Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الأنعام - الآية 31

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) (الأنعام) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَة بَغْتَة قَالُوا يَا حَسْرَتنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه } قَدْ هَلَكَ وَوُكِسَ فِي بَيْعهمْ الْإِيمَان بِالْكُفْرِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه , يَعْنِي : الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْث بَعْد الْمَمَات وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْجَنَّة وَالنَّار , مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلهمْ فِي ذَلِكَ . { حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَة } يَقُول : حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَة الَّتِي يَبْعَث اللَّه فِيهَا الْمَوْتَى مِنْ قُبُورهمْ . وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ الْأَلِف وَاللَّام فِي " السَّاعَة " , لِأَنَّهَا مَعْرُوفَة الْمَعْنَى عِنْد الْمُخَاطَبِينَ بِهَا , وَأَنَّهَا مَقْصُود بِهَا قَصْد السَّاعَة الَّتِي وُصِفَتْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { بَغْتَة } : فَجْأَة مِنْ غَيْر عِلْم مَنْ تَفْجَؤُهُ بِوَقْتِ مُفَاجَأَتهَا إِيَّاهُ , يُقَال مِنْهُ : بَغَتّه أَبْغَتهُ بَغْتَة : إِذَا أَخَذْته , كَذَلِكَ { قَالُوا يَا حَسْرَتنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وُكِسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه , بِبَيْعِهِمْ مَنَازِلَهُمْ مِنْ الْجَنَّة بِمَنَازِل مَنْ اِشْتَرَوْا مَنَازِلَهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة مِنْ النَّار , فَإِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَة بَغْتَة , قَالُوا إِذَا عَايَنُوا مَا بَاعُوا وَمَا اِشْتَرَوْا وَتَبَيَّنُوا خَسَارَة صَفْقَة بَيْعهمْ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا تَنَدُّمًا وَتَلَهُّفًا عَلَى عَظِيم الْغَبْن الَّذِي غَبَنُوهُ أَنْفُسهمْ وَجَلِيل الْخُسْرَان الَّذِي لَا خُسْرَان أَجَلّ مِنْهُ : { يَا حَسْرَتنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } يَقُول : يَا نَدَامَتنَا عَلَى مَا ضَيَّعْنَا فِيهَا ; يَعْنِي فِي صَفْقَتِهِمْ تِلْكَ . وَالْهَاء وَالْأَلِف فِي قَوْله : { فِيهَا } مِنْ ذِكْر الصَّفْقَة , وَلَكِنْ اِكْتَفَى بِدَلَالَةِ قَوْله : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه } عَلَيْهَا مِنْ ذِكْرِهَا , إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْخُسْرَان لَا يَكُون إِلَّا فِي صَفْقَة بَيْع قَدْ خَسِرَتْ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : قَدْ وُكِسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه , بِبَيْعِهِمْ الْإِيمَان الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنْ اللَّه رِضْوَانه وَجَنَّته بِالْكُفْرِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنْهُ سَخَطه وَعُقُوبَته , وَلَا يَشْعُرُونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْخُسْرَان فِي ذَلِكَ حَتَّى تَقُوم السَّاعَة ,

فَإِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَة بَغْتَة فَرَأَوْا مَا لَحِقَهُمْ مِنْ الْخُسْرَان فِي بَيْعهمْ قَالُوا حِينَئِذٍ تَنَدُّمًا . { يَا حَسْرَتنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } ! . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10268 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { يَا حَسْرَتنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } أَمَّا " يَا حَسْرَتنَا " : فَنَدَامَتنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا فَضَيَّعْنَا مِنْ عَمَل الْجَنَّة . 10269 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد بْن مِهْرَان , قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي سَعِيد , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي قَوْله : { يَا حَسْرَتنَا } قَالَ : " يَرَى أَهْل النَّار مَنَازِلَهُمْ مِنْ الْجَنَّة فَيَقُولُونَ يَا حَسْرَتنَا " .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورهمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه { يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ عَلَى ظُهُورهمْ } . وَقَوْله { وَهُمْ } مِنْ ذِكْرهمْ . { يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ } يَقُول : آثَامهمْ وَذُنُوبهمْ , وَاحِدهَا وِزْر , يُقَال مِنْهُ : وَزَرَ الرَّجُل يَزِرُ : إِذَا أَثِمَ , فَإِنْ أُرِيد أَنَّهُمْ أَثِمُوا قِيلَ : قَدْ وَزَرَ الْقَوْم فَهُمْ يُوزَرُونَ وَهُمْ مَوْزُورُونَ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ : أَنَّ الْوِزْر : الثِّقْل وَالْحِمْل . وَلَسْت أَعْرِف ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي شَاهِد وَلَا مِنْ رِوَايَة ثِقَة عَنْ الْعَرَب . وَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : { عَلَى ظُهُورهمْ } لِأَنَّ الْحِمْل قَدْ يَكُون عَلَى الرَّأْس وَالْمَنْكِب وَغَيْر ذَلِكَ , فَبَيَّنَ مَوْضِع حِمْلِهِمْ مَا يَحْمِلُونَ مِنْ ذَلِكَ , وَذَكَرَ أَنَّ حِمْلَهُمْ أَوْزَارهمْ يَوْمئِذٍ عَلَى ظُهُورهمْ ; نَحْو الَّذِي : 10270 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا الْحَكَم بْن بَشِير بْن سَلْمَان , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن قَيْس الْمُلَائِيّ , قَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْره اِسْتَقْبَلَهُ عَمَله فِي أَحْسَن صُورَة وَأَطْيَبه رِيحًا , فَيَقُول لَهُ : هَلْ تَعْرِفنِي ؟ فَيَقُول : لَا , إِلَّا أَنَّ اللَّه قَدْ طَيَّبَ رِيحك وَحَسَّنَ صُورَتك . فَيَقُول : كَذَلِكَ كُنْت فِي الدُّنْيَا , أَنَا عَمَلك الصَّالِح , طَالَمَا رَكِبْتُك فِي الدُّنْيَا فَارْكَبْنِي أَنْتَ الْيَوْم وَتَلَا : {
يَوْم

نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا } 19 58 . وَإِنَّ الْكَافِر يَسْتَقْبِلهُ أَقْبَح شَيْء صُورَة وَأَنْتَنُهُ رِيحًا , فَيَقُول : هَلْ تَعْرِفنِي ؟ فَيَقُول : لَا , إِلَّا أَنَّ اللَّه قَدْ قَبَّحَ صُورَتك وَأَنْتَنَ رِيحَك . فَيَقُول : كَذَلِكَ كُنْت فِي الدُّنْيَا , أَنَا عَمَلُك السَّيِّئ طَالَمَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا فَأَنَا الْيَوْم أَرْكَبُكَ ! وَتَلَا : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } . 10271 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ } قَالَ : لَيْسَ مِنْ رَجُل ظَالِم يَمُوت فَيَدْخُل قَبْره إِلَّا جَاءَ رَجُل قَبِيح الْوَجْه أَسْوَد اللَّوْن مُنْتِن الرِّيح عَلَيْهِ ثِيَاب دَنِسَة , حَتَّى يَدْخُل مَعَهُ قَبْره , فَإِذَا رَآهُ قَالَ لَهُ : مَا أَقْبَح وَجْهك ! قَالَ : كَذَلِكَ كَانَ عَمَلُك قَبِيحًا . قَالَ : مَا أَنْتَنَ رِيحُكَ ! قَالَ : كَذَلِكَ كَانَ عَمَلُك مُنْتِنًا . قَالَ : مَا أَدْنَس ثِيَابك ! قَالَ : فَيَقُول : إِنَّ عَمَلك كَانَ دَنِسًا . قَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا عَمَلُك . قَالَ : فَيَكُون مَعَهُ فِي قَبْره ; فَإِذَا بُعِثَ يَوْم الْقِيَامَة , قَالَ لَهُ : إِنِّي كُنْت أَحْمِلُك فِي الدُّنْيَا بِاللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَات , فَأَنْتَ الْيَوْم تَحْمِلنِي . قَالَ : فَيَرْكَب عَلَى ظَهْرِهِ فَيَسُوقهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّار ; فَذَلِكَ قَوْله : { يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورهمْ } . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَلَا سَاءَ الْوِزْر الَّذِي يَزِرُونَ : أَيْ الْإِثْم الَّذِي يَأْثَمُونَهُ بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ . كَمَا : 10272 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } قَالَ : سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حديث الثقلين بين السنة والشيعة

    حديث الثقلين بين السنة والشيعة : إن علماء الشيعة - هدانا الله وإياهم إلى الحق فهموا من حديث الثقلين بأن أهل السنة لا يتبعون أهل البيت، ولم يتمسكوا بما جاءوا به، بل اتبعوا أعداءهم! ولكي تنكشف لك الحقيقة ويُزال هذا اللبس، وليتبين لك من يحب أهل البيت ويواليهم، ومن يبغضهم ويعاديهم كانت هذه الرسالة، والتي بينت من هم آل البيت؟، ثم بينت معنى التمسك بالثقلين عند أهل السنة، ثم بيان العمل بحديث الثقلين بين السنة والشيعة. - قدم للرسالة: الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/286905

    التحميل:

  • كشف الكربة في وصف أهل الغربة

    هذه الرسالة تحتوي على وصف أهل الغربة، الذين قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - { بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء }.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116946

    التحميل:

  • من تواضع لله رفعه

    من تواضع لله رفعه: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن من صفات المؤمنين الإنابة والإخبات والتواضع وعدم الكبر. ومن استقرأ حياة نبي هذه الأمة يجد فيها القدوة والأسوة، ومن تتبع حياة السلف الصالح رأى ذلك واضحًا جليًا. وهذا هو الجزء «العشرون» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان: «من تواضع لله رفعه»».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229612

    التحميل:

  • سر النجاح ومفتاح الخير والبركة والفلاح [ كيف تكون ناجحًا في أعمالك ]

    سر النجاح ومفتاح الخير والبركة والفلاح [ كيف تكون ناجحًا في أعمالك ]: رسالة مفيدة تبين المراد بصلاة الاستخارة، فضلها وأهميتها، صفتها، هل تجزئ صلاة الاستخارة عن تحية المسجد والسنة الراتبة، وقتها، الأمور التي تشرع لها الاستخارة، هل يشترط التردد، هل يشرع تكرار الاستخارة؟ ... إلخ.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/328720

    التحميل:

  • تكريم المرأة في الإسلام

    تكريم المرأة في الإسلام : لقد كرم الإسلام المرأة بأن جعلها مربية الأجيال، وربط صلاح المجتمع بصلاحها، وفساده بفسادها، لأنها تقوم بعمل عظيم في بيتها، ألا وهو تربية الأولاد الذين يتكوَّن منهم المجتمع، ومن المجتمع تتكون الدولة المسلمة. وبلغ من تكريم الإسلام للمرأة أن خصص لها سورة من القرآن سماها «سورة النساء» ولم يخصص للرجال سورة لهم، فدل ذلك على اهتمام الإسلام بالمرأة، ولا سيما الأم، فقد أوصى الله تعالى بها بعد عبادته، وفي هذه الرسالة بيان بعض صور تكريم الإسلام للمرأة.

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314994

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة