Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الأنعام - الآية 12

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) (الأنعام) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ : لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض ؟ يَقُول : لِمَنْ مُلْك مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض . ثُمَّ أَخْبِرْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ الَّذِي اِسْتَعْبَدَ كُلّ شَيْء وَقَهَرَ كُلّ شَيْء بِمُلْكِهِ وَسُلْطَانه , لَا لِلْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَاد وَلَا لِمَا يَعْبُدُونَهُ وَيَتَّخِذُونَهُ إِلَهًا مِنْ الْأَصْنَام الَّتِي لَا تَمْلِك لِأَنْفُسِهَا نَفْعًا وَلَا تَدْفَع عَنْهَا ضُرًّا . وَقَوْله : { كَتَبَ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة } يَقُول : قَضَى أَنَّهُ بِعِبَادِهِ رَحِيم , لَا يُعَجِّل عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ وَيَقْبَل مِنْهُمْ الْإِنَابَة وَالتَّوْبَة . وَهَذَا مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ اِسْتِعْطَاف لِلْمُعْرِضِينَ عَنْهُ إِلَى الْإِقْبَال إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ , يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِي الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتك يَا مُحَمَّد , إِنْ تَابُوا وَأَنَابُوا قَبِلْت تَوْبَتهمْ , وَإِنِّي قَدْ قَضَيْت فِي خَلْقِي أَنَّ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْء . كَاَلَّذِي : 10204 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ ذَكْوَان , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " لَمَّا فَرَغَ اللَّه مِنْ الْخَلْق كَتَبَ كِتَابًا : إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي " . 10205 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثَنَا اللَّيْل , عَنْ أَبِي عُثْمَان , عَنْ سُلَيْمَان , قَالَ : " إِنَّ اللَّه - تَعَالَى - لَمَّا خَلَقَ السَّمَاء وَالْأَرْض , خَلَقَ مِائَة رَحْمَة , كُلّ رَحْمَة مِلْء مَا بَيْن السَّمَاء إِلَى الْأَرْض , فَعِنْده تِسْع وَتِسْعُونَ رَحْمَة , وَقَسَمَ رَحْمَة بَيْن الْخَلَائِق فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا تَشْرَب الْوَحْش وَالطَّيْر الْمَاء , فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة قَصَرَهَا اللَّه عَلَى الْمُتَّقِينَ وَزَادَهُمْ تِسْعًا وَتِسْعِينَ " . - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ اللَّيْل , عَنْ أَبِي عُثْمَان , عَنْ سَلْمَان نَحْوه , إِلَّا أَنَّ اِبْن أَبِي عَدِيّ لَمْ يَذْكُر فِي حَدِيثه وَبِهَا تَشْرَب الْوَحْش وَالطَّيْر الْمَاء . 10206 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ عَاصِم بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِي عُثْمَان , عَنْ سُلَيْمَان , قَالَ : نَجِد فِي التَّوْرَاة عَطْفَتَيْنِ : أَنَّ اللَّه خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض , ثُمَّ خَلَقَ مِائَة رَحْمَة - أَوْ : جَعَلَ مِائَة رَحْمَة - قَبْل أَنْ يَخْلُق الْخَلْق , ثُمَّ خَلَقَ الْخَلْق فَوَضَعَ بَيْنهمْ رَحْمَة وَاحِدَة , وَأَمْسَكَ عِنْده تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَة , قَالَ : فَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ , وَبِهَا يَتَبَاذَلُونَ , وَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ , وَبِهَا يَتَزَاوَرُونَ , وَبِهَا تَحِنّ النَّاقَة , وَبِهَا تَئِجُّ الْبَقَرَة , وَبِهَا تَيْعَر الشَّاة , وَبِهَا تُتَابِع الطَّيْر , وَبِهَا تُتَابِع الْحِيتَان فِي الْبَحْر ; فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جَمَعَ اللَّه تِلْكَ الرَّحْمَة إِلَى مَا عِنْده , وَرَحْمَته أَفْضَل وَأَوْسَع . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَاصِم بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ , عَنْ سَلْمَان , فِي قَوْله : { كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } . . . الْآيَة , قَالَ : إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاة عَطْفَتَيْنِ , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ مَا قَالَ : " وَبِهَا تُتَابِع الطَّيْر , وَبِهَا تُتَابِع الْحِيتَان فِي الْبَحْر " . 10207 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْخَلْق , لَمْ يَعْطِف شَيْء عَلَى شَيْء , حَتَّى خَلَقَ مِائَة رَحْمَة , فَوَضَعَ بَيْنهمْ رَحْمَة وَاحِدَة , فَعَطَفَ بَعْض الْخَلْق عَلَى بَعْض . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ بِمِثْلِهِ . 10208 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : وَأَخْبَرَنِي الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة - حَسِبْته أَسْنَدَهُ - قَالَ : إِذَا فَرَغَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْقَضَاء بَيْن خَلْقه , أَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ تَحْت الْعَرْش فِيهِ : " إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي , وَأَنَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ " قَالَ : فَيُخْرَج مِنْ النَّار مِثْل أَهْل الْجَنَّة , أَوْ قَالَ مِثْلَا أَهْلِ الْجَنَّةِ , وَلَا أَعْلَمهُ إِلَّا قَالَ : " مِثْلَا " , وَأَمَّا مِثْل فَلَا أَشُكّ مَكْتُوبًا هَا هُنَا , وَأَشَارَ الْحَكَم إِلَى نَحْره , عُتَقَاء اللَّه . فَقَالَ رَجُل لِعِكْرِمَة : يَا أَبَا عَبْد اللَّه , فَإِنَّ اللَّه يَقُول : { يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّار وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَاب مُقِيم } 5 37 قَالَ : وَيْلَك ! أُولَئِكَ أَهْلهَا الَّذِينَ هُمْ أَهْلهَا . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة - حَسِبْت أَنَّهُ أَسْنَدَهُ - قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَخْرَجَ اللَّه كِتَابًا مِنْ تَحْت الْعَرْش , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه , غَيْر أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ رَجُل : يَا أَبَا عَبْد اللَّه , أَرَأَيْت قَوْله : { يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّار } 5 37 وَسَائِر الْحَدِيث مِثْل حَدِيث اِبْن عَبْد الْأَعْلَى . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ هَمَّام بْن مُنَبِّه , قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا قَضَى اللَّه الْخَلْق كَتَبَ فِي كِتَاب فَهُوَ عِنْده فَوْق الْعَرْش : إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي " . 10209 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي أَيُّوب , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّ لِلَّهِ مِائَة رَحْمَة , فَأَهْبَطَ رَحْمَة إِلَى أَهْل الدُّنْيَا يَتَرَاحَم بِهَا الْجِنّ وَالْإِنْس وَطَائِر السَّمَاء وَحِيتَان الْمَاء وَدَوَابّ الْأَرْض وَهَوَامّهَا وَمَا بَيْن الْهَوَاء ; وَاخْتَزَنَ عِنْده تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَة , حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة اِخْتَلَجَ الرَّحْمَة الَّتِي كَانَ أَهْبَطَهَا إِلَى أَهْل الدُّنْيَا , فَحَوَاهَا إِلَى مَا عِنْده , فَجَعَلَهَا فِي قُلُوب أَهْل الْجَنَّة وَعَلَى أَهْل الْجَنَّة . 10210 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : أَنَّ لِلَّهِ مِائَة رَحْمَة , أَهْبَطَ مِنْهَا إِلَى الْأَرْض رَحْمَة وَاحِدَة يَتَرَاحَم بِهَا الْجِنّ وَالْإِنْس وَالطَّيْر وَالْبَهَائِم وَهَوَامّ الْأَرْض . 10211 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَوْف , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَة عَبْد الْقُدُّوس بْن الْحَجَّاج , قَالَ : ثَنَا صَفْوَان بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنِي أَبُو الْمُخَارِق زُهَيْر بْن سَالِم , قَالَ : قَالَ عُمَر لِكَعْبٍ : مَا أَوَّل شَيْء اِبْتَدَأَهُ اللَّه مِنْ خَلْقه ؟ فَقَالَ كَعْب : كَتَبَ اللَّه كِتَابًا لَمْ يَكْتُبهُ بِقَلَمٍ وَلَا مِدَاد , وَلَكِنَّهُ كَتَبَ بِأُصْبُعِهِ يَتْلُوهَا الزَّبَرْجَد وَاللُّؤْلُؤ وَالْيَاقُوت : " أَنَا اللَّه لَا إِلَه إِلَّا أَنَا سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي " .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيَجْمَعَنكُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا رَيْب فِيهِ } وَهَذِهِ اللَّام الَّتِي فِي قَوْله : { لَيَجْمَعَنكُمْ } لَام قَسَم . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي جَالِبهَا , فَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : إِنْ شِئْت جَعَلْت الرَّحْمَة غَايَة كَلَام , ثُمَّ اِسْتَأْنَفْت بَعْدهَا : { لَيَجْمَعَنكُمْ } , قَالَ : وَإِنْ شِئْت جَعَلْته فِي مَوْضِع نَصْب , يَعْنِي كَتَبَ { لَيَجْمَعَنكُمْ } كَمَا قَالَ : { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ } 6 54 يُرِيد : كَتَبَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ . قَالَ : وَالْعَرَب تَقُول فِي الْحُرُوف الَّتِي يَصْلُح مَعَهَا جَوَاب كَلَام الْأَيْمَان بِأَنَّ الْمَفْتُوحَة وَبِاللَّامِ , فَيَقُولُونَ : أَرْسَلْت إِلَيْهِ أَنْ يَقُوم , وَأَرْسَلْت إِلَيْهِ لَيَقُومَن . قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْله : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوْا الْآيَات لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } 12 35 . قَالَ وَهُوَ فِي الْقُرْآن كَثِير ; أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ قُلْت : بَدَا لَهُمْ أَنْ يَسْجُنُوهُ , لَكَانَ صَوَابًا ؟ وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : نُصِبَتْ لَام { لَيَجْمَعَنكُمْ } لِأَنَّ مَعْنَى كِتَاب كَأَنَّهُ قَالَ : وَاَللَّه لَيَجْمَعَنكُمْ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُون قَوْله : { كَتَبَ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة } غَايَة , وَأَنْ يَكُون قَوْله : { لَيَجْمَعَنكُمْ } خَبَر مُبْتَدَأ , وَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : لَيَجْمَعَنكُمْ اللَّه أَيُّهَا الْعَادِلُونَ بِاَللَّهِ لِيَوْمِ الْقِيَامَة الَّذِي لَا رَيْب فِيهِ لِيَنْتَقِمَ مِنْكُمْ بِكُفْرِكُمْ بِهِ . وَإِنَّمَا قُلْت : هَذَا الْقَوْل أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ إِعْمَال كَتَبَ فِي { لَيَجْمَعَنكُمْ } لِأَنَّ قَوْله : { كَتَبَ } قَدْ عَمِلَ فِي الرَّحْمَة , فَغَيْر جَائِز وَقَدْ عَمِلَ فِي الرَّحْمَة أَنْ يَعْمَل فِي : { لَيَجْمَعَنكُمْ } لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى اِثْنَيْنِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا أَنْتَ قَائِل فِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة } 6 54 أَنَّهُ بِفَتْحِ أَنَّ ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ إِذْ قُرِئَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ " أَنَّ " بَيَان عَنْ الرَّحْمَة وَتَرْجَمَة عَنْهَا ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : كَتَبَ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة أَنْ يَرْحَم [ مَنْ تَابَ ] مِنْ عِبَاده بَعْد اِقْتِرَاف السُّوء بِجَهَالَةٍ , وَيَعْفُو وَالرَّحْمَة يُتَرْجَم عَنْهَا , وَيُبَيَّن مَعْنَاهَا بِصِفَتِهَا , وَلَيْسَ مِنْ صِفَة الرَّحْمَة { لَيَجْمَعَنكُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة } فَيَكُون مُبَيَّنًا بِهِ عَنْهَا . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُنْصَب بِنِيَّةِ تَكْرِير كَتَبَ مَرَّة أُخْرَى مَعَهُ , وَلَا ضَرُورَة بِالْكَلَامِ إِلَى ذَلِكَ فَتُوُجِّهَ إِلَى مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي ظَاهِر . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله { لَا رَيْب فِيهِ } فَإِنَّهُ لَا يُشَكّ فِيهِ , يَقُول : فِي أَنَّ اللَّه يَجْمَعكُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَيَحْشُركُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا , ثُمَّ يُؤْتَى كُلّ عَامِل مِنْكُمْ أَجْر مَا عَمِلَ مِنْ حَسَن أَوْ سَيِّئ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : لَيَجْمَعَنَّ اللَّه الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ , يَقُول : الَّذِينَ أَهْلَكُوا أَنْفُسهمْ وَغَبَنُوهَا بِادِّعَائِهِمْ لِلَّهِ النِّدّ وَالْعَدِيل , فَأَبْقَوْهَا بِإِيجَابِهِمْ سَخَط اللَّه وَأَلِيم عِقَابه فِي الْمَعَاد . وَأَصْل الْخَسَار : الْغَبْن , يُقَال مِنْهُ : خَسِرَ الرَّجُل فِي الْبَيْع : إِذَا غُبِنَ , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : لَا يَأْخُذ الرِّشْوَة فِي حُكْمه وَلَا يُبَالِي خُسْر الْخَاسِر وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَمَوْضُوع " الَّذِينَ " فِي قَوْله : { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ } نَصْب عَلَى الرَّدّ عَلَى الْكَاف وَالْمِيم فِي قَوْله : { لَيَجْمَعَنكُمْ } عَلَى وَجْه الْبَيَان عَنْهَا . وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ , هُمْ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ : { لَيَجْمَعَنكُمْ } . وَقَوْله : { فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول : فَهُمْ لِإِهْلَاكِهِمْ أَنْفُسهمْ وَغَبْنهمْ إِيَّاهُ حَظّهَا لَا يُؤْمِنُونَ , أَيْ لَا يُوَحِّدُونَ اللَّه وَلَا يُصَدِّقُونَ بِوَعْدِهِ وَوَعِيده وَلَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهباً

    تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهباً : في هذا الملف تعقيبات على كتاب السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172270

    التحميل:

  • المحرر في علوم القرآن

    المحرر في علوم القرآن : جاءت خطة الكتاب على النحو الآتي: - الباب الأول: مدخل إلى علوم القرآن. ويشتمل على ثلاثة فصول: - الفصل الأول: مفهوم علوم القرآن. - الفصل الثاني: نشأة علوم القرآن. - الفصل الثالث: الرق بين علوم القرآن وأصول التفسير. - الباب الثاني: نزول القرآن وجمعه. ويشتمل على خمسة فصول: - الفصل الأول: الوحي. - الفصل الثاني: نزول القرآن. - الفصل الثالث: المكي والمدني. - الفصل الرابع: أسباب النزول. - الفصل الخامس جمع القرآن. - الباب الثالث: علوم السور. ويشتمل على خمسة فصول: - الفصل الأول: أسماء السور. - الفصل الثاني: عدد آي السور. - الفصل الثالث: فضائل السور. - الفصل الرابع: ترتيب السور. - الفصل الخامس: موضوعات السور ومقاصدها. - الباب الرابع: المصحف .. عناية الأمة به. ويشتمل على فصلين: - الفصل الأول: عناية العلماء بالمصحف. - الفصل الثاني: مثال معاصر لعناية العلماء بضبط المصحف

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291769

    التحميل:

  • منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية

    منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية : هذا الكتاب من أعظم كتب الإمام المجاهد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - رحمه الله -، قد رد فيه على شبه الرافضة، وبين فيه بطلان مذهبهم، وشباب الاسلام اليوم بأمس الحاجة إلى قراءة هذا الكتاب، ومعرفة محتواه؛ حيث أطل الرفض على كل بلد من بلاد الإسلام، وغيرها بوجهه الكريه، وكشر عن أنيابه الكالحة، وألقى حبائله أمام من لا يعرف حقيقته، مظهرا غير مبطن ديدن كل منافق مفسد ختال؛ فاغتر به من يجهل حقيقته، ممن لم يقرأ مثل هذا الكتاب.

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272828

    التحميل:

  • شرح حديث معاذ رضي الله عنه

    شرح لحديث معاذ - رضي الله عنه - قَالَ كُنْتُ رِدْيفَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ « يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِى حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ». قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِه شَيْئاً، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ « لاَ تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2497

    التحميل:

  • من وصايا الآباء والأمهات للبنين والبنات

    هذه الرسالة تحتوي على ما تيسر من وصايا الآباء والأمهات للبنين والبنات.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209200

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة