Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الأنعام - الآية 93

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) (الأنعام) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذَبَا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } يَعْنِي جَلَّ ذِكْرهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } : وَمَنْ أَخَطَأ قَوْلًا وَأَجْهَل فِعْلًا مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا , يَعْنِي : مِمَّنْ اِخْتَلَقَ عَلَى اللَّه كَذِبًا , فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَعَثَهُ نَبِيًّا وَأَرْسَلَهُ نَذِيرًا , وَهُوَ فِي دَعْوَاهُ مُبْطِل وَفِي قِيله كَاذِب . وَهَذَا تَسْفِيه مِنْ اللَّه لِمُشْرِكِي الْعَرَب وَتَجْهِيل مِنْهُ لَهُمْ فِي مُعَارَضَة عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح وَالْحَنَفِيّ مُسَيْلَمَة لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَعْوَى أَحَدهمَا النُّبُوَّة وَدَعْوَى الْآخَر أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنَفَى مِنْهُ عَنْ نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِخْتِلَاق الْكَذِب عَلَيْهِ وَدَعْوَى الْبَاطِل . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ فِيهِ نَحْو الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10562 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ جُرَيْج , قَوْله : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُسَيْلَمَة أَخِي بَنِي عَدِيّ بْن حَنِيفَة فِيمَا كَانَ يُسَجِّع وَيَتَكَهَّن بِهِ . { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح , أَخِي بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ , كَانَ يَكْتُب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ فِيمَا يُمْلِي " عَزِيز حَكِيم " , فَيَكْتُب " غَفُور رَحِيم " , فَيُغَيِّرهُ , ثُمَّ يَقْرَأ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا لِمَا حَوَّلَ , فَيَقُول : " نَعَمْ سَوَاء " فَرَجَعَ عَنْ الْإِسْلَام وَلَحِقَ بِقُرَيْشٍ وَقَالَ لَهُمْ : لَقَدْ كَانَ يَنْزِل عَلَيْهِ " عَزِيز حَكِيم " , فَأُحَوِّلهُ ثُمَّ أَقُول لِمَا أَكْتُب , فَيَقُول نَعَمْ سَوَاء ! ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام قَبْل فَتْح مَكَّة , إِذْ نَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرّ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ فِي عَبْد اللَّه بْن سَعْد خَاصَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10563 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } . . . إِلَى قَوْله : { تُجْزَوْنَ عَذَاب الْهُون } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح ; أَسْلَمَ , وَكَانَ يَكْتُب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانَ إِذَا أَمْلَى عَلَيْهِ " سَمِيعًا عَلِيمًا " , كَتَبَ هُوَ : " عَلِيمًا حَكِيمًا " ; وَإِذَا قَالَ : " عَلِيمًا حَكِيمًا " كَتَبَ : " سَمِيعًا عَلِيمًا " . فَشَكَّ وَكَفَرَ , وَقَالَ : إِنْ كَانَ مُحَمَّد يُوحَى إِلَيْهِ فَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ , وَإِنْ كَانَ اللَّه يُنْزِلهُ فَقَدْ أَنْزَلْت مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه , قَالَ مُحَمَّد : " سَمِيعًا عَلِيمًا " , فَقُلْت أَنَا : " عَلِيمًا حَكِيمًا " . فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ , وَوَشَى بِعَمَّارٍ وَجُبَيْر عِنْد اِبْن الْحَضْرَمِيّ أَوْ لِبَنِي عَبْد الدَّار , فَأَخَذُوهُمْ فَعُذِّبُوا حَتَّى كَفَرُوا . وَجُدِعَ أُذُن عَمَّار يَوْمئِذٍ , فَانْطَلَقَ عَمَّار إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ وَاَلَّذِي أَعْطَاهُمْ مِنْ الْكُفْر , فَأَبَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَلَّاهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه فِي شَأْن اِبْن أَبِي سَرْح وَعَمَّار وَأَصْحَابه : { مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطَمْئِن بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } فَاَلَّذِي أُكْرِهَ عَمَّار وَأَصْحَابه , وَاَلَّذِي شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَهُوَ اِبْن أَبِي سَرْح . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْقَائِل : { أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } مُسَيْلَمَة الْكَذَّاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10564 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي مُسَيْلَمَة . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " رَأَيْت فِيمَا يَرَى النَّائِم كَأَنَّ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب , فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي , فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ اُنْفُخْهُمَا , فَنَفَخْتهمَا فَطَارَا , فَأَوَّلْتهُمَا فِي مَنَامِي الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنهمَا : كَذَّاب الْيَمَامَة مُسَيْلَمَة , وَكَذَّاب صَنْعَاء الْعَنْسِيّ " وَكَانَ يُقَال لَهُ الْأَسْوَد . 10565 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : { أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُسَيْلَمَة . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , وَزَادَ فِيهِ : وَأَخْبَرَنِي الزُّهْرِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بَيْنَا أَنَا نَائِم رَأَيْت فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب , فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ , فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ اُنْفُخْهُمَا , فَنَفَخْتهمَا فَطَارَا , فَأَوَّلْت ذَلِكَ كَذَّاب الْيَمَامَة , وَكَذَّاب صَنْعَاء الْعَنْسِيّ " . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه قَالَ : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } وَلَا تَمَانُع بَيْن عُلَمَاء الْأُمَّة أَنَّ اِبْن أَبِي سَرْح كَانَ مِمَّنْ قَالَ : إِنِّي قَدْ قُلْت مِثْل مَا قَالَ مُحَمَّد , وَأَنَّهُ اِرْتَدَّ عَنْ إِسْلَامه وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ . فَكَانَ لَا شَكَّ بِذَلِكَ مِنْ قِيله مُفْتَرِيًا كَذِبًا . وَكَذَلِكَ لَا خِلَاف بَيْن الْجَمِيع أَنَّ مُسَيْلَمَة وَالْعَنْسِيّ الْكَذَّابَيْنِ اِدَّعَيَا عَلَى اللَّه كَذِبًا أَنَّهُ بَعَثَهُمَا نَبِيَّيْنِ , وَقَالَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا : إِنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْهِ ; وَهُوَ كَاذِب فِي قِيله . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَة كُلّ مَنْ كَانَ مُخْتَلِقًا عَلَى اللَّه كَذِبًا وَقَائِلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَان وَفِي غَيْره أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ , وَهُوَ فِي قِيله كَاذِب لَمْ يُوحِ اللَّه إِلَيْهِ شَيْئًا . فَأَمَّا التَّنْزِيل فَإِنَّهُ جَائِز أَنْ يَكُون نَزَلَ بِسَبَبِ بَعْضهمْ , وَجَائِز أَنْ يَكُون نَزَلَ بِسَبَبِ جَمِيعهمْ , وَجَائِز أَنْ يَكُون عُنِيَ بِهِ جَمِيع الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَرَب , إِذْ كَانَ قَائِلُو ذَلِكَ مِنْهُمْ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ , فَعَيَّرَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِهِمْ نَكِير ذَلِكَ . وَمَعَ تَرْكِهِمْ نَكِيره , هُمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكَذِّبُونَ , وَلِنُبُوَّتِهِ جَاحِدُونَ , وَلِآيَاتِ كِتَاب اللَّه وَتَنْزِيله دَافِعُونَ , فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِدَّعَى عَلَى النُّبُوَّة كَاذِبًا وَقَالَ : { أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } وَمَعَ ذَلِكَ يَقُول : { مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء } فَيَنْقُض قَوْله بِقَوْلِهِ , وَيُكَذِّب بِاَلَّذِي تَحَقَّقَهُ , وَيَنْفِي مَا يُثْبِتهُ ! وَذَلِكَ إِذَا تَدَبَّرَهُ الْعَاقِل الْأَرِيب , عَلِمَ أَنَّ فَاعِله مِنْ عَقْله عَدِيم . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي قَوْله : { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } مَا : 10566 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } قَالَ : زَعَمَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَالَ مِثْله - يَعْنِي الشِّعْر - . فَكَانَ اِبْن عَبَّاس فِي تَأْوِيله هَذَا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ يُوَجِّه مَعْنَى قَوْل قَائِل : سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه , إِلَيَّ : سَأُنْزِلُ مِثْل مَا قَالَ اللَّه مِنْ الشِّعْر . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ السُّدِّيّ , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَنْهُ قَبْل فِيمَا مَضَى .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّد حِين يَغْمُر الْمَوْت بِسَكَرَاتِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ , الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَالْقَائِلِينَ مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء , وَالْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّه كَذِبًا الزَّاعِمِينَ أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْهِ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء , وَالْقَائِلِينَ : سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه ; فَتُعَايِنهُمْ وَقَدْ غَشِيَتْهُمْ سَكَرَات الْمَوْت , وَنَزَلَ بِهِمْ أَمْر اللَّه , وَحَانَ فَنَاء آجَالِهِمْ , وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُو أَيْدِيهمْ يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَكَيْف إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اِتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّه وَكَرِهُوا رِضْوَانه } يَقُولُونَ لَهُمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ . وَالْغَمَرَات : جَمْع غَمْرَة , وَغَمْرَة كُلّ شَيْء : كَثْرَته وَمُعْظَمه , وَأَصْله : الشَّيْء الَّذِي يَغْمُر الْأَشْيَاء فَيُغَطِّيهَا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَهَلْ يُنْجِي مِنْ الْغَمَرَات إِلَّا بَرَاكَاء الْقِتَال أَوْ الْفِرَار وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ , مَا : 10567 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت } قَالَ : سَكَرَات الْمَوْت . 10568 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فِي غَمَرَات الْمَوْت } يَعْنِي : سَكَرَات الْمَوْت . وَأَمَّا بَسْط الْمَلَائِكَة أَيْدِيهمْ فَإِنَّهُ مَدّهَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي سَبَب بَسْطِهَا أَيْدِيهَا عِنْد ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10569 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } قَالَ : هَذَا عِنْد الْمَوْت . وَالْبَسْط : الضَّرْب ; يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ . 10570 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ ثَنِي عَمِّي : قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } يَقُول : الْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ , يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ . وَالظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت , وَمَلَك الْمَوْت يَتَوَفَّاهُمْ . 10571 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } يَضْرِبُونَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ بَسْطهَا أَيْدِيهَا بِالْعَذَابِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10572 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } قَالَ : بِالْعَذَابِ . 10573 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي صَالِح : { وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } بِالْعَذَابِ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ يَتَأَوَّل ذَلِكَ بِمَعْنَى : بَاسِطُو أَيْدِيهمْ بِإِخْرَاجِ أَنْفُسهمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : مَا وَجْه قَوْله : { أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ } وَنُفُوس بَنِي آدَم إِنَّمَا يُخْرِجهَا مِنْ أَبَدَانِ أَهْلهَا رَبّ الْعَالَمِينَ ؟ فَكَيْف خُوطِبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار , وَأُمِرُوا فِي حَال الْمَوْت بِإِخْرَاجِ أَنْفُسهمْ ؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُون بَنُو آدَم هُمْ يَقْبِضُونَ أَنْفُس أَجْسَامهمْ ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي إِلَيْهِ ذَهَبْت , وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْر مِنْ اللَّه عَلَى أَلْسُن رُسُله الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أَرْوَاح هَؤُلَاءِ الْقَوْم مِنْ أَجْسَامهمْ , بِأَدَاءِ مَا أَسْكَنَهَا رَبّهَا مِنْ الْأَرْوَاح إِلَيْهِ وَتَسْلِيمهَا إِلَى رُسُله الَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَهَا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْم تُجْزَوْنَ عَذَاب الْهُون بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه غَيْر الْحَقّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاته تَسْتَكْبِرُونَ } . وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا تَقُول رُسُل اللَّه الَّتِي تَقْبِض أَرْوَاح هَؤُلَاءِ الْكُفَّار لَهَا , يُخْبِر عَنْهَا أَنَّهَا تَقُول لِأَجْسَامِهَا وَلِأَصْحَابِهَا : أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ إِلَى سَخَط اللَّه وَلَعْنَتِهِ , فَإِنَّكُمْ الْيَوْم تُثَابُونَ عَلَى كُفْركُمْ بِاَللَّهِ , وَقِيلكُمْ عَلَيْهِ الْبَاطِل , وَزَعْمِكُمْ أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْكُمْ وَلَمْ يُوحِ إِلَيْكُمْ شَيْئًا , وَإِنْذَاركُمْ أَنْ يَكُون اللَّه أَنْزَلَ عَلَى بَشَر شَيْئًا , وَاسْتِكْبَاركُمْ عَنْ الْخُضُوع لِأَمْرِ اللَّه وَأَمْر رَسُوله وَالِانْقِيَاد لِطَاعَتِهِ . { عَذَاب الْهُون } وَهُوَ عَذَاب جَهَنَّم الَّذِي يُهِينهُمْ فَيُذِلّهُمْ , حَتَّى يَعْرِفُوا صَغَار أَنْفُسهمْ وَذِلَّتهَا . كَمَا : 10574 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا { عَذَاب الْهُون } فَاَلَّذِي يُهِينهُمْ . 10575 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { الْيَوْم تُجْزَوْنَ عَذَاب الْهُون } قَالَ : عَذَاب الْهُون فِي الْآخِرَة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . وَالْعَرَب إِذَا أَرَادَتْ بِالْهُونِ مَعْنَى الْهَوَان ضَمَّتْ الْهَاء , وَإِذَا أَرَادَتْ بِهِ الرِّفْق وَالدَّعَة وَخِفَّة الْمَئُونَة فَتَحْت الْهَاء , فَقَالُوا : هُوَ قَلِيل هَوْن الْمَئُونَة ; وَمِنْهُ قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْض هَوْنًا } يَعْنِي : بِالرِّفْقِ وَالسَّكِينَة وَالْوَقَار ; وَمِنْهُ قَوْل الْمُثَنَّى اِبْن جَنْدَل الطُّهَوِيّ . وَنَقْض أَيَّام نَقَضْنَ أَسْره هَوْنًا وَأَلْقَى كُلّ شَيْخ فَخْره وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : هَوْنكُمَا لَا يَرُدّ الدَّهْر مَا فَاتَا لَا تَهْلِكَا أَسَفًا فِي إِثْر مَنْ مَاتَا يُرِيد : رَوْدًا . وَقَدْ حُكِيَ فَتْح الْهَاء فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى الْهَوَان وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ عَامِر بْن جُوَيْن : نُهِينُ النُّفُوسَ وَهَوْن النُّفُوس عِنْدَ الْكَرِيهَةِ أَعْلَى لَهَا وَالْمَعْرُوف مِنْ كَلَامهمْ ضَمّ الْهَاء مِنْهُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْهَوَان وَالذُّلّ , كَمَا قَالَ ذُو الْإِصْبَع الْعُدْوَانِيّ : اِذْهَبْ إِلَيْك فَمَا أُمِّيّ بِرَاعِيَةٍ تَرْعَى الْمَخَاضَ وَلَا أُغْضِي عَلَى الْهُونِ يَعْنِي عَلَى الْهَوَان . وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الرِّفْق فَفَتْحهَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حقوق الإنسان في الإسلام

    حقوق الإنسان في الإسلام : في هذا البحث بيان حقيقة حقوق الإنسان كما تثار في عالمنا المعاصر، مع وضع شعاراتها، ومفاهيمها، ونتائجها، في ميزان الإسلام.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144878

    التحميل:

  • مظاهر الرحمة للبشر في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم

    مظاهر الرحمة للبشر في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم: بحث حاز على جائزة المركز الثاني بالمناصفة في مسابقة معالي السيد حسن عباس شربتلي العالمية للتعريف بنبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - عام 1428هـ، وهو عبارة عن تسع محاضراتٍ ألقتها الدكتورة سارة آدم تعرِض فيها البحث الذي ألَّفه الدكتور زيد عمر العيص حول مظاهر الرحمة للبشر في شخصية النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وفيما يلي عرضٌ لعناوين تلك المحاضرات: المحاضرة الأولى: أزمة في القِيَم وبخل في التاريخ. المحاضرة الثانية: بوادر انفراج وكرم من التاريخ. المحاضرة الثالثة: سوء الفهم، لماذا؟ المحاضرة الرابعة: معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر. المحاضرة الخامسة: الرحمة أولاً. المحاضرة السادسة: العدل الواجب والرحمة الواجبة توازن وتكامل. المحاضرة السابعة: الحرب الرحيمة. المحاضرة الثامنة: وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين. المحاضرة التاسعة: الرحمة بالقوارير.

    الناشر: موقع البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة http://www.mercyprophet.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/317911

    التحميل:

  • الدين الصحيح يحل جميع المشاكل

    الدين الصحيح يحل جميع المشاكل: كتيب بين فيه المصنف - رحمه الله - بعض محاسن الدين الإسلامي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2132

    التحميل:

  • المسابقات القرآنية المحلية والدولية

    تقرير موجز عن المسابقات القرآنية المحلية - في المملكة العربية السعودية حرسها الله بالإسلام - والدولية.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111038

    التحميل:

  • التبيان في أيمان القرآن

    التبيان في أيمان القرآن : هذا الكتاب عظيم النفع، طيب الوقع، سال فيه قلم ابن القيم - رحمه الله - بالفوائد المحررة، والفرائد المبتكرة، حتى فاض واديه فبلغ الروابي، وملأ الخوابي، قصد فيه جمع ماورد في القرآن الكريم من الأيمان الربانية وما يتبعها من أجوبتها وغايتها وأسرارها، فبرع وتفنن، ثم قعد وقنن، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

    المدقق/المراجع: عبد الله بن سالم البطاطي

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265620

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة