكِّيّ . وَزَعَمَ النَّحَّاس أَنَّهُ مَجَاز ; كَمَا قَالَ : فَلِلْمَوْتِ مَا تَلِد الْوَالِدَة وَمَنْ قَرَأَ " دَرَسَتْ " فَأَحْسَن مَا قِيلَ فِي قِرَاءَته أَنَّ الْمَعْنَى : وَلِئَلَّا يَقُولُوا اِنْقَطَعَتْ وَامَّحَتْ , وَلَيْسَ يَأْتِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِهَا . وَقَرَأَ قَتَادَة " دَرَسْت " أَيْ قَرَأْت . وَرَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو بْن عُبَيْد عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَرَأَ " دَارَسَتْ " . وَكَانَ أَبُو حَاتِم يَذْهَب إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَة لَا تَجُوز ; قَالَ : لِأَنَّ الْآيَات لَا تُدَارِس . وَقَالَ غَيْره : الْقِرَاءَة بِهَذَا تَجُوز , وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَاتِم , وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ دَارَسَتْ أُمَّتك ; أَيْ دَارَسَتْك أُمَّتك , وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَقَدَّم لَهَا ذِكْر ; مِثْل قَوْله : " حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ " [ ص : 32 ] . وَحَكَى الْأَخْفَش " وَلْيَقُولُوا دَرُسَتْ " وَهُوَ بِمَعْنَى " دَرَسَتْ " إِلَّا أَنَّهُ أَبْلَغ . وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاس أَنَّهُ قُرِئَ " وَلْيَقُولُوا دَرَسْت " بِإِسْكَانِ اللَّام عَلَى الْأَمْر . وَفِيهِ مَعْنَى التَّهْدِيد ; أَيْ فَلْيَقُولُوا بِمَا شَاءُوا فَإِنَّ الْحَقّ بَيِّن ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ " فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا " [ التَّوْبَة : 82 ] فَأَمَّا مَنْ كَسَرَ اللَّام فَإِنَّهَا عِنْده لَام كَيْ . وَهَذِهِ الْقِرَاءَات كُلّهَا يَرْجِع اِشْتِقَاقهَا إِلَى شَيْء وَاحِد , إِلَى التَّلْيِين وَالتَّذْلِيل . و " دَرَسْت " مِنْ دَرَسَ يَدْرُس دِرَاسَة , وَهِيَ الْقِرَاءَة عَلَى الْغَيْر . وَقِيلَ : دَرَسْته أَيْ ذَلَّلْته بِكَثْرَةِ الْقِرَاءَة ; وَأَصْله دَرَسَ الطَّعَام أَيْ دَاسَهُ . وَالدِّيَاس الدِّرَاس بِلُغَةِ أَهْل الشَّام . وَقِيلَ : أَصْله مِنْ دَرَسْت الثَّوْب أَدْرُسهُ دَرْسًا أَيْ أَخَلَقْته . وَقَدْ دَرَسَ الثَّوْب دَرْسًا أَيْ أَخْلَقَ . وَيَرْجِع هَذَا إِلَى التَّذَلُّل أَيْضًا . وَيُقَال : سُمِّيَ إِدْرِيس لِكَثْرَةِ دِرَاسَته لِكِتَابِ اللَّه . وَدَارَسْت الْكُتُب وَتَدَارَسْتهَا وَادَّارَسْتهَا أَيْ دَرَسْتهَا . وَدَرَسْت الْكِتَاب دَرْسًا وَدِرَاسَة . وَدَرَسْت الْمَرْأَة دَرْسًا أَيْ حَاضَتْ . وَيُقَال إِنَّ فَرْج الْمَرْأَة يُكَنَّى أَبَا أَدْرَاس ; وَهُوَ مِنْ الْحَيْض . وَالدَّرْس أَيْضًا : الطَّرِيق الْخَفِيّ . وَحَكَى الْأَصْمَعِيّ : بَعِير لَمْ يُدَرَّس أَيْ لَمْ يُرْكَب , وَدَرَسْت مِنْ دَرَسَ الْمَنْزِل إِذَا عَفَا . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَأَصْحَابه وَأَبِي وَطَلْحَة وَالْأَعْمَش " وَلْيَقُولُوا دَرَسَ " أَيْ دَرَسَ مُحَمَّد الْآيَات . " وَلِنُبَيِّنهُ " يَعْنِي الْقَوْل وَالتَّصْرِيف , أَوْ الْقُرْآن " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الطريق إلى الإمتياز

    الطريق إلى الإمتياز : فإن الطريق إلى الامتياز في النجاح الدراسي هو منهج له أسس وقواعد قاسمها المشترك دائمًا هو الجد والاجتهاد والطموح والمثابرة. وبقليل من التنظيم الحازم، وكثير من الجد المتواصل يستطيع الطالب – أي طالب – أن ينال مراده ويظفر بمبتغاه. فما هو الطريق إلى نيل الامتياز؟ ....

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265569

    التحميل:

  • التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث

    التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث : كتاب في 219 صفحة طبع عام 1412هـ جعله مؤلفه أحد علوم الحديث ويعبر عنه بـ: لا يصح في الباب شيء ونحوها. ذكرها بعض العلماء في مضامين كتبهم وأول من ألف فيها على استقلال –فيما يعلم الشيخ- الموصلي ت 622هـ ومن بعده تخريج له أو تعقيب أو اختصار فجمع الشيخ ما فيها وأضاف لها ما وقف عليه وجعل مسائله على كتب وأبواب الفقه وما خرج عنها جعله في كتاب جامع وقد دعاه إلى جمع هذا الكتاب تقريب العلم لطلابه حتى ينتقلوا من قليله لكثيرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169195

    التحميل:

  • دور الشباب المسلم في الحياة

    في هذه الرسالة بيان دور الشباب المسلم في الحياة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209198

    التحميل:

  • سورة الحجرات: دراسة تحليلية وموضوعية

    سورة الحجرات: دراسة تحليلية وموضوعية: في هذا الكتاب وقفاتٌ مهمة مع سورة الحجرات؛ حيث تتميَّز هذه السورة بأنها مليئة بالأحكام التي تهم كل مسلمٍ.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337585

    التحميل:

  • لا تقف متفرجاً [ مشاريع دعوية منوعة ]

    لا تقف متفرجاً : في هذه الرسالة مجموعة برامج دعوية نفذت الكثير منها في القرى والمدن والمحافظات ونجحت ولله الحمد وآتت أكلها.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203882

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة